خالَفَ وعوده وسارع بنقل السفارة لمبنى قديم بالقدس.. الهدف توفير مليار دولار كما يقول ترمب أم لسبب شخصي؟

تفاخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه يفي بوعوده، عندما قرَّر نقل السفارة الأميركية إلى القدس، كما تباهى بأن قراره وفَّر نحو مليار دولار من أموال دافعي الضرائب، ولكن يبدو أنه لا وفَّى بوعوده، ولا حمى أموالَ الأميركيين.

فقد قال ترمب أمام حشد من مستمعيه إنه يفي بكل فخر بوعد قد قطعه أثناء الحملة الانتخابية بافتتاح السفارة الأميركية في القدس، كما تباهَى بأن براعته ودهاءه في مجال العقارات ساعدا بالفعل على توفير أموال دافعي الضرائب، عبر استخدام مبنى قائم بالفعل كمقرٍّ للسفارة، و(هو مكان لموقع الخدمات القنصلية بجنوب القدس) بدل إنفاقها على موقع جديد للسفارة.

تلقَّى ترمب تصفيقاً حاداً ومطولاً أثناء حشد نُظّم ضمن حملته، عندما قال إن السفارة الجديدة ستُفتتح يوم الإثنين، وبثمن زهيد، حسب ما ورد في تقرير لصحيفة Washington Post الأميركية.

فبطريقة مسرحية قال ترمب: “سألتهم، كم ستكون التكلفة؟ وهو أمر لا يُسأل عنه الرؤساء الآخرون. فأجابوا “سيدي، ستصل التكلفة إلى مليار دولار”.

وأردف قائلاً خلال تجمُّع حاشد، مساء الخميس، في إلكارت، بولاية إنديانا “مقابل 150 ألف دولار، يمكنني إصلاح مبنى قائم. و”سيكون جميلاً”.

نقل السفارة يطيح بوعده الآخر.. “الصفقة النهائية” في مهب الريح

لكن الرئيس الأميركي لم يذكر أيَّ شيءٍ عن وعده الآخر أثناء حملته الانتخابية بالسعي للتوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، أو حقيقة أن الوفاء بالوعد الأول، على الأقل في الوقت الراهن، قد أعاق فرصة  تحقيق الوعد الثاني.

فقد وُضعت مبادرة السلام الإقليمية بقيادة مستشار الرئيس وصهره جاريد كوشنر جانباً، بسبب غضب الفلسطينيين إزاء التحول الذي شهدته عقود من السياسة الأميركية فيما يتعلق بالسفارة، التي اعتبرت أن وضع القدس المتنازع عليه هو قضية يتعين حلّها من خلال المفاوضات.

قبل الإعلان عن نقل السفارة، كان من المتوقَّع على نطاق واسع الكشف عن خطة ترمب للسلام في أوائل عام 2018، ثم يعقب ذلك إجراء محادثات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. فقد تحدَّث ترمب بشكل موسع في العام الماضي عن وجود فرصة لتحقيق “الصفقة النهائية”، وقدرته على النجاح فيما فشل فيه الآخرون.

من جانبهم، وصف القادة الفلسطينيون عملية نقل السفارة بأنها خيانة، وتنازل عن دور الولايات المتحدة كوسيط محايد في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وقاطعوا الاجتماعات مع المسؤولين الأميركيين منذ الإعلان عن تلك الخطوة، في شهر ديسمبر/كانون الأول 2017.

وليس من المتوقع أن يجتمع القادة الفلسطينيون مع أي من كبار المسؤولين الأميركيين الذين سيحضرون افتتاح السفارة يوم الإثنين، ومن بينهم كوشنر وزوجته إيفانكا ترمب.

ولن يحضر ترمب، ولا نائب الرئيس بنس أو وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي يقود نائبه جون سوليفان الوفد.

وقد يعد التمثيل الدبلوماسي المنخفض نسبياً للوفد، هو إشارة إلى أن البيت الأبيض لا يزال يتمسك بالأمل في طرح عملية السلام هذا العام، على الرغم من عدم وجود بوادر على تحقيق أي تقدم.

