تستضيف فرنسا، الثلاثاء 29 مايو/أيار 2018، لقاء يجمع مختلف الفرقاء السياسيين الليبيين إلى جانب قوى دولية وإقليمية، بهدف حلحلة الملف الليبي والبحث عن حلول للأزمة التي تعيشها البلاد منذ 2011، غير أن البعض يرى أن الخطوات التي تقْدم عليها باريس تثير الشكوك، خاصة في ظل انحيازها إلى طرف على حساب آخر بالمشهد الليبي.
وقال جمعة القماطي الأكاديمي الليبي ورئيس حزب التغيير، إن هناك شكوكاً مثارة بشأن الدوافع الحقيقية وراء الدور القيادي الجديد الذي تسعى له فرنسا بليبيا، وفي مقال نشره على موقع Middle East Eye البريطاني، يوضح القماطي أن هذه الشكوك تُثار خاصةً من جانب الإيطاليين؛ إذ يرى ساسةٌ إيطاليون أنَّ النمو المفاجئ للتدخل الفرنسي في الشأن الليبي يُهمِّش إيطاليا ويُهدِّد مصالحها بليبيا، كما يطرح تساؤلات بخصوص سرعة التدخلات الفرنسية في الشأن الليبي.
وتستضيف فرنسا اجتماعاً دولياً حول الوضع في ليبيا الثلاثاء 29 مايو/أيار 2018، ومن المفترض أن يضم الاجتماع أهم القادة السياسيين في ليبيا؛ ومن بينهم: عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي في مدينة طبرق، وخالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة بالعاصمة الليبية طرابلس، وفايز سراج رئيس المجلس الرئاسي، وخليفة حفتر بصفته قائد الجيش الوطني الليبي في شرق ليبيا.
ودعت فرنسا الكثير من الدول “المنخرطة في الصراع الليبي”، ومن بينها أعضاء الأربعة الدائمون في مجلس الأمن، بالإضافة إلى إيطاليا وألمانيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة وقطر؛ والجيران الستة لليبيا. إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية.
اتفاقيةٌ خارقة
وقال الأكاديمي الليبي إنه طبقاً لوثيقة انتشرت مؤخراً، تضغط فرنسا في اتجاه إبرام اتفاق يتكون من 13 بنداً، من بينها توحيد فوري للبنك المركزي الليبي، والبدء في مداولات لوضع خطة زمنية لإجراء استفتاء على مسودة الدستور قبل الانتخابات أو بعدها، وسنّ قوانين انتخابية للانتخابات المتوقع إجراؤها في 2018، وإقامة مؤتمر سياسي شامل في ليبيا أو خارجها لمتابعة سير هذا الاتفاق، خلال مدة أقصاها 3 أشهر.
وحسب الكاتب، فإن لقاء الثلاثاء لن يكون الاجتماع الأول الذي تنظمه فرنسا. ففي شهر يوليو/تموز من عام 2017، استضاف الرئيس الفرنسي الجديد آنذاك، إيمانويل ماكرون، اجتماعاً مشابهاً في باريس بين رئيس حكومة الوفاق الوطني سراج وحفتر.
وأسفر هذا الاجتماع الذي استمر يوماً واحداً، عن اتفاقية مكونة من 10 نقاط وموقَّعة من كلا الرجلين، وُصِفت بأنَّه اتفاقيةٌ خارقة، اتفقا فيها على وقف إطلاق النار وإقامة انتخابات وطنية “في أقرب وقت ممكن”.
[related_post id=”23280″]
ويرى رئيس حزب التغيير الليبي أنه بالنظر إلى الحال الليبي بعد هذا الاجتماع الذي حضره المبعوث الخاص للأمم المتحدة -المعين حديثاً آنذاك- غسان سلامة، تجد أن الاتفاق لم يُحدث أي تغيير ملموس على الأرض، وأن الاجتماع لم يكن سوى نجاحٍ دبلوماسي للرئيس الفرنسي الجديد، وليس طفرةً في سبيل حل الصراع الليبي.
