The New York Times: مزاج السعوديين قاسه أجانب لمساعدة الحكومة في اتخاذ حملة “الإصلاحات”.. فما الذي كشفوه؟

استعانت الحكومة السعودية، في السنوات الأخيرة، بإحدى الشركات المتخصصة في توفير البيانات السياسية، وذلك بهدف إجراء دراسة دقيقة على السعوديين وشعورهم تجاه العائلة الملكية، وأيضاً مدى تقبُّلهم الإصلاحات التي أعلن عنها، في وقت سابق، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وكشفت صحيفة The New York Times الأميركية أنه في الوقت الذي كان فيه سعر النفط مستمراً في التدهور، وكان السكان الشباب يشعرون بالاضطراب. اتجهت حكومة السعودية إلى الشركة الأم لشركة البيانات السياسية Cambridge Analytica للحصول على المساعدة، وذلك وفقاً للخبراء الغربيين الذين عملوا في المملكة، وإداريين في الشركة، ومراجعة للوثائق العامة.

وتوضح الصحيفة أن العمل الذي قامت به الشركة الأم SCL Group، وهي متعهّد استخبارات ودفاع سري، توقَّع التغييرات العاصفة التي تعيد تُشكيل المملكة. فالشركة الغارقة الآن في فضائح مُتعلقة بممارساتها المؤسسية واستخدام بيانات مستخدمي الفيسبوك أجرت دراسةً تفصيلية على السكان.

وتمكنت الشركة من توفير خريطة نفسية لمواطني المملكة وشعورهم تجاه العائلة الملكية، حتى إنَّها اختبرت خطوات الإصلاح المُحتملة في أثناء تخطيطها لمسارٍ مُستقبلي للحفاظ على الاستقرار. وتحدث المستشارون والمديرون التنفيذيون، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم؛ لأنَّهم مُلزمون باتفاقاتٍ تشترط عدم الإفصاح.

البحث عن بديل للنفط

وأحد الاقتراحات التي اختبرتها الشركة كان رفع الحظر الذي دامَ 35 عاماً عن دور السينما في المملكة، وهو إجراءٌ اتُّخِذَ فيما بعد في ديسمبر/كانون الأول 2017. وتمثل اقتراحٌ آخر في السماح للنساء بقيادة السيارة، وهي الخطوة التي حدثت في سبتمبر/أيلول 2017.

وتقول صحيفة The New York Times الأميركية، إنه في عهد الملك سلمان، الذي صعد إلى السلطة في يناير/كانون الثاني 2015، اتجه السعوديون إلى مجموعةٍ من الاستشاريين في ظل انهيار أسعار النفط التي كشفت افتقار المملكة إلى التنوع الاقتصادي. وبعض الشركات الاستشارية، مثل McKinsey & Company” وBoston Consulting Group، وفرت خريطةً بالشركات الكبرى الناجحة، في حين أنَّ شركة SCL، التي تأسست في عام 1993 وكان اسمها Strategic Communication Laboratories، كانت معروفةً بسرية عملها.

وخرجت أعمال الشركة إلى العلن بعدما كُشِفَ أنَّها تستخدم الإغراء والرشوة لإيقاع السياسيين والتأثير في انتخابات الدول الأخرى. وانهارت شركة Cambridge Analytica التابعة لها، التي عملت لصالح حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسط مزاعم حول إساءة استخدام بيانات الفيسبوك.

وعمل على الأقل موظف واحد من شركة Cambridge Analytica في مشروع الشركة الأم بالسعودية، وفقاً لملف الموظف على موقع لينكد إن.

التحكم في الشعوب والتمتع بالسلطة

ولدى شركة SCL تاريخ طويل في مساعدة الحكومات بهدوء على التحكُّم في شعوبها والتمتع بالسلطة. وقدَّمت تحليلاتٍ نفسية للمواطنين بأماكن مثل ليبيا في عهد العقيد مُعمر القذافي. وفي العام الماضي (2017)، وظَّفتها حكومة دولة الإمارات، الحليف القوي للسعودية، لشن حملة على الشبكات الإجتماعية ضد مُنافستها قطر.

وبإندونيسيا، نظمت شركة SCL، في إحدى المرات، “طُرقاً للاحتجاجات” كوسيلة للسيطرة على مظاهرات الطلاب، وفقاً لتقريرٍ إخباري، ورتبت للحكومة أن تُمول سراً مؤتمراً حول الاستقلال الصحفي، وفقاً لتقريرٍ إخباري آخر.

ووصف نايجل أوكس، رئيس الشركة التنفيذي الذي يشغل منصبه منذ فترةٍ طويلة، استراتيجيتها الشاملة بأنَّها “اتصالاتٌ جماعيةٌ” تهدف إلى إحداث تحوُّل في وجهات نظر شرائح كبيرة من السكان. وقال ذات مرة: “نحن نستخدم الأساليب نفسها التي استخدمها أرسطو وهتلر. نحن نجذب الناس على مستوى عاطفي؛ لجعلهم يتفقون معنا على المستوى العملي”.

وحسب الصحيفة الأميركية، فإن فكرة أنَّ الأبحاث النفسية التي أجرتها الشركة أسهمت في التخطيط لجهود الإصلاح السعودية يمكن أن تثير الجدل مجدداً حول نوايا ولي العهد محمد بن سلمان.