وقد ضبط موعد الافتتاح ليكون مُصاحباً للاحتفالات بالذكرى السبعين لتأسيس إسرائيل، في الـ14 من شهر مايو/أيار.

هل ماتت الخطة التي بَشَّر بها ترمب؟

“الخطة لم تمُتْ بعد، وستقدم “في الوقت المناسب”، هكذا يقول  مسؤولون أميركيون، ولكن ترمب لم يأتِ على ذكر هذا الأمر علانية منذ شهور، رغم أنه بدا متفائلاً عندما زار رئيسُ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو البيت الأبيض، في أوائل شهر مارس/آذار 2018.

وقال ترمب في ذلك الوقت “نحن نعمل على ذلك بكل جِدٍّ”. وأضاف “سيكون إنجازاً عظيماً -وحتى من وجهة النظر الإنسانية- ما هو الأفضل إذا تمكنا من صنع السلام بين إسرائيل والفلسطينيين؟ وأستطيع أن أخبركم بأننا نعمل بكل جد للقيام بذلك. وأعتقد أن لدينا فرصة جيدة للغاية”.

وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي زار الشرق الأوسط مؤخرا ، إن الولايات المتحدة لا تتخذ أي موقف نهائي بشأن “الخطوط الفاصلة أو الحدود”، وستدعم حلَّ إقامة الدولتين “إذا وافق الطرفان على ذلك”.

ودعا بومبيو الفلسطينيين إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، لكنه لم يلتق بهم عندما زار إسرائيل، في أول رحلة له كوزير للخارجية في الشهر الماضي.

مؤيدو القرار: تحطيم المحظورات يساعد على تحقيق السلام

“نقل السفارة سيُساعد على تعزيز فرص تحقيق السلام بدلاً من أن يلحق بها ضرر”، هكذا صرَّح البيت الأبيض في مواجهة الانتقادات من أوروبا والعالم الإسلامي.

ويصف مسؤولون في الإدارة قرار نقل السفارة بأنه جاء في إطار اعتراف ضمني، بأن القدس تعمل بالفعل بوصفها عاصمة إسرائيل، وستظل كذلك في أي مفاوضات.

نالت تلك الفكرة الاستحسان والدعم المفاجئ، يوم السبت، من سفير الولايات المتحدة السابق في إسرائيل، في ظلِّ إدارة الرئيس باراك أوباما. وكتب دان شابيرو في عمود لموقع شبكة سي إن إن الإخبارية CNN.com قائلاً، إن “تحطيم هذه المحظورات مفيد في حد ذاته”، و”يساعد على إعادة البحث عن حلٍّ لهذا الصراع من جذوره”، وفي تقسيم فلسطين.

وأضاف “لقد أدركت الأمم المتحدة في عام 1947، أن الصراع يتطلَّب إقامة دولتين، وهو ما يعني منطقياً أن اليهود والعرب يجب أن يتقاسموا الأرض”.

ولا توجد دول أخرى لديها سفارة في القدس، على الرغم من أن بعض الدول قد عملت من هناك حتى الثمانينات. ولكن بعد القرار الأميركي، وتحديداً يوم الأربعاء القادم، ستفتتح غواتيمالا سفارتها في القدس.

وقال سفير ترمب إلى إسرائيل، فريدمان، في يوم الجمعة، إنه خلال 70 عاماً من التاريخ الإسرائيلي و51 عاماً منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية والضفة الغربية خلال حرب الأيام الستة، لم يكن الصراع أقرب للتوصل إلى حلٍّ نهائي من الآن.

وأردف قائلاً “إن أحد الأمور التي اعتقدنا أنها مهمة فيما يتعلق بالنزاع هو النظر في مختلف نقاط القوة، ورؤية الكيفية التي يمكننا أن نعدل من خلالها تلك النقاط من أجل خلق قوة محركة بشكل أفضل لعملية السلام”.

وأضاف: “ما رآه الرئيس الأميركي هو أن الفلسطينيين كان لهم في الأساس حق النقض على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وبذلك أنت تمنحهم نفوذاً بطريقة غير مفيدة”.

