لا يتردد آديم آرديك (32 عاماً) في الإجابة: لن أختار أردوغان بسبب سماحه للنازحين بدخول تركيا بالملايين.
هو صاحب متجر في مدينة غازي عنتاب التركية، الواقعة على بُعد أقل من 100 كم من مدينة حلب بسوريا. والسؤال هو: لمن تمنح صوتك في الانتخابات الوشيكة؟
يرد: منحتُ صوتي لحزب العدالة والتنمية في كل انتخابات، لكنَّني لن أُصوت لهم هذه المرة. الشعب التركي صبور، لكن لو انفجرنا، حتى الحكومة لن يمكنها الوقوف أمامنا.
ويواجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، المُقبِل على الانتخابات في 24 يونيو/حزيران 2018، خطر خسارة داعميه من الناخبين الغاضبين؛ بسبب سماحه لنحو 3.5 مليون نازح سوري بالإقامة في تركيا، حسب تقرير لوكالة Bloomberg الأميركية.
زلزلت أزمة اللاجئين مشهد الحملات الانتخابية التركية، لتصبح أكثر القضايا السياسية إثارةً للجدل في البلاد هذا العام (2018)، وأداة تستخدمها المعارضة في الانتخابات الملتهبة.
الأمر أخطر من ذلك، فشرارة واحدة قد تبدأ الحريق
يتردد صدى الإحباط الذي ينتاب آرديك في مدينته، التي تضخَّم عدد سكانها بنسبة 20% مع وصول نحو 400 ألف لاجئ منذ عام 2011.
وتزداد حدة التوترات؛ إذ ذكرت وسائل الإعلام أنَّ مشادةً بين تركي وسوري في غازي عنتاب تفاقمت إلى معركةٍ مميتة بالأسلحة النارية هذا الأسبوع. ولم يؤدِّ وجود القادمين الجدد في أنحاء المناطق الداخلية إلا إلى تفاقم الضغوط الناتجة عن العملة التركية المتراجعة والتضخم المتسارع.
فاروق عامل بأحد الفنادق في مدينة قهرمان مرعش الواقعة على بُعد 50 ميلاً (80.5 كيلومتر تقريباً) شمال غازي عنتاب، لم يرغب في الكشف عن اسمه الأخير؛ بسبب حساسية المسألة. يقول إن الأمر “لن يستغرق إلا شرارة واحدة لإشعال العنف بين الأتراك والسوريين. كانت هناك بعض الاحتجاجات العنيفة بقهرمان مرعش ضد اللاجئين قبل بضع سنوات. والآن يتراكم التوتر مرةً أخرى في ظل تزايد أوجه المعاناة الاقتصادية”.
وتركيا ليست البلد الوحيد الذي انقلبت فيه الحياة السياسية من جرَّاء وصول اللاجئين البائسين غير المرغوب فيهم. فالمسألة على رأس جدول أعمال الاتحاد الأوروبي في ظل استغلال الشعبويين بإيطاليا وألمانيا غضب الناخبين، ووضع الحكومات في المجر والنمسا قواعد أكثر صرامة. ثُمَّ هناك الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي لاقى استهجاناً واسعاً بسبب نهجه المتشدد ضد الهجرة، الذي تضمَّن سياسةً تفصل الأطفال عن آبائهم المهاجرين مِمَن يُلقى القبض عليهم عند الحدود.
والمعارضة تتبنى مواقف صارمة ضد اللاجئين
وبحسب دراسة نشرتها جامعة قادر هاس في إسطنبول، تزايدت نسبة الأتراك الذين أعربوا عن عدم رضاهم عن اللاجئين السوريين إلى 61% في عام 2018، مقابل 54.4% في 2017.
وتفيد إحصائية أصدرتها وزارة الداخلية التركية ودائرة الهجرة التابعة لها بداية 2018 بأن عدد اللاجئين السوريين على الأراضي التركية، تجاوز 3 ملايين و424 ألف لاجئ سوري.
وحوَّل خصوم أردوغان الأمر إلى تعهُّدٍ انتخابي؛ إذ يتخذ كلٌّ من المُرشَّحَين الرئاسيَّين المعارضين الرئيسَين، وهما العلماني محرم إينجة والقومية ميرال أكشينار، موقفاً صارماً ضد اللاجئين، وتعهَّدا بإعادتهم إلى سوريا.
فمحرم إينجة، مرشح حزب الشعب الجمهوري العلماني، اتهم أردوغان بتبديد مليارات الدولارات على اللاجئين السوريين.
وقال إينجة إنَّه في حال انتخابه، لن يسمح بعودة عشرات الآلاف من اللاجئين الذين يزورون أقاربهم بسوريا في الأعياد الإسلامية إلى تركيا مرة أخرى، وأضاف مخاطباً هؤلاء اللاجئين: “إن كنتم قادرين على الذهاب والبقاء هناك 10 أيام، فيمكنكم إذاً البقاء هناك بصورةٍ دائمة. هل ندير هنا مطعماً خيرياً؟ شعب بلادي بلا وظائف”.
