نزعة ترمب الجاكسونية تضرب سمعة أميركا وتطيح بها من الزعامة العالمية.. انسحب من الاتفاق مع “إيران المتحايلة” دون خطة بديلة

كما هو الحال مع معظم إعلانات ترمب الكبرى في السياسة الخارجية، صاغ الرئيس الأميركي قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني معتمداً على الإشارة إلى مدى السوء الذي تفاوض به سلفه باراك أوباما على الاتفاق، وكيف أنَّه (ترمب) يفي بتعهُّده الانتخابي بالتخلص من الاتفاق، حسب تقرير صحيفة The Washington Post.

قال ترمب: “الحقيقة هي أنَّ ذلك كان اتفاقاً مُريعاً يستفيد منه جانب واحد، وما كان ينبغي عقده قط. إنَّه لم يجلب الهدوء، ولم يحل السلام، ولن يفعل ذلك أبداً”.

وإلى جانب ذلك، أضاف ترمب أنَّ إيران “ستواجه مشكلاتٍ أكبر مما واجهته في أي وقتٍ مضى” إذا ما قرَّرت مواصلة “طموحاتها النووية”.

لكنَّ ترمب لم يمنح إشاراتٍ تُذكَر على ما سيحدث الآن. فهو لم يطرح استراتيجيةً جديدة وفق The Washington Post. ولم يُقدِّم أفكاراً جديدة بشأن كيفية تحقيق ما يُسمِّيه “حلاً حقيقياً وشاملاً ودائماً للتهديد النووي الإيراني” وسلوكيات إيران السيئة الأخرى، مثل أنشطتها في سوريا واليمن، بخلاف إشارته إلى “العمل مع حلفائنا”، والبقاء منفتحين على أي تغييرٍ في المواقف من جانب الحكومة الإيرانية تحت نير العقوبات المفروضة من جديد.

وبالنسبة للكثيرين من منتقديه، بما في ذلك البعض في الحزبين الجمهوري والديمقراطي والقادة الأوروبيون الذين قضوا الأشهر القليلة الماضية يحاولون معالجة مخاوفه، لا توجد خطة بديلة.

لا اتفاقات رديئة

بعد الإعلان، قال جون بولتون، مستشار ترمب الجديد للأمن القومي، إنَّ الانسحاب من الاتفاق النووي يضع الولايات المتحدة في “موقف قوة”، ستكون له “تداعيات ليس فقط على إيران، بل أيضاً على اللقاء القادم مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. إنَّه يبعث برسالة واضحة مفادها أنَّ الولايات المتحدة لن تقبل باتفاقاتٍ رديئة”.

إلى جانب ذلك، قال بولتون دون الخوض في تفاصيل إنَّ “البيئة الاستراتيجية العالمية” قد تغيَّرت منذ توقيع الاتفاق. وتحدَّث بولتون فيما كان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في طريقه إلى كوريا الشمالية، من أجل لقاءٍ للتحضير لقمة ترمب مع الزعيم الكوري الشمالي. وأضاف: “أعتقد أنَّ الرسالة المُوجَّهة لكوريا الشمالية هي أنَّ الرئيس يرغب في اتفاقٍ حقيقي”.

ولا أحد يعلم ما إن كانت كوريا الشمالية تنظر إلى الرفض الكامل من جانب الإدارة للاتفاقية الدولية التي وقَّعتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات فقط باعتبارها تحذيراً. يُذكر أنَّ رؤية ترمب للمصالح الاستراتيجية الأميركية قادته كذلك إلى الانسحاب من اتفاقياتٍ دولية كبرى للمناخ والتجارة.

ماذا عن مصداقية أميركا؟

وقال جيف فليك، السيناتور الجمهوري عن ولاية أريزونا: “لدينا ما يكفي من المشكلات حول العالم فيما يتعلَّق بمصداقيتنا، سواءٌ في التجارة أو التعاملات التجارية أو الترتيبات الأمنية. وحدوث هذا الآن، في هذه المرحلة، لن يكون جيداً لنا، لاسيما التداعيات غير المباشرة على الترتيبات الأخرى، مع كوريا الشمالية ربما”، وفق ما جاء في The Washington Post.

