رافضو مقاطعة ماركات تجارية بالمغرب منبوذون.. الحملة تتحول إلى محاكمات شعبية وتخوفات من أعمال عنف

توجهت فاطمة صباحاً لأحد محلات البقالة بالحي الذي تقطن فيه بالعاصمة المغربية الرباط؛ لاقتناء نصف لتر من الحليب، يسألها البقال: “لم يتبقَّ إلا حليب (سنطرال).. هل تأخذينه؟”، هزت رأسها إيجاباً، مدت له الثمن قبل أن تعود إلى البيت، “أعلم أن المغاربة يقاطعون هذه الشرطة المنتجة للحليب، لكن المهم لديَّ أن أُعِدّ وجبة الفطور لأبنائي قبل مغادرة المنزل، لكنهم غضبوا ورفضوا تناوله، والسبب ماركة الحليب طبعاً”، تقول السيدة الأربعينية لـ”عربي بوست”.

لفاطمة ابنان يبلغان من العمر 17 سنة و21 سنة، طلبا من والدتهما إعادة العلبة للبقال وتعويض قهوة الصباح بإبريق شاي مُنَعنَع، “انتقداني بشدة وخلقا مشكلة من لا شيء، فيما امتنعتُ عن إعادة الحليب؛ لأني أحسست بالحرج من البقال، إلا أني لن أعود لاقتناء تلك العلامة التجارية مجدداً إلى أن يُقرر المغاربة ذلك”.

وعقب 3 أسابيع من انطلاق حملة مقاطعة واسعة لـ3 من أهم الماركات التجارية وأشهرها بالمغرب وهي مياه “سيدي علي” و حليب “سنطرال” وبنزين “إفريقيا”، فإن مواقف المغاربة تبقى متباينة، بين من يعتبر الأمر عاديا، فلكلِّ مواطن الحق في اختيار المنتجات الغذائية الراغب في استهلاكها، ومن أصبح يجد الأمر مُحرجاً ويجعله محطَّ نظرات العتاب.

ماركات منبوذة .. وعارٌ على البيوت!

وإذا كان ابنا فاطمة هما من انتقداها بشدة، فإن الحاج الحسن، (70 عاماً)، لاقى معاملة أكثر لطفاً من طرف شاب وصديقه التقيا معاً داخل محل تجاري، “بسبب أمراض الكِلي وإزالتي المتكررة للحصى، اعتدت اقتناء مياه معدنية من ماركة (باهية)، وهو ما هممت بفعله، طالباً من صاحب البقالة مدِّي بـ10 لترات منه، قبل أن يتدخل الشَّباب”.

“عمِّي الحاج، ألا علم لك بالمقاطعة التي يخوضُها المغاربة منذ أسابيع ضد عدد من المنتجات؟”، بادرا الشيخ متسائلَين، قبل أن ينصحاه باستبدالها بمياه أخرى؛ لأن “باهية” كما “سيدي علي” ليستا إلا أحد منتجات مجموعة “أولماركوم” التي تملكها وتديرها مريم بنصالح رئيسة الاتحاد العام لمقاولات المغرب.

الشيخ انصاع لكلام الشابين، اللذين بادرا لاختيار ماركة مياه منافِسة له، اقتناها الرجل الذي كان يرتدي جلباباً تقليدياً أبيض تماماً كما لون لحيته دون أن ينبس ببنت شفة، وفق ما عاينته “عربي بوست”، قبل أن يعمد الشابان إلى حمل عبوات المياه الثقيلة عنه والوصول بها إلى غاية بيته القريب.

اعتداء و”بلطجة”!

بات المغاربة يعلمون أن مقاطعة عدد من الماركات التجارية نجحت، وأنها كبَّدت شركات عملاقة بالسوق المغربية خسائر فادحة، وانتقل التأثير السلبي لهذه المقاطعة إلى قيمة أسهم هذه الشركات المُدرَجة في بورصة الدار البيضاء؛ إذ سجلت كل من “سنطرال دانون” و”إفريقيا” و”أولماس” ضمن الحصص التي شهدت أكبر الانخفاضات، وذات الأداء الأضعف.