وحتى الحزب الحاكم غيَّر من خطابه تجاه السوريين
وحتى لو أُعيد انتخاب أردوغان، فهناك إشاراتٌ تدل على أنَّه، بدوره، بدأ يُغيِّر موقفه تجاه اللاجئين. وفي الأشهر الأخيرة، شرع هو أيضاً في التلميح إلى أنَّ معظمهم سيضطر في النهاية إلى العودة لوطنهم الأم.
ومع اقتراب الانتخابات غيَّر أردوغان نبرته بخصوص القضية. ففي بداية العام (2018)، قال إنَّ تركيا ستبني منازل دائمة لأكثر من 3.5 مليون سوري يعيشون في البلاد، لكنَّه قال الشهر الماضي (مايو/أيار 2018)، إنَّ تركيا ستُطهِّر شمال سوريا من الإرهابيين وتُشجِّع اللاجئين على العودة إلى بلادهم.
وقالت ليلى شاهين أُوستا، النائبة في البرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية وعضوة لجنة حقوق اللاجئين بالبرلمان، لوكالة Bloomberg عبر الهاتف: “سياستنا هي تمكين عودة اللاجئين السوريين بمجرد انتهاء الحرب. حتى إن اللاجئين الأطفال يقولون إنَّهم يريدون العودة لبلادهم”.
وتعهَّد الاتحاد الأوروبي بـ3 مليارات يورو من المساعدات لأنقرة لتشجيع تركيا على منع اللاجئين من مواصلة رحلتهم إلى أوروبا. ووقَّع أيضاً في مارس/آذار 2016 اتفاقاً يسمح بإعادة طالبي اللجوء والمهاجرين إلى تركيا.
وقد نفذّت تركيا ما يقع على عاتقها من مسؤوليات في إطار الاتفاق، وضبطت الهجرة غير النظامية على سواحل بحر إيجة، غير أن الاتحاد لم يلتزم بتعهداته لأنقرة حيال إلغاء التأشيرة، إلى جانب تباطؤه في المساعدات المالية للاجئين.
ولكن في مارس/آذار 2018، وافقت المفوضية الأوروبية على تقديم دفعة مالية ثانية قيمتها 3 مليارات يورو لمساعدة تركيا في استقبال اللاجئين السوريين على أراضيها.
والسوريون هناك يتاجرون ويؤسسون الشركات
بالإمكان الآن رؤية السوريين في كل مكان تقريباً بالمدن الواقعة جنوب وجنوب شرقي تركيا، بعضهم يعملون نُدُلاً، وآخرون يديرون متاجرهم الخاصة.
ووظَّفت شركاتٌ مثل سلسلة تأجير السيارات الأميركية “Budget” عمالاً سوريين في غازي عنتاب لمساعدة الزبائن الناطقين بالعربية. ووضعت شركاتٌ أخرى ببساطة، لافتاتٍ عربية على نوافذ متاجرها لجذب الزبائن السوريين.
ووفقاً لدراسةٍ أجرتها منظمة Building Markets، وهي منظمة غير ربحية مُكرَّسة لمحاربة الفقر في البلدان النامية، استثمر السوريون منذ عام 2011 نحو 334 مليون دولار في 6033 شركة جديدة رسمية بتركيا، وحلّوا في المرتبة الأولى بين المؤسسين الأجانب للشركات الجديدة في كل عام منذ عام 2013. وتضم غرفة التجارة في غازي عنتاب 1500 عضو سوري.
.. وحتى يدفعون الضرائب والضمان الاجتماعي
وعلى بُعد نحو 300 كيلومتر إلى الغرب، نجح عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين في بدء حياة جديدة بمدينة مرسين الساحلية المُطِلّة على البحر المتوسط، حيثُ أمكن رؤية النساء والرجال يصطفّون من أجل الحصول على الحلوى السورية التي تُباع في الشوارع قبل ساعاتٍ من موعد الإفطار خلال شهر رمضان.
وقال عبد الله باصر (58 عاماً)، وهو مسؤول من حزب العدالة والتنمية في مرسين: “معظم السوريين الذين يعيشون بمرسين أثرياء، عَبَروا إلى داخل تركيا بجوازات سفرهم. واندمج الكثيرون منهم بسرعة للغاية وبدأوا المساهمة في الاقتصاد، وبنوا حتى مخبزاً قرب مرسين”.
ومالكو بعض المطاعم والمتاجر والمقاهي والمحال هم سوريون تمكَّنوا من إعادة بدء أعمالهم بتركيا. وباستخدام الأموال التي جنوها في بلادهم، كان اندماج البعض داخل الحياة التجارية التركية سلساً.