أهم مصلحي المنطقة أم انتهازي؟

ويرى البعض أنَّ الأمير هو أهم مصلحي المنطقة الاقتصاديين والاجتماعيين، ويراه آخرون شخصاً انتهازياً للغاية، أو مزيجاً من الاثنين.

فقد قاد الأمير جهود الإصلاح، ويُعيد تشكيل ديناميكية السلطة في السعودية والمنطقة بأَسرها. إلا أنَّ أخبار عاداته في الإنفاق ببذخ جذبت الانتباه بعيداً عن مزاعمه الأكثر نُبلاً، فضلاً عن اعتقال مجموعةٍ من المليارديرات، والأمراء، وغيرهم من المسؤولين المرتبطين بالحكومات السابقة.

ويقال إنَّ الحكومة استخدمت الإكراه والإيذاء البدني للاستيلاء على مليارات الدولارات من المحتجزين، الذين احتُجِزوا في البداية بفندق ريتز كارلتون في الرياض.

وأحاطت الشكوك مرةً أخرى بدوافع الأمير منذ أسبوعين، عندما اعتقلت السلطات السعودية ناشطات دافعن عن حق النساء في القيادة، على الرغم من أن السعودية أذعنت للحملة برفع الحظر عن قيادة النساء.

دليل إدارة المشاعر الشعبية

وكان عمل شركة SCL محاطاً بالسرية، لكنَّ أحد المُحللين السابقين في الشركة، يُدعَى جيمس لوفيل، الذي أدرج المشروع السعودي على صفحته على “لينكد إن”، قال إنَّه “حلَّل بيانات مجموعة نقاش، وأسهم في تصميم العروض، وكتب تقارير لمشروعٍ بحثي عن الإصلاح الاقتصادي بالسعودية”.

وكتبت مديرة مشروعات في Cambridge Analytica، وهي ألكسندر ويكسل، بملفها الشخصي على الموقع نفسه، أنَّ العمل “ركز على تطوير مُبادرة الإصلاح الوطني من أجل دفع البلاد لتنويع اقتصادها بعيداً عن اعتمادها على النفط”. إلا أنَّ آخرين ممن اطلعوا على العمل وصفوه بصورةٍ أشد وطأة.

إذ أشار استشاري غربي، لم يشارك في المشروع ولكنَّه اطلع على تقرير اللجنة، إلى اكتشاف الشركة أنَّه “ميكافيللي”، واصفاً إياه بدليل للعائلة الملكية لإدارة المشاعر الشعبية، عن طريق تحديد المجالات التي ينبغي لها فيها تخفيف قبضتها.

وقال المستشار إنَّ التقرير استخدم العشرات من مجموعات النقاش المُركزة لدراسة مستويات الإحباط والرضا، بالإضافة إلى شرعية العائلة الملكية والبِنية السياسية، وأظهر وجود استياء واسع النطاق.

وكان تقييم الاستشاري متوافقاً مع تقييم موظفٍ سابق في شركة SCL؛ إذ قال الموظف السابق إنَّ عمل الشركة كان يهدف إلى إجراء تحليلٍ سلوكي للسكان، ثم وضع استراتيجيات لمساعدة الحكومة على الاستمرار بينما تتراجع أسعار النفط.

وأشار أحد المسؤولين التنفيذيين في الشركة إلى العمل على أنَّه تعزيز لحقوق الإنسان، لكنَّه امتنع عن الإدلاء بمزيدٍ من التعليقات. ورفضت الحكومة السعودية التعليق.

“رؤية 2030”

هذا البحث كانت تجريه الشركة الاستشارية وسط واقعٍ جديد قاتم. فقد انخفض سعر النفط إلى أقل من 30 دولاراً للبرميل في عام 2016 بعد أن وصل سعره إلى أكثر من 100 دولار في عام 2014. ونتجت عن ذلك مخاطر اقتصادية شديدة في بلدٍ، 70% من سكانه تحت سن الـ30.

وأُرسِلَ بحث شركة SCL إلى بعض الشركات الاستشارية التي تُطور خطةً تُسمى “رؤية 2030“، التي يقودها الأمير محمد وتهدف إلى مساعدة السعودية على تجاوز الاعتماد فقط على النفط وتحديث ثقافتها.

وعملت شركة SCL من قبلُ في السعودية؛ إذ كانت السعودية مدرجةً في قائمة البلدان التي لدى الشركة أعمالٌ فيها، على ملف عرض تقديمي يعود لعام 2014، كانت صحيفة  The New York Times الأميركية قد حصلت عليه. وكان آخر أعمالها بتكليفٍ من وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، وهي إحدى الوزارات التي تُنفذ خطة رؤية 2030.

ولكن، يصعب تحديد المدى الذي أثرت به الشركة على خُطط المملكة. بيد أنه وفقاً لما قاله الأمير محمد، فإنَّ الفوز بوُدّ ومحبة السكان كان بمثابة خطوة أولى أساسية.

وقال الأمير في مقابلةٍ أُجريت معه مؤخراً في برنامج “60Minutes”: “هناك الكثير من التحديات”، وأقر في البرنامج بأنَّ الممارسة التي تقوم بها الدولة بـ”تقديم الدعم للجميع” قد وضعتها على مسار يتجه نحو أزمةٍ مالية. وقال: “أعتقد أنَّ التحدي الكبير الأول الذي يواجهنا هو: هل يؤمن الناس بما نقوم به؟”.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top