رفضوا، أم لم تتم دعوتهم .. لماذا يغيب الجميع عن الافتتاح؟

المفاوضُ الفلسطيني صائب عريقات، اتَّهم إدارةَ ترمب، الأسبوع الماضي، بانتهاك القانون الدولي و”التزاماتها تجاه عملية السلام”.

وقال عريقات: “بما أن واشنطن تنتهج سياسة تشجيع الفوضى الدولية وتجاهل المنظمات والقانون الدولي، ندعو جميع الهيئات الدبلوماسية ومنظمات المجتمع المدني والسلطات الدينية إلى مقاطعة حفل الافتتاح”.

وأضاف عريقات أن حضور الحفل “سيُضفي شرعية على قرار غير قانوني، واستمرار سياسات الاحتلال الإسرائيلي والاستعمار والضمّ”.

وقال فريدمان، متحدثاً إلى الصحفيين من تل أبيب، إنه لم تتم دعوة الدبلوماسيين من الدول الأخرى إلى الافتتاح “ولذلك فإنه من غير الصحيح أن تقول أي دولة أخرى إنها رفضت دعوتنا لأننا ببساطة لم نرسل أية دعوات”.

ولكن حسب تقرير الصحيفة الأميركية، رَفَض بعض الدبلوماسيين الأوروبيين والدبلوماسيين الآخرين حضورَ احتفال منفصل برعاية وزارة الخارجية الإسرائيلية.

وصف جيريمي بن عامي، رئيس مجموعة “جى ستريت J Street”، وهي مجموعة أميركية تؤيد تسوية سلمية بين الدولتين، نقلَ السفارة بأنه “عمل انتحاري” يمنع الولايات المتحدة من القيام بأي دور في المساعدة على التوصل إلى صفقة بالحجم والتعقيد الذي يسعى إليه ترمب.

وقال “لقد خسرت هذه الإدارة مصداقيتها كوسيط محتمَل، ولا يُمكن إصلاح ذلك”. وأضاف “إذا قدّمت أي نوع من الاقتراحات، فإن أكثر ما يمكن أن يتوقعه المرء هو أنه سيكون سرداً لنقاط المناقشة التي يطرحها اليمين الإسرائيلي- التي تُمثل الاقتراحات المنتشرة في إسرائيل منذ بعض الوقت، ولكن لا تمثل أي شيء يُمكن أن يقبله مفاوض فلسطيني”.

يخطئ في حسابه للتكاليف ويقول إن أميركا نالت احترامَ العالم بالقرار

يستشهد ترمب، تاجر العقارات الثري، الذي أخطأ في العديد من التفاصيل في حساباته عن تكلفة إقامة السفارة، بأن نقل البعثة يُعد مثالاً على أسلوبه الجريء في القيادة.

وفِي البداية، قال ترمب إنه خفّض تكلفة السفارة الجديدة مما يقدر بمليار دولار إلى 250 ألف دولار. لكن في أواخر أبريل/نيسان 2018، قال إنه خصص 300 ألف دولار إلى 400 ألف دولار.
غير أن هذه التكلفة لا تغطي نقل عشرات الموظفين الإضافيين المتوقع أن ينتقلوا إلى الموقع خلال السنة التالية وإعداد المبنى لهم، حسب تقرير آخر لصحيفة Washington Post.

واعتبر ترمب إن “أميركا نالت الاحترام مرة أخرى. وبطريقة مختلفة تماماً عما حدث من قبل”.

وأردف قائلاً “بعد وعود العديد من الإدارات والرؤساء، التي لم يفوا بها أبداً -وأقاموا حملاتهم الانتخابية على وعد لم يفوا به أبداً- في الأسبوع المقبل، سنفتتح السفارة الأميركية في القدس أخيراً”.

وقوبل قرار ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بتنديد واسع في العالمين العربي والإسلامي بما فيه حلفاء للولايات المتحدة وأصدقائها.

كما أعرب الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عن الانزعاج من قرار الرئيس الأميركي، ومن تداعياته على أي فرص لإحياء السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

كما قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، إن اعتراف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل أدَّى لتعقيد الوضع في الشرق الأوسط، وسبَّب انقساماً في المجتمع الدولي.

