في موسكو العثور على مسجد قريب في بعض أنحاء المدينة الكبيرة والمترامية الأطراف ليس بالأمر الهيّن، خاصة أن عدد تلك المساجد لا يتعدى أصابع اليد الواحدة.
فعلى من ينوي الذهاب للصلاة في أحد المساجد الأربعة الرئيسية الموجودة، وخاصة من غير المقيمين في العاصمة الروسية، أن يضع مخططاً لرحلة قد تستهلك منه ركوب وسيلتين للنقل أو ثلاثة، ولمدة لا تقل عن ساعة في كثير من الأحيان. إذ يحظى المسجد باهتمام السياح المسلمين الذي وضعوه ضمن مخطط زيارتهم لروسيا خلال بطولة كأس العالم المقامة حالياً.
مسجد “الجامع”، أو المسجد المركزي الكبير في موسكو، الواقع في رواق أولمبسكي، بالقرب من الاستاد الأولمبي المغلق في مركز المدينة، هو من أكثر المساجد التي يقصدها المسلمون، خاصة في المناسبات، من صلوات الأعياد أو التراويح في رمضان أو صلوات الجمعة، وكذلك لتنظيم عقود النكاح وفق الأحكام الشرعية، والحصول على فتاوى بأمور دينهم وحياتهم وبعض المنتجات “الحلال”.

شُيد قبل أكثر من قرن وترميمه كلف 170 مليون دولار
وافتتح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 23 سبتمبر/أيلول 2015، مسجد “الجامع”، أو جامع موسكو الكبير، بعد ترميمه وتوسعته، بحضور الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان، والفلسطيني محمود عباس، وشخصيات عربية وإسلامية رفيعة.
ويعود تاريخ بناء المسجد إلى ما بين عامي 1902 و1904، وخضع لأعمال ترميم وتوسعة شاملة استمرت نحو 10 سنوات، قبل افتتاحه عام 2015، وبكلفة بلغت 170 مليون دولار من أموال المتبرعين.
ويتكون الجامع من خمسة طوابق، وقد تضاعفت مساحته عشرين مرة بعد التوسعة، لتبلغ 19 ألف متر مربع، وليوصف عند افتتاحه بأنه الأكبر في أوروبا، ويستوعب داخله أكثر من 10 آلاف مصل دفعة واحدة.

حواجز أمنية وبوابات إلكترونية
تبدأ الرحلة بعد وضع مخطط للوصول إلى المسجد، قد تستند إلى خريطة لشبكة المترو في العاصمة الروسية، التي تعد أعقد شبكات المترو في العالم، بعد شبكة أنفاق مترو العاصمة اليابانية طوكيو، وتنتهي بالنزول في محطة “بروسبكت ميرا” الأقرب للمسجد.
بعد الخروج من محطة المترو يتوقع الزائر أن يجد المسجد ماثلاً أمامه لكثرة ما سمع عن حجمه الكبير، كونه وصف عند افتتاحه بأنه الأكبر في أوروبا، إلا أن الأمر بحاجة لأن يمشي بعض الوقت بين الأبنية، حتى يبدأ بإدراك أنه اقترب من مقصده.
يتزايد عدد الأشخاص في المكان، ويبدؤون بالسير في طابور وحيد يمتد لمئات الأمتار، خاصة أن عناصر الأمن الروسي يقومون بوضع سياج أمني، ويرسمون طريقاً يحدَّدون فيه الرصيفَ الذي يتوجَّب المشي عليه للوصول إلى المسجد، وهذا الإجراء مقترن بصلاة الجمعة، التي تصادفت زيارتنا الأولى للجامع معها، فيما تخف مثل تلك الإجراءات في باقي الصلوات، لتقتصر على التفتيش فقط عند الباب الرئيسي للمسجد.
وكلما ازداد الازدحام أدركت أنك قد اقتربت من مقصدك، إلى أن تصل إلى عدة بوابات إلكترونية لكشف المعادن، وعناصر شرطة يقومون بالتفتيش الشخصي وتفتيش الأغراض التي قد يصطحبها المصلون معهم، ليتضح وقتها أمامك المسجد الضخم شامخاً بمئذنتيه الطويلتين، وقبّته الذهبية الكبيرة اللامعة، وقبابه فيروزية اللون المتعددة والأصغر حجماً.

روحانية وجمال
وما إن تدخل المسجد حتى تشعر بروحانية المكان وجماله، فالسجاد الفاخر الفيروزي، وكذلك اللون الأخضر الطاغي على النقوشات، وطلاء القبة الرئيسية من الداخل، والنقوشات الجميلة عليها، تجعلك تشعر بالراحة والطمأنينة.
وما يبهر الزائر أيضاً إضافة إلى ضخامة المسجد هو الثريا العملاقة في وسط المكان، والمتدلية من بؤرة القبة الرئيسية للمسجد. في الطابق الأرضي المحراب والمنبر كبيرا الحجم، وهما مصنوعان بشكل متقن وجميل وفق الطراز العثماني الفريد.
أما في الطابق الذي فوقه فيوجد ما يسمَّى “متحف الإسلام”، حيث تعرض في صناديق عرض زجاجية لوحات ونسخ تاريخية من القرآن الكريم مكتوبة بخط اليد، وقطعة من كسوة الكعبة، ومجسم صغير للمسجد، إضافة إلى نسخة من إحدى صحف القرآن المكتوبة بالفضة، وتعود للقرن الثامن، ولوحات مختلفة.

