“السعادة تعني حياةً جنسية مستقرة وصحية، والمصريون يعانون إحباطاً جنسياً”، تقول الشابة المصرية مي محمد بعد تفكير طويل حينما سُئلت عن معنى السعادة بالنسبة لها.. تعمل في وظيفتين؛ واحدة بمجال خدمة العملاء والأخرى كمتخصصة في الشبكات الاجتماعية؛ وذلك لتوفير نفقات المعيشة الأساسية وسداد ديون الزواج.
ديون الزوجين عبارة عن أقساط الأثاث والأجهزة المنزلية، وكذلك الإيجار الشهري، ونظراً إلى جدول عملها المزدحم، فـ”مي” لا ترى زوجها سوى في عطلة نهاية الأسبوع.
والسعادة في نظر الزوجة، البالغة من العمر 28 سنة، تعني حياةً آمنة، والحياة بالنسبة للكثيرين غير آمنة، خاصةً للنساء، هذا ما يجعلها تشكِّك في مبادرة السعادة التي تنوي الإمارات تصديرها لمصر، ففي منطقةٍ تشوبها اضطراباتٌ سياسية واقتصادية، تحرص الإمارات على تصوير نفسها كواحدةٍ من أكثر الدول سعادةً في العالم، وهي استراتيجية يمكن القول إنَّها تنجح حتى الآن.
وفي محاولةٍ لمشاركة تلك الثروة المجازية، أطلقت الإمارات مبادرةً لتصدير السعادة إلى عددٍ من جيرانها الأقل حظاً في المنطقة العربية، وبدأت بواحدةٍ من أقوى حلفائها السياسيين: مصر، وتشمل المبادرة كذلك لبنان والأردن.
“ألف ياء سعادة”
بإنشاء وزارة دولة للسعادة مؤخراً، صُنِّفَت الإمارات في مقدمة دول العالم العربي من حيث مؤشر السعادة بتقرير السعادة العالمي لعام 2018، وحلَّت في المرتبة الـ20 بين دول العالم.
وبخلاف حليفتها، تحظى مصر بحظٍّ سيئ فيما يتعلق بمؤشر السعادة؛ إذ حلَّت في المرتبة الـ122 بين 156 دولة عام 2018، متراجعةً عن المركز الـ104 في تقرير عام 2017.

وتهدف المبادرة الإماراتية، المُسمَّاة “ألف ياء سعادة”، إلى “غرس ثقافة الإيجابية والسعادة والتسامح في سلوك كل شخص، لتصبح السعادة سلوكاً وعادة”، وفقاً لبيان تهاني التري، إحدى مؤسسي المبادرة. ورغم أنَّ المشروع لا يرتبط مباشرةً بوزارة السعادة الإماراتية ويعد جهداً “فردياً”، فإنَّه يعد متسقاً مع خطط الدولة.
وأضاف البيان أنَّ المبادرة التي تأسست في مارس/آذار 2018، هي جهد تعاوني تطوعي من مجموعةٍ من خبراء التنمية البشرية و”السعادة” العرب، الذين اختاروا الإمارات كنقطة البدء في مبادرتهم؛ نظراً إلى اتجاه الدولة لتعزيز السعادة كسياسةٍ حكومية. ووُقِّعَ الشهر الماضي (أبريل/نيسان 2018)، بروتوكول تعاون بين مؤسسي المبادرة ومؤسسة المنجزين العرب المصرية، وشركة Skylines Egypt للتدريب والاستشارات.
وفي مقابلةٍ مع موقع Middle East Eye البريطاني، شرحت تهاني أنَّ المبادرة في مصر ستتضمن عدة مراحل، وستستهدف طلاب المدارس والجامعات، وكذلك الموظفين. وستُنظَّم في يوليو/تموز 2018، عدة ورش ومحاضرات وندوات وتدريبات مجانية، وكذلك جلسات للعصف الذهني.
وأضافت تهاني أنَّه حينما يتعلق الأمر بالسعادة، يمكن التدخل لتغيير تفاصيل الحياة اليومية لكل شخص: “نعمل على إحاطة الناس بالتفكير الإيجابي وأسلوب الحياة المتفائل، بدلاً من التشاؤم والكآبة والحروب”.
مصر الحزينة
مي محمد، المشكِّكة في المبادرة الإماراتية، تعتبر السعادة ليست شيئاً مادياً يمكن تصديره، فهي تحتاج إلى مستوى معيشي جيد ليكون المرء سعيداً، والكثير من المصريين يعيشون تحت خط الفقر ويعملون أكثر من 16 ساعة فقط لتغطية نفقاتهم وليس “لنعيش حياةً مرفهة”.
