عاد من البقاع المقدسة بعد تأدية مناسك العمرة فقرر أن يترك لحيته، لكن محمد اليوم مضطر إلى حلاقتها بشكل كامل، بسبب إجراءات مالية جديدة تحضر الحكومة لإقرارها في قادم الأيام.
محمد ملزم بحلق اللحية لأخذ صور شمسية، من أجل ملف تجديد جواز السفر “علي أن أفعل ذلك سريعاً قبل أن تتضاعف تكلفة استخراجه.. هكذا يقولون”.
وأدرجت الحكومة الجزائرية، بنوداً في مشروع قانون المالية التكميلي، تتضمن استحداث وزيادة كبيرة في تسعيرات استخراج الوثائق الرسمية البيومترية، الأمر الذي أثار استهجان الجزائريين، وأدى إلى توقع حركات احتجاجية في حالة المصادقة على النص التشريعي من قبل البرلمان مطلع يوليو المقبل.

الحكومة تعترف وتبرر
بعد أيام من السخط على مواقع التواصل الاجتماعي، خرجت حكومة الوزير الأول أحمد أويحيى عن صمتها، وأصدرت الخميس 24 مايو/أيار 2018، بياناً توضيحياً ترد فيه على ما وصفته بـ”تسريبات منظمة حول مشروع تمهيدي لقانون المالية التكميلي 2018، تخص التسعيرات الجديدة للوثائق الإلكترونية”.
التسعيرات الجديدة الـمطبقة على الوثائق الإلكترونية تعكس قيمة التكلفة حيث قدمت الـمؤسسة التابعة لوزارة الداخلية التي أنجزت الوثائق، أسعار تكلفة كل وثيقة من هذه الوثائق، حيث تم من هذا الـمنطلق، تحديد التسعيرات الجديدة لاستصدارها”.
وأوضحت أن “بطاقة التعريف الوطنية البيومترية الإلكترونية تقدر تكلفتها بمبلغ 2.000 دج (16 دولاراً)، وسيتم استصدارها مقابل مبلغ 2.500 دج (20 دولاراً)”، علماً أنها كانت تستخرج مجاناً سواء بالشكل الورقي القديم أو البيومتري الجديد.

وبالنسبة لجواز السفر البيومتري الإلكتروني، فإن كلفته قدرت بمبلغ 6.000 دج (50دولار) بالنسبة للنموذج الـمتكون من 28 صفحة وسيسلم مقابل مبلغ 10.000 دج (90 دولار)، أي بزيادة قدرها 4000 دج (33 دولار) عن التسعيرة الحالية.
وبمبلغ 12.000 دج (100 دولار) بالنسبة للنموذج الـمتكون من 48 صفحة وسيسلم مقابل مبلغ 50.000 دج (416.6 دولار)، أي بزيادة قدرها 38000 دج (316.6دولار).
وتابع البيان، أن إعداد جواز السفر وفق الإجراء الاستعجالي، ستترتب عنه كلفة أكثر ارتفاعاً، حيث سيسلم جواز السفر من 28 صفحة بمبلغ 25.000 دج، وجواز السفر الـمتكون من 48 صفحة بمبلغ 60.000 دج، حيث سينتج عن ذلك سعر تسليم بمبلغ 50.000 دج و 150.000 دج حسب النموذج.
أما كلفة إعداد رخصة السياقة البيومترية الإلكترونية فإنها تقدر بمبلغ 10.000 دج (90 دولاراً)، وكلفة بطاقة ترقيم السيارات بمبلغ 20.000 دج (180 دولاراً).
سعر زهيد؟؟؟
وواصلت الحكومة الدفاع عن مقترحاتها في مشروع القانون، قائلة “إن الانتقادات حول الـمساس بالقدرة الشرائية للمواطنين غير مؤسسة”.
وقالت إن هذه الزيادات التي تقدر ب100 بالمائة هي “أسعار زهيدة” لأن “بطاقة التعريف الوطنية، وجواز السفر، ورخصة السياقة وبطاقة ترقيم السيارات، كلها وثائق تستغرق مدة صلاحيتها مدة عشر سنوات على الأقل”.
وأضافت قائلة “أما جواز السفر من 48 صفحة الذي يعد وفق الإجراء الاستعجالي، فإنه وثيقة موجهة لرجال الأعمال الذين لن يجدوا أي مشكل لتسوية هذا الـمبلغ”.
رفض واستهجان
وقبل انتقال النقاش إلى البرلمان بغرفتيه وترقب ما إذا كان سيصادق على هذه الزيادات، شهر تموز/ يوليو اشتعلت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي غضباً ورفضاً لما تنوي الحكومة القيام به بشأن الوثائق البيومترية.
وعلق الكاتب الصحفي عبد العزيز بوباكير على القضية بتقديم مقارنة تاريخية وكتب: “وصية المعز لدين الله الفاطمي لواليه على بلدان المغرب: إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية والسيف عن البربر.. عن رسوم أويحيى الأخيرة أتحدث”، ملمحاً إلى توافق في القبضة السلطوية بين حكام القرون الماضية وحكومة أحمد أويحيى.