جاءت الإشادات بالقرار من بلدانٍ تتضمَّن إسرائيل والسعودية، اللتين ضغطتا من أجل الانسحاب باعتباره أمراً حيوياً لأمنهما. وقال جون كورنين السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس في بيان: “الرئيس ترمب محق في التخلي عن الاتفاق السيئ الذي عقدته إدارة أوباما”.

كما عبَّر سعوديون عن فرحة غامرة إزاء الإعلان، ونشروا على تويتر صوراً لترامب وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مع تعليقات مثل “انتصرنا”، و”اللعبة انتهت”، و”أفعال لا أقوال”.

وغرَّد أحدهم قائلاً “لا يمكن إبرام اتفاق مع الشيطان، والسعودية تدعم تماماً قرار الرئيس ترامب… معاً ننتصر”.

منصب الزعامة العالمية!

لكن بالنسبة لآخرين، كان ذلك هو الانحدار الأحدث ضمن التراجعات الترمبية (نسبةً إلى ترمب) من منصب الزعامة العالمية، إذ قال السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة فرانسوا ديلاتر: “إنَّه التجلِّي الأمثل للحظة الجاكسونية التي تمر بها أميركا” (نسبةً إلى الرئيس الأميركي آندرو جاكسون وكنايةً عن التوجه الانعزالي والشعبوي). وأضاف أنَّ السياسة الأميركية الحالية “خليطٌ من الأحادية والعزلة”، وهو ما سمّاه ديلاتر بـ”الأحادية الانعزالية”.

وعبَّر الكثيرون عن قلقهم حيالَ الافتقار إلى خطةٍ واضحة. فقال لامار ألكسندر السيناتور الجمهوري عن ولاية تينيسي: “قال الرئيس إنَّه سيعمل مع حلفائنا للحصول على اتفاقٍ أفضل مع إيران. آمل أن يحدث ذلك”.

“الأسف والقلق”

وجاء بيانٌ مشتركٌ أصدره كلٌّ من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي مُعتدلاً في تعبيره عن “الأسف والقلق” بشأن قرار ترمب. وقالوا في البيان إنَّ “هذا الاتفاق يظل مهماً لأمننا المشترك”، وتعهَّدوا بمواصلة التزامهم به.

واتفقوا على أهمية مواصلة المباحثات بشأن مباعث القلق المشتركة حيال صواريخ إيران الباليستية، وأنشطتها المُزعزِعة للاستقرار في الشرق الأوسط. لكنَّ مسؤولين رفيعين من الدول الثلاث قالوا سراً إنَّهم ليست لديهم أدنى فكرة، كيف يعتزم ترمب المضي قدماً بعيداً عن إعادته فرض العقوبات السابقة وتخطيطه لفرض المزيد منها.

وعَرَضَ القادة الأوروبيون الثلاثة، المنخرطون في مفاوضاتٍ مع الولايات المتحدة منذ يناير/كانون الثاني الماضي، عدداً من المقترحات لتضييق الخناق على برنامج إيران للصواريخ الباليستية، وأنشطتها المُزعزِعة للاستقرار في سوريا واليمن، ودعمها لتنظيماتٍ إرهابية.

ومع أنَّ مسؤولي وزارة الخارجية على الطرف الآخر من طاولة المفاوضات اعتقدوا أنَّ تقدُّماً مهماً قد أُحرِز، رَفَضَ ترمب الخطة.

وطرح ماكرون أثناء زيارته لواشنطن، الشهر الماضي أبريل/نيسان، استراتيجيةً من 4 محاور للحفاظ على الاتفاق النووي، كجزءٍ من جهدٍ أوسع لمعالجة المخاوف الأخرى، بما في ذلك التوصل لحلٍّ سياسي في سوريا، من شأنه تقليص النفوذ الإيراني. وأعلن ترمب أنَّ الاستراتيجية مثيرة للاهتمام، لكنَّه لم يتشبث بها.