وفقاً لأرقامٍ صدرت عام 2015 عن الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء، يعيش نحو 28% من المصريين تحت خط الفقر، بدخلٍ سنوي أقل من 6000 جنيه مصري (340 دولاراً أميركياً). ومن المنتظر صدور أرقام عام 2017-2018 في أكتوبر/تشرين الأول 2018، لكنَّ الخبراء يقدرون أنَّ معدلات الفقر ستتخطى 35%؛ نظراً إلى إجراءات التقشف الأخيرة.
وامتثالاً لخطة تقشف صارمة فُرِضَت عقب قرضٍ حصلت عليه مصر من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار أميركي، اتخذ السيسي سلسلةً من الإجراءات الاقتصادية القاسية أدت إلى ظروفٍ اقتصادية في البلاد، هي الأسوأ منذ عقود.
[image_with_caption src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/05/iStock-458640577.jpg” caption=’يعيش نحو 28% من المصريين تحت خط الفقر’]
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2016، عوَّمت مصر عملتها، وخفَّضت قيمة الجنيه المصري بنحو 50% أمام الدولار. وهذا رفعَ معدلات التضخم إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.
وبينما يرى بعض الاقتصاديين أنَّ السيسي نجح في إنعاش النمو الاقتصادي هذا العام (2018)، ما زال المصريون يعانون تداعيات تعويم العملة وإلغاء دعم الكثير من الخدمات والسلع. وتخطط الدولة لإلغاء قدرٍ أكبر من الدعم الذي توفره للغذاء والوقود والكهرباء في العام المالي الذي يبدأ في يوليو/تموز 2018.
حقوق الإنسان في الحضيض
على مدار السنوات السبع الماضية، عاشت مصر حالةً من الاضطرابات السياسية والاقتصادية، زادت حدتها في عام 2013 بعد أن أطاح الجيش المصري بالرئيس محمد مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. ومنذ ذلك الحين، تعرَّض خليفته، عبد الفتاح السيسي، لانتقاداتٍ شديدة لما يرتكبه من انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان.
تشتهر مصر بقمعها حرية التعبير، والمجتمع المدني، والمثليين والمتحولين جنسياً وثنائيي الجنس، وتمييزها ضد الأقليات الدينية. ولديها كذلك سجلٌ حافل في سجن المعارضين، والإخفاءات القسرية، والتعذيب. وحلَّت مصر بالمرتبة الثالثة في سجن الصحفيين بترتيب لجنة حماية الصحفيين.

وفيما يتعلق بالنساء، أعلنت مؤسسة Thomson Reuters، في نتيجة استفتاءٍ أجرته عام 2017، أنَّ القاهرة هي أخطر مدينة بالنسبة للنساء بين 19 مدينة كبرى حول العالم.
“مي” حين ترتدي فستاناً تخشى التعرض للتحرش الجنسي، وتخشى أن تفقد وظيفتها بسبب الأوضاع الاقتصادية، وعليها أن تعمل 16 ساعة لتتمكن من الوفاء بالتزاماتها المالية، فكيف لحضور بضع جلسات أن يُشعرها بالسعادة، إن كان كل شيء حولها يتعسها؟ تتساءل الشابة بحسرة.
السعادة: ظاهرة رأسمالية
بالنسبة لمها عمر، يصعب تحقيق السعادة؛ لأنَّها مرتبطة ارتباطاً مباشراً بإشباع الاحتياجات المادية، فالسعادة ظاهرة حديثة رأسمالية، لا ظاهرة بشرية حقيقية كا تشرح طالبة الدراسات العليا. ما إن تُشبع احتياجاً تجدك راغباً فيما هو أكثر. هناك الرضا، وهو القدرة على تقبُّل الحياة وصعوباتها. إن اعتبرنا السعادة شيئاً مادياً، تكون الإجابة “نعم”، يمكن تصديرها ببساطة، عن طريق ربطها بمنتجاتٍ أو أسلوب حياة بعينه. لكنَّك لن تستطيع الوصول إلى الرضا الحقيقي وراحة البال بهذه الطريقة.