وغضبت إيطاليا آنذاك وانتقدت الموقف الفرنسي، ورأته محاولة للظهور في صورة المُخلِّص للأزمة الليبية.
ومع ذلك، يقول القماطي: “يُمكن القول إنَّ الاجتماع في هذه المرة سيكون أشمل، في ظل توجيه الدعوة إلى رئيس مجلس النواب بطبرق، والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس اللذين يُشكِّلان الطرفين الرئيسيَّين بالاتفاق السياسي الذي أُبرِم في 2015. ودَعَت فرنسا كذلك الكثير من الدول والأطراف الفاعلة المهتمة بالشأن الليبي إلى الحضور”.
الدوافع الحقيقية
بالنسبة للأكاديمي جمعة القماطي، فإنه من المرجح تولي حكومة يمينية جديدة في إيطاليا، تتشكل من ائتلافٍ يضم حركة النجوم الـ5 “M5S” وحزب الرابطة القومي اليميني المتطرف، وتستعد هذه الحكومة لتسلُّم السلطة من جوزيبي كونتي رئيس الوزراء الحالي.
ويضيف أن ساسة إيطاليين يرون أنَّ النمو المفاجئ للتدخل الفرنسي في الشأن الليبي -الذي بلغ أقصاه- يُهمِّش إيطاليا ويُهدِّد مصالحها بليبيا، التي تتركز بشكل أساسي في وقف تدفق المهاجرين عبر البحر المتوسط، وضخ الغاز الليبي، بالإضافة إلى مكاسب تجارية أخرى لمصلحة الشركات الإيطالية.
وترى فرنسا أنَّ إعاقة الإسلاميين ووقف خطر الإرهاب هما أولويتها الأولى في ليبيا، وليست الهجرة، التي لا تؤثر بفرنسا كما تؤثر في إيطاليا. وتباشر فرنسا مكاسبها الاقتصادية في ليبيا بفاعلية. ففي الشهر الماضي (أبريل/نيسان 2018) فقط، عزَّزت شركة توتال الفرنسية للطاقة وجودها بسوق الطاقة في ليبيا بشراء أسهم بنسبة 16.33% في امتيازات شركة الواحة الليبية للنفط من شركة Marathon Oil الأميركية مقابل 450 مليون دولار أميركي.
ومن المتوقع أن تضع شركة توتال يدها بعد هذه الصفقة على الاحتياطيات الرئيسية للنفط ذات الإنتاج الفوري، بالإضافة إلى احتمالية كبيرة لاستكشاف المزيد.
وأضاف السياسي والأكاديمي الليبي أن سرعة التدخلات الفرنسية في الشأن الليبي وقوتها طرحتا الكثير من التساؤلات عن ائتمانها كوسيط نزيه في ظل دعمها العسكري واللوجيستي المعروف لحفتر، وتوافُقها مع القوتين العربيتين الرئيسيتين الداعمتين لحفتر: الإمارات العربية ومصر.
تغيُّر الموقف الفرنسي
وحسب الكاتب، فإن تحرُّك فرنسا نحو دعم حفتر كان مدعوماً في الأساس من وزير خارجية حكومة ماكرون الجديدة جان إيف لودريان، الذي شغل أيضاً منصب وزير الدفاع من عام 2012 إلى عام 2017 في حكومة الرئيس السابق فرانسوا هولاند.
ويوضح القماطي أنه على مدى السنوات الثلاث الماضية، دعمت فرنسا حفتر عسكرياً بنشر مستشارين وقوات خاصة في شرق ليبيا. واعترفت فرنسا علناً بدعمها العسكري في يوليو/تموز 2016، بعد مقتل 3 جنود فرنسيين من القوات الخاصة في تحطُّم مروحية بالقرب من مدينة بنغازي الليبية. ومنح الدعم الفرنسي لحفتر شرعيةً سياسية وعسكرية، وجعله أكثر قبولاً على الساحة الدولية، وشجعه في حملته العسكرية التي بدأت في عام 2014.