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=412708529246136&set=a.158326388017686.1073741827.100015209772870&type=3
من جانبه رأى النائب عن حزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم)، محمد كاديك، أن التسعيرات الجديدة الخاصة بالوثائق الإلكترونية “غير مقبولة”، وكتب على صفحته بفيسبوك: “الأسعار المقترحة للوثائق البيومترية غير معقولة.. ببساطة: لأنها لا ينبغي أن تكون “أسعاراً”؛ ولو كانت أسعاراً، لكان من حق المواطن أن ينتظر هبوطها مثلاً؛ أو أن يخليها تصدّي.. أو يبحث عما يباع منها بالسوق الموازية..”
وتابع كاديك “الحديث هنا عن ضريبة/دمغة؛ وليس من شأن الضريبة تقدير ثمن الكلفة ولا حساب ثمن الفائدة؛ فالفائدة الحقيقية تتحقق للإدارة في القيام بواجبها”.
وعلق الصحفي قادة بن عمار عن الزيادات المرتقبة قائلاً “عقب قرار دفع المال مقابل الحصول على بطاقة تعريف: الحكومة تريد أن “تتعرف علينا بالدراهم.. أنا “باطل” (مجاناً) ومانيش حاب (لا أريد) نعرفها!”
https://www.facebook.com/kada.benamar.7/posts/10216714324951749
الأغلى في العالم
واعتبر النائب بالغرفة السفلى للبرلمان عن حركة مجتمع السلم المعارضة، ناصر حمدادوش تبريرات الحكومة غير معقولة، وقال “تبرير الوزارة الأولى لذلك بارتفاع كُلفة استصدارها، ولصلاحيتها لمدة 10 سنوات فإنها غير معقولة، إذ جعلت زياداتها تتجاوز100%، وجعلتها الأكثر كلفة في العالم، وهو شيءٌ مهين للجزائريين”.
ليضيف “علماً أن جواز السفر الجزائري الأضعف في العالم، إذ لا تزال حوالي: 176 دولة تفرض التأشيرة على الجزائريين، محتلاً بذلك المرتبة: 85 عالميا”.
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=804064789786630&set=a.259753927551055.1073741841.100005493493899&type=3
وتكفلت صفحات بالرد على وزير الداخلية نور الدين بدوي الذي صرح بأن “التسعيرات الجديدة للوثائق البيومترية لا مبالغة فيها”، وقارن “بفرنسا التي تقدر تكلفة استخراج بطاقة التعريف الوطنية ب33 أورو”.
وتداولت الصفحات بنداً من القانون الفرنسي الذي يؤكد أن بطاقة الهوية تمنح مجاناً لكل المواطنين على أن يعاد استخراجها في حالة ضياعها بقيمة 25 أورو.
https://www.facebook.com/153081685395117/photos/a.155244601845492.1073741829.153081685395117/177330099636942/?type=3
تبيع بطاقة الهوية لشعبها
لا يرى الخبير الدولي في تكنولوجيات الإعلام والاتصال، يوسف بوشريم، علاقة بين الجوانب التقنية لإنتاج البطاقات الإلكترونية والتسعيرة التي تريد الحكومة الجزائرية فرضها على الشعب.
وقال بوشريم لـ”عربي بوست”، إن “الأمر لا يقاس بالأعباء التقنية لاستخراج هذا النوع من البطاقات”، مشيراً إلى النموذج الكندي حيث تقدر تكلفة استصدار جواز السفر بـ50 دولاراً، ” أي نصف الأجر اليومي للفرد”، بينما تقترح الحكومة تسعيرة بـ90 دولاراً وهذا باهظ مقارنة بالأجر اليومي للجزائريين.
وتابع أن احتساب تكلفة الإنتاج، وضبط التسعيرة من خلال نسبة معينة للفائدة، يجعل الأمر “تجارة وليس خدمة عمومية”.
ونظراً لكون الأجر الأدنى في الجزائر لا يتجاوز 18000 دج (أزيد من 100 دولار باحتساب سعر الصرف في السوق السوداء)، فإن التسعيرة المقترحة لبطاقة التعريف تشكل 13.90% من الأجر الأدنى، بينما تقدر ب2.2 % من الأجر المعتمد في فرنسا، أما سعر استخراج جواز السفر الإلكتروني فسيقتطع 60 % من الأجر الأدنى للجزائريين.
وعلق الصحفي عثمان لحياني على نسبة الفائدة التي حددتها الحكومة لهذه البطاقات بالقول “الحكومة تبيع العقارات للكارتل المالي بالدينار الرمزي، وتبيع بطاقات الهوية للمواطنين بالفائدة.. من اقتطع أجور العمال لن يخجل من ابتزاز سادي”.
ويتخوف ناشطون من أن تؤدي هذه التسعيرات في حالة إقرارها بشكل رسمي في الأسابيع القليلة المقبلة، إلى أحداث شغب، مثلما حدث سنة 2017، عندما اندلعت أعمال بمدينة بجاية شرق البلاد بسبب قانون المالية لذات السنة والذي تضمن زيادات في الضرائب.
https://www.youtube.com/watch?v=O88saFyQ2G8
هذه القراءات دفعت بوزير الداخلية نور الدين بدوي إلى التهدئة والقول بأن “التسعيرات مجرد مقترحات، وليست رسمية وستعرض على مجلس الوزراء والبرلمان لدراستها قبل المصادقة عليها”.