احتجاج المغاربة على ارتفاع الأسعار وغلائها بهذه الطريقة غير مسبوق بالمرة، فما إن تم الإعلان قبل 3 أسابيع عن مقاطعة 3 من أهم العلامات التجارية وأشهرها بالمغرب، بالإضافة إلى جميع المنتجات التي تنتجها الشركات المعنيّة بالمقاطعة، حتى انضم جلُّ المواطنين إلى الحملة الشعبية وآمنوا بأهدافها رغم عدم معرفة من كان وراءها بالضبط، لتكون بذلك أحد الأحداث القليلة التي شكلت شبه إجماع لدى المغاربة.

إلا أن أهداف المقاطعة التي تبقى اختيارية بالنهاية، اتخذت منحىً آخر لدى البعض؛ إذ بات يعاني عدد من مستخدمي وموظفي الشركات المعنيَّة بالمقاطعة مضايقات عند أداء مهامهم اليومية في توزيع الحليب والمياه المعدنية، وهو ما تطور إلى اعتداء جسدي، كانت مدينة تمارة، قرب العاصمة الرباط، مسرحاً له نهاية الأسبوع الماضي.

“وصلنا إلى حي الفردوس بمدينة تمارة، وكنت إلى جانب سائق شاحنة توزيع الحليب، شاهدت شخصاً يقترب منا ويتفوَّه بكلمات نابية، قبل أن أسمع صوت ارتطام”، يقول “س.ي” بصوت خفيض لـ”عربي بوست”، وهو الذي أصيب إصابات خطيرة على مستوى رأسه ووجهه عقب قذف المتهم قنينة زجاجية كسرت زجاج نافذة الشاحنة وأصابت المستخدم المكلف التوزيع.

سرعان ما تم القبض على المعتدي من طرف السلطات، البالغ من العمر 30 سنة من ذوي السوابق القضائية العديدة؛ وذلك للاشتباه بتورطه في قضية تتعلق بالاعتداء الجسدي المقرون بالسب والشتم في حق سائق شاحنة تابعة لشركة لمنتجات الحليب.

وذكر بلاغ للمديرية العامة للأمن الوطني أن “مصالح الأمن الوطني سجَّلت الأحد 7 مايو/أيار 2018، شكاية الممثل القانوني لشركة الحليب حول تعرض أحد المستخدمين، للسب والشتم المقرون بالرَّشق بقنينة زجاجية من قِبل المشتبه فيه، مع منعه من تسليم بضاعته لأحد المحلات التجارية”.

أدب المقاطعة.. غناء وكوميديا

ما إن انطلقت مقاطعة منتجات شهيرة حتى تفتَّقت قريحة المغاربة على إبداعات عديدة في مجالات الغناء والسخرية التي باتت تضج بها الشبكات الاجتماعية، التي شكلت تربة خصبة لحملة المقاطعة الشعبية وما تلاها من ردود فعل.

ووجد فنانون ومبدعون مغاربة، مبتدئون ومغمورون، في “اليوتيوب” مساحة فسيحة لنشر مجموعة من المقاطع والتمثيليات الكوميدية التي تدعو المغاربة ضِمنياً للاستمرار في المقاطعة، أو تسخر من أصحاب الشركات المنتِجة للحليب والماء والبنزين بطريقة هزلية، مع تمرير رسائل تنتصر للشعب المغربي ولكرامته.

https://www.facebook.com/sarahacomic/videos/487560884995655/

كما تم إطلاق النكات في حق مجموعة من كبار سياسيي المغرب ومسؤوليه ممن لم يجدوا رداً مناسباً على حملة المقاطعة سوى شتم المغاربة عبر أوصاف كـ”المداويخ”، المصابين بالدوار دون تمييز الأمور بعقل، و”القطيع” و”خونة الوطن” وغيرها.

للأغاني الحماسية نصيب كذلك من “أدب المقاطعة” الذي أسَّس له نشطاء مغاربة، وهو ما وجده الدكتور علي الشعباني، الباحث في علوم الاجتماع، طريقة ناجحة لترسيخ فكرة المقاطعة وإيصالها لأكبر شريحة ممكنة، والتمادي في ذلك عن طريق الابتكار والإبداع واستثمار التكنولوجيا والشبكات الاجتماعية.

الشعباني أبرز ضمن حديثه لـ”عربي بوست”، أن هناك “من يريد تعميق قوة الأفعال عن طريق الفن، سواء عبر (السكيتشات) الكوميدية أو الأغاني، ليس للتسلية ولكن إمعاناً في تبليغ الرسالة للناس كافة ولجميع شرائحهم”، متابعاً: “هناك من تصل له الفكرة عبر النقاش العقلاني، وهناك من يفهمها عبر السخرية والتنكيت”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top