[related_post id=”35018″]
من الناحية التاريخية، لم تكن ليبيا مستعمرة فرنسية مثل تونس والجزائر المجاورتين، لكنَّ فرنسا كان لديها حكمٌ إداري مباشر وجيز (1944-1951) على منطقة فزان بجنوب ليبيا، بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك الحين، حافظت فرنسا على اتصالات وثيقة مع القوات القبلية المحلية في فزان، وهي منطقةٌ يُحتمَل أن تكون غنية باحتياطيات النفط والغاز والمعادن، من بينها اليورانيوم.
وتكمن الأهمية الجيوسياسية لفزان، حسب الأكاديمي الليبي، في أنها توفر لفرنسا امتداداً جغرافياً طبيعياً لوجودها وتأثيرها في البلدان المتاخمة والمجاورة، مثل تشاد والنيجر ومالي، حيث تتمتع فرنسا بوجود عسكري واقتصادي وسياسي قوي جداً.
خطوةٌ منسقة
حسب المقال المنشور على موقع Middle East Eye البريطاني، فإن الضغط من أجل إجراء انتخابات رئاسية سريعة في ليبيا قبل نهاية العام الجاري (2018)، وحتى قبل اعتماد دستور جديد عبر استفتاء- هو “خطوةٌ منسقة بين فرنسا والإمارات ومصر؛ من أجل تعزيز سيطرة حفتر على ليبيا”، خاصةً بانتخاباتٍ سريعة، في الوقت الذي يتمتع فيه بموجة من الشعبية المتزايدة.
ويرى الكاتب أنه من الواضح أن فرنسا ترى أن حفتر هو الحليف المحتمل الذي يمكن أن يخدم المصالح الفرنسية في ليبيا، ومنطقة شمال وغرب إفريقيا على نطاق أوسع، وضمن ذلك دعم حلفاء فرنسا القريبين في تشاد والنيجر ومالي.
ويبدو أن فرنسا في عجلة من أمرها لدفع أجندتها المحدودة بليبيا وحشد جميع أصحاب المصلحة المختلفين من الليبيين والدوليين لدعمها. ومع ذلك، فقد أعربت دولٌ مثل الولايات المتحدة وإيطاليا، في الآونة الأخيرة، عن قلقها من إجراء الانتخابات دون وجود أسس دستورية قوية.
ويصرُّ العديد من الأطراف الليبية الأساسية والمؤثرة أيضاً على أن أي انتخابات يجب أن تُجرَى فقط بعد اعتماد دستور دائم جديد من خلال استفتاء.
ويخلص كاتب المقال إلى أن فرنسا قد تحقق نجاحاً دبلوماسياً آخر قصير الأمد بعقد مؤتمر رفيع المستوى حول ليبيا، غير أنه لن يغير الكثير من الوقائع على الأرض مرة أخرى. لكنَّ المشكلة الأساسية تكمن في أن الكثيرين لا يعتبرون فرنسا وسيطاً نزيهاً في ليبيا؛ بل متحيزة إلى مصلحة طرف ضد الآخر في الصراع شديد الاستقطاب.
وختم الكاتب مقاله بما قاله أحد الخبراء في الشأن الليبي: “لن يؤدي دعم فرنسا المتحيز إلى حفتر إلَّا إلى زيادة طين التدخل الأجنبي في النزاع الليبي بلةً. ولا يمكن التوصُّل إلى حل حقيقي مستدام للنزاع الليبي إلا بتعزيز الحكم المدني القائم على سيادة القانون والحكم الرشيد، وبناء المؤسسات الديمقراطية. والخروج من حكم ديكتاتور عسكري مستبد إلى حكم آخر مثله ليس حلاً قابلاً للتطبيق في ليبيا”.