عكس “مي” و”مها”، تؤمن رانيا نبيل، الموظفة بشركةٍ خاصة، بأنَّ الإمارات يمكنها تصدير السعادة إلى مصر، السعادة كالفيروس الذي ينتشر بين الناس “افرض أنك تسير في الشارع شاعراً بالضيق أو الاكتئاب، ووجدت فجأة مهرجاناً يغني فيه الناس ويرقصون، وتتعالى ضحكاتهم. إن نظرتَ في المرآة بهذه اللحظة، فسترى ابتسامةً واسعة تعتلي وجهك”.

المعالِجة النفسية عُلا حسن ترى أنَّ الضحك قد يكون مُعدياً، لكنَّ السعادة فكرة مجردة يصعب تصديرها، وتفسر أكثر قائلةً: “المشكلة هي ما نقصده بالسعادة. هل نقصد أن نكون ظرفاء؟ أن نكون أقل تشاؤماً وأكثر تفاؤلاً؟”
الضحك بالنسبة لـ”علا” مُعْدٍ، ويمكنك تصديره. لكنَّ السعادة ليست مجرد الضحك والتفاؤل. ويشتهر المصريون بخفة الظل، والرضا الدائم عن الأشياء الصغيرة في حيواتهم، “المشكلة أعمق بكثير من مجرد تصدير السعادة عبر سلسلة من ورش العمل”، تؤكد المعالجة النفسية.
“قولوا يا رب..”
اتباع معايير تقرير السعادة العالمي سيعني أنَّ المصريين “محكومٌ عليهم بالاكتئاب الأبدي”، كما يرى الطبيب النفسي عبد الله عادل.
إذ تتمتع الدول الأسعد بالعالم بقيمٍ عالية في المتغيرات الستة التي وُجِد أنها تحقق الرفاهية في تقرير السعادة العالمي: الدخل، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والدعم الاجتماعي، والحرية، والثقة، والكرم.
والتفكير في الدخل ومتوسط العمر والحريات لن يُجدي، فحسب الطبيب “أمامنا شوطٌ طويل لتحقيق السعادة بهذه الطريقة”.
ويرى عادل أنَّ السعادة شعورٌ داخلي، وأن الناس عموماً يسعون وراء السعادة من العالم الخارجي كحلٍ مؤقت. ويُكمل: “لذا مبادرةٌ كهذه ستكون عموماً مجرد مسكِّن. لن تعالج المشاكل الداخلية”.
من جانبها، تقول “عُلا” إنَّ المؤشرات التي استخدمها تقرير السعادة العالمي انعكاسٌ حقيقي لمشاكل مصر الحالية.
وتُضيف: “لا يمكنك أن تطلب من الناس التحلي بالسعادة والإيجابية بينما هم فقراء بلا خدماتٍ صحية أو تعليمية جيدة. سيكون هذا استفزازاً لهم! انظر إلى الإمارات، وانظر إلى متوسط الدخل هنا. الفرق شاسع”.
وفقاً لآخر الأرقام الرسمية في 2015، يبلغ متوسط الدخل السنوي للأسرة في مصر 44 ألف جنيه مصري (2470 دولاراً أميركياً)، ومن المتوقع أن يكون المتوسط أقل بكثير بعد تعويم الجنيه المصري في 2016، ليهبط بنسبة 50% أمام الدولار. هذا بالمقارنة بمتوسط دخل الأسرة بالإمارات في 2015، الذي قدَّره مركز دبي للإحصاء بـ199501 دينار إماراتي (54313 دولاراً أميركياً).

غير أنَّ تهاني ترى أن أي شيء في العالم يمكن “تصنيعه”، حتى السعادة. وفي رأيها، من المهم التركيز على السعادة باعتبارها إحساساً ينبع من داخل الناس، لا من محيطهم “إنْ ركَّزنا على تغيير وجهات نظر الناس وطريقة تفكيرهم، فسيتغير إدراكهم للواقع وتفاعلهم معه. إنَّنا نركز على الأفراد وكيف يفكرون في أنفسهم”.
لكنَّ الرئيس المصري نفسه اعترف بأنَّ السعادة الإماراتية ما زالت بعيدة عن متناول المصريين، ففي خطابٍ ألقاه في السادس عشر من مايو/أيار 2018، في مؤتمر الشباب الوطني، قال السيسي إنَّه لِيشعرَ 100 مليون مواطن مصري بالسعادة والرضا، و”لِننشئ وزارة للسعادة في مصر، عايز 50 بير بترول”، وأكمل: “قولوا يا رب، في رمضان”.. وبالفعل، لا تملك مي محمد حالياً سوى الدعاء.