في الماضي، قال ترمب عدة مرات إنَّ الأوروبيين لا يعبأون سوى بجني الأموال في إيران. وفي مباحثات الأوروبيين العديدة مع ترمب حول إيران هذا العام 2018، طلبوا منه تجنُّب الإضرار باستثماراتهم هناك، حتى لو قرَّر انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق.

لكن في نهاية المطاف، أوضحت الإدارة جلياً أنَّه لن تكون هناك استثناءات في إعادة فرض عقوباتها التي رُفِعَت كجزءٍ من الاتفاق النووي.

وطوال مباحثات ترمب مع الأوروبيين، لم يُقدِّم اقتراحاتٍ تُذكَر بشأن كيفية تحقيق أهدافه، تارِكاً لحلفائه أمر الإتيان بمقترحاتٍ يمكن أن يقبلها أو -كما تبيَّن- يرفضها.

وبدا أنَّ ترمب لا يقبل حتى وجهات نظر إدارته، التي عبَّر عنها وزير دفاعه ومدير استخباراته الوطنية -وبومبيو في جلسةٍ لتأكيد تعيينه مؤخراً- بأنَّ إيران ممتثلةٌ تماماً لشروط الاتفاق النووي.

انتهاك إيران لقيود الاتفاق المُتعلِّقة بالماء الثقيل

إذ قال بولتون: “أعتقد أنَّ هناك الكثير من المسائل في الموضوع لسنا ببساطة قادرين على الجزم ما إن كانوا ممتثلين لها أم لا. وهناك الكثير من المسائل الأخرى التي أعتقد أنَّهم انتهكوها بوضوح”.

وبهذا الصدد، ذكر انتهاك إيران لقيود الاتفاق المُتعلِّقة بالماء الثقيل، وهي مادة كيميائية تُستخدَم في أحد المفاعلات النووية، وبإمكانها إنتاج البلوتونيوم. لكنَّ إيران أغلقت المفاعل، وتوقَّفت عن إنتاج الماء الثقيل بعد انتقاداتٍ من مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال بولتون إنَّ الرئيس “أتاح فرصاً متكرّرة لمحاولة إصلاح الاتفاق، وأراد أن يدع كل الجهود تمضي قُدُماً، وفعل ذلك بالفعل، حتى أيامٍ قليلة قبل انقضاء مهلة 12 مايو/أيار”، لتقرير ما إن كان سيُرجئ العقوبات الأميركية أم يعيد فرضها.

وأضاف: “في مواجهة الدليل القاطع على أنَّ العيوب الجوهرية في الاتفاق لا يمكن إصلاحها، أعتقد أنَّ الرئيس اتخذ القرار بالمضي قُدُماً”.

السؤال المطروح الآن هو ما إن كان الحلفاء مستعدين للخضوع أكثر من أجل مناشدة رئيسٍ يرون أنَّ لديه رؤيةً حول الوجهة التي يريد الوصول إليها، لكن دون أن تكون لديه فكرةٌ تُذكَر عن كيفية الوصول إليها. وبقدر ما ينظرون إلى القيادة الأميركية باعتبارها ضروريةً لتحقيق أي شيءٍ مهم في عالم اليوم المُستقطَب، فإنَّه قد لا تكون أمامهم خياراتٌ كثيرة.

ومن وجهة نظر ترمب، حتى إيران ستخضع لإرادته في النهاية.

إذ قال: “سيقول قادة إيران، على نحوٍ طبيعي، إنَّهم يرفضون التفاوض على اتفاقٍ جديد. إنَّهم يرفضون، وهذا جيد. لربما كنتُ سأقول الأمر نفسه لو كنتُ مكانهم. لكن الحقيقة هي أنَّهم سيرغبون في عقد اتفاقٍ جديد ودائم”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top