المبنى هو أكثر المنشآت الأميركية أمناً بالقدس.. ويقع على خطِّ المواجهة

الأمر “سيكون جميلاً”، هكذا وصف ترمب القرار الذي أبلغه للسفير الأميركي في إسرائيل ديفيد م. فريدمان، بأن ينفق نحو 300 ألف دولار، على المبنى القائم  الذي تم اختياره كمقر للسفارة.

مبلغ المليار دولار الذي تحدَّث ترمب عن توفيره جاء على أساس تكلفة بناء السفارة في الموقع الحالي، والذي تم اختياره على اعتبار أنه يقع بأرض كانت تحت السيادة الإسرائيلية قبل عام 1967، ويرى الإسرائيليون أنه من المرجح أن تظل في أيدي إسرائيل بموجب أي اتفاق سلام في المستقبل.

وهذا المبنى تم افتتاحه في 14 شارع دافيد فلوسر في عام 2010، وهو مبنى حديث وصديق للبيئة، حسب تقرير آخر Washington Post.

 وكان المبنى يستخدم لتوفير الخدمات مثل تجديد جوازات السفر لمواطني الولايات المتحدة وتطبيقات التأشيرة من قبل السكان المحليين.
والموقع هو “أحدث وأكثر المنشآت أمناً في الولايات المتحدة في القدس وتل أبيب”، حسبما قال أحد المسؤولين الأميركيين.
أما حي أرنونا الذي يوجد به المبنى فكان يقع على خط المواجهة خلال الحرب الإسرائيلية العربية عام 1948، ويمتد المبنى إلى خطوط الهدنة التي رسمت في العام التالي بين إسرائيل والأردن.

هل وفَّى بوعده حقاً للشعب الأميركي بتوفير مليار دولار؟

حديث ترمب عن توفير مليار دولار لا يبدو دقيقاً، لأن هذا المبنى الجديد للسفارة هو مجرد مقر مؤقت.

فبموجب الخطط التي قُدِّمت إلى الكونغرس هذا العام، فإن السفارة الجديدة ستتخذ في البداية أماكن مؤقتة في ذلك الموقع مقراً لها. وستبلغ التكلفة ما بين 300 ألف دولار إلى 500 ألف دولار، ويبدو أن هذا هو الرقم الذي أشار إليه ترمب أثناء التجمع.

وليس من الواضح أن بنية المبنى وطريقة تنظيمه ستُلبي المتطلبات القانونية واللوجستية اللازمة لنقل معظم العمليات من تل أبيب.

وتضم السفارة الأميركية في تل أبيب 850 موظفاً، وسيتم الانتهاء من بناء مبنى سفارة جديد تماماً في القدس، في غضون من 7 إلى 10 سنوات، بحيث ينتقل عدد كبير من الموظفين إلى الموقع الجديد.

أي أن الولايات المتحدة، لن تكتفي بهذا المبنى وستُشيد في الأغلب في نهاية الأمر مبنى جديداً للسفارة بتكاليف لن تكون قليلة بالتأكيد.

فلماذا تعجل إذن بنقل السفارة رغم أن الولايات المتحدة ستدفع تكاليف مبنى جديد؟

يبدو أن ترمب لديه نوع آخر من الاعتراف، كشفه عندما تحدَّث عن افتتاح السفارة خلال التجمع في ولاية إنديانا الأميركية.

فقد قال “سألت، متى سيكون الافتتاح؟ فأجابوا، في أي وقت ما بين خمس إلى عشر سنوات”. فقال ترمب: قد لا تمكن هذه المدة الطويلة ترمب من الإشراف على المشروع. وقد لا تمكنه أيضاً من نسبة الفضل إليه. هذا ما قال ترمب متحدثاً عن نفسه!.

لهذا أردف قائلاً “حسناً إذن، سنفتتح السفارة الأسبوع المقبل”.

إذ يبدو أن مسارعته بالانتقال لمبنى قائم ليس هدفه توفير النفقات كما قال، ولكن أن يكون افتتاح السفارة في عهد ترمب وليس غيره، أو ليضمن أن يتم الافتتاح بالفعل، وألا يأتي رئيس آخر ليعيد السياسة التقليدية الأميركية، بإرجاء نقل السفارة للقدس.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top