خطبة بثلاث لغات
الخطب في مسجد الجامع بثلاث لغات، الأولى العربية، كون الخطيب يقوم بتلاوة الآيات والأحاديث النبوية واستفتاح الخطبة وختامها وبعض الأدعية بالعربية، ومن ثم باللغة التترية التي تعد من مجموعة اللغات التركية، كون معظم مرتادي المسجد من المسلمين التتار، ومن ثم اللغة الروسية.
ولا يقتصر دور المسجد على الصلوات أو زيارة “متحف الإسلام”، وإنما هو يعد مصدراً للزواج والطعام “الحلال” للمسلمين ممن يقصدونه.
تصادف وجودنا في زيارة ثانية في اليوم التالي للمسجد مع حضور إيلدار فايزولين مع خطيبته مريم، وهما من القومية التتارية، ليقوم إمام المسجد بتنظيم عقد النكاح الشرعي لهما.
وفي تصريح للأناضول قال فايزولين، إنه حضر مع خطيبته مريم ليقوما بتنظيم عقد النكاح الشرعي في المسجد، وفق التعاليم الإسلامية، وذلك بحضور عائلتيهما والشهود، وفي اليوم التالي سيقومان بعمل عقد زواجهما وتثبيته لدى الدوائر الرسمية الروسية.
وأضاف أنه من المصلين في المسجد، واليوم يحضر إليه ليكون الإمام هو منظم عقد النكاح له، مع حضور بعض المصلين، سائلاً الله أن يبارك له ولخطيبته في زواجهما “الحلال”.
وإضافة إلى المصلى يوجد عدد من الأبنية الملحقة بالمسجد، بعضها لبيع التذكارات منه، والبعض الآخر لبيع الأطعمة “الحلال”، واللباس الشرعي، وقاعات للمؤتمرات والمعارض، وقسم لإدارة المجمع الكبير وغيرها.
تاج الدين عثمانوف قال لمراسل “الأناضول” وهو يهم بالخروج من محل صغير لبيع الأطعمة ملحق بالمسجد، إنه يفضل شراء اللحوم والنقانق (السجق) من المحل الملحق بالمسجد رغم تواضعه، وذلك لأن عليها ختم “حلال”، ومضمونة المصدر، إضافة إلى أن في ذلك دعماً لأحد مرافق المسجد. وأضاف أن في روسيا من الصعب أن تضمن الحصول على لحوم معلومة المصدر، أو أن تعرف إذا ما كانت طريقة الذبح موافقة للشريعة الإسلامية أم لا.

كسوة الكعبة وقرآن من الفضة
مراسل “الأناضول” التقى شامل أرسلانوف، إمام ومؤذن في مسجد الجامع بموسكو، حيث قال إن المسجد هو واحد من أربعة مساجد رئيسية في موسكو، إضافة إلى وجود عدد من المصليات المنتشرة. وأضاف أن المسجد هو الأكبر في موسكو، حيث يتسع لـ10 آلاف مصل دفعة واحدة، وفي بعض الأحيان في صلوات الجمعة يصلي داخله وفي صحنه الخارجي نحو 15 ألف مصل.
وأشار إلى أنه في صلوات الأعياد قد يصل عدد المصلين داخل المسجد وفي الشوارع المحيطة به إلى أكثر من 200 ألف مصل.
وعن مساحة المسجد قال أرسلانوف، إن المساحة الإجمالية للمسجد تبلغ نحو 19 ألف متر مربع، وهو يقع في خمسة طوابق، قسم منها للرجال، والآخر للنساء، وكذلك يوجد في الطابق الثاني “متحف الإسلام” الذي يضم نسخاً قديمة من القرآن الكريم، ومقتنيات قيمة من كسوة الكعبة، ونسخة لصفحة من القرآن مكتوبة بالفضة.
ولفت إلى أن المسجد مبني بطراز فاخر، حيث إن وزن الثريا الرئيسية داخله يصل إلى طن ونصف الطن، إضافة إلى أن مئذنتيه الذهبيتين يصل طولهما إلى 79 متراً.
أرسلانوف والأئمة الآخرون في المسجد يقومون بعد أداء الصلوات بعمل حلقات للراغبين من الرجال والنساء من أجل تلاوة آيات من القرآن الكريم، ويدعون لهم، ويجيبون عن بعض أسئلتهم الشرعية.
الزائر لمسجد “الجامع” بموسكو، خاصة من الأجانب يلقى حفاوةً وترحاباً من المصلين والقائمين على المسجد، فما إن يلحظوا وجود أحد يحمل ملامح غير مألوفة لديهم، أو يتكلم لغة أجنبية حتى يتحلَّقوا حوله ليبادروه السلام، ويحاولون إجابته عن أي استفسار أو طلب يطلبه.