وقال أحمد مرعي (28 عاماً)، بعد أن توقَّف عن قراءة القرآن بمحله لخدمات الإطارات Michelin في مرسين: “لستُ مواطناً تركيّاً ولا يمكنني التصويت، لكنَّني أدفع ضرائبي وأقساط الضمان الاجتماعي لنظام التقاعد. كنتُ أيضاً وكيل Michelin في حمص، وأعدتُ بدء عملي هنا عبر علاقاتي. والحمد لله، العمل جيد”.
لكن بالنسبة للكثير من الأتراك المضغوطين من جراء التضخم الجامح، الذي وصل الآن إلى 12%، والعملة التي انخفضت بنسبة 20% هذا العام (2018) مقابل الدولار، فإنَّ العمل ليس جيداً. والبعض يقولون إنَّ الحل الوحيد هو دفع السوريين إلى العودة لديارهم التي مزَّقتها الحرب.
إذ قال تانر أوزدوراك، وهو رجل أعمال مقيم بغازي عنتاب، في مقابلةٍ مع وكالة Bloomberg: “الأزمة السورية لا يمكن حلها إلا بعودة اللاجئين. لا أعتقد أنَّهم سيرغبون في البقاء هنا فترة طويلة”.
ولكن هناك فئة معينة منهم يراهن عليها أردوغان
عندما يضع مراد زكي ورقة الاقتراع في الصندوق يوم الأحد 24 يونيو/حزيران 2018، ستكون هذه -على الأرجح- أول انتخاباتٍ حرة يشهدها بنفسه. ومع ذلك، لا يزال يشعر بأنَّه ليس لديه خيارٌ حقيقي فيمن يُصوِّت لصالحه.
ويُنظَر إلى أردوغان على نطاقٍ واسع باعتباره المنقذ الذي رحَّبَ بالسوريين عندما لَفَظَهم زعماء العالم الآخرون، حسب وصف صحيفة The Times البريطانية.
ويأمل الرئيس أردوغان كسب أصوات عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين مِمَّن حصلوا على الجنسية التركية في الانتخابات التركية عند نهاية هذا الأسبوع.
وفي ظلِّ تبني الأحزاب المعارضة التركية الرئيسية موقفاً مُتشدِّداً من المهاجرين السوريين، يشعر الكثيرون بأنَّ أمامهم مُرشَّحاً واحداً فقط يؤيد حقهم في البقاء بتركيا.
يمنحونه أصواتهم حتى لو اختلفوا معه
وقال زكي، وهو واحدٌ من 30 ألف سوري حصلوا على حقِّ التصويت في نهاية هذا الأسبوع: “قرَّرت التصويت لحزب العدالة والتنمية وأردوغان لمنصب الرئيس”.
وكان زكي، (35 عاماً)، قد حصل على الجنسية التركية في العام الماضي (2017)، لكنَّه يقول إنَّه بخلاف ذلك لا يشعر بأنَّ هناك أيَّ صلةٍ تربطه بدولته الثانية.
ويقول إنَّه بصفته مثقفاً، ومُتحرِّراً، ومُلحِداً، فهو لا يشبه نوعية الشخصيات التي تؤيد الرئيس التركي في المعتاد.
وقال: “في الحقيقة، أنا لا أتفق مع العديد من الأشياء التي يفعلها أردوغان، وخاصةً تقييد الحريات وتمكين الدين على العلم. لكنَّني لا أتخيَّل ما قد يحدث لو فازت المعارضة. قد يجعلوننا نعاني”.
وسبق لهم أن دعموه ضد الانقلاب العسكري
خرج بعض السوريين إلى الشوارع لدعمه في ليلة محاولة الانقلاب عام 2016. وهناك آخرون، مثل زكي، يؤيدون مخاوف معارضيه الأتراك مما يصفونه بتوجُّهه الاستبدادي، لكنَّهم يقولون إنَّه لا يوجد خيارٌ آخر.
فإذا أُجبِرَ السوريون مثل زكي على الخروج من تركيا، فسيكون خيارهم الوحيد هو العودة إلى سوريا، حيث يضع النظامُ زكي في قائمة المطلوبين بتهمة الانشقاق عن الجيش.
وقال زكي: “لَم أخبر أياً من أصدقائي الأتراك بمن سأصوِّت له. إنَّه أمرٌ بالغ الحساسية، ويمكنني فهم سبب ذلك”.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أنَّ غالبية الأتراك لم يعودوا راضين عن العدد الهائل من السوريين الذي تستضيفه تركيا، وزاد التصوُّر الشائع بأنَّ جميع السوريين يدعمون أردوغان من هذا العداء.
وقال سوريٌّ آخر يعيش هناك منذ عام 2013: “لا أعتقد أنَّ الكثير من السوريين يدعمون أردوغان علانية، لكن حتى لو كان عددٌ قليل منهم فقط يدعمه، فسيُؤثِّر ذلك في بقيتهم. لست أدري ما إن كان بإمكاني البقاء هنا أم لا في ظلِّ كلِّ ما يجري حالياً، لكن في الوقت نفسه لا يوجد مكانٌ آخر يخطر ببالي أو يمكنني الذهاب إليه”.