أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ورجل الدين مقتدى الصدر اليوم السبت 23 يونيو/حزيران، تحالفاً بين كتلتيهما السياسيتين ليقترب العراق خطوة من تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابات شابها ضعف الإقبال ومزاعم تزوير.
ولم يكن واضحاً ما إذا كان التحالفان السياسيان لكلا القائدين قد اتفقا على أيِّ مُرشِّحٍ واحد ليكون خيارهما لشغل منصب رئيس الوزراء. غير أن مُتحدِّثاً باسم الصدر قال إن رئيس الوزراء الحالي لم يصر على الاستمرار في منصب رئيس الوزراء مقابل الحصول على دعمه.
وقالت صحيفة النيويورك تايمز أنه أُعلِن هذا التحالف من مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة، وذلك خلال لقاء بين القائدين شكَّل مفاجأة لعديد من المراقبين السياسيين، ولا سيما نظراً إلى أن الصدر -صاحب أعلى الأصوات-كان قد أعلن بالفعل تحالفاً مع القائد الشيعي الحليف لإيران، هادي العامري. حصل العامري على المركز الثاني في عدد الأصوات، فيما جاء العبادي ثالثاً خلف الصدر والعامري.
كانت المحكمة الاتحادية العليا، أعلى سلطة قضائية في العراق، قررت الخميس 21 يونيو/ حزيران، إعادة فرز الأصوات يدوياً في الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد في 12 أيار/مايو الماضي، في أعقاب شبهات بحصول عمليات تزوير، في إجراء يرجح أن يستمر لأسابيع، ويدخل البلاد في وضع غير مسبوق إذ أن ولاية البرلمان الحالي تنتهي في نهاية حزيران/يونيو.
كتلة الصدر في الانتخابات التشريعية
وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو/أيار، جاءت كتلة الصدر في المركز الأول بينما حلت كتلة العبادي في المركز الثالث. والاتفاق بين الكتلتين هو الأحدث في سلسلة اتفاقات بين الزعماء السياسيين في العراق.
وقال الصدر في مؤتمر صحفي في مدينة النجف “نعلن عن تحالف عابر للطائفية والإثنية للإسراع بتشكيل الحكومة المقبلة والاتفاق على نقاط مبادئ مشتركة بما يضمن مصلحة الشعب العراقي بين (كتلتي) سائرون والنصر”.
ودعا إلى تحالف أوسع يضم كل مكونات المجتمع العراقي لتتشكل حكومة لا تقصي أحداً.
ويقدم الصدر نفسه على أنه قومي غير طائفي يعارض الولايات المتحدة والنفوذ الإيراني في البلاد. وسائرون تحالف انتخابي بين الساسة الصدريين والحزب الشيوعي العراقي ومرشحين علمانيين آخرين.
إيران حاضرة وبقوة في تحالفات كتلة الصدر
لكن الصدر أبرم تحالفاً في يونيو/حزيران أيضاً مع هادي العامري، الذي جاءت كتلته في المركز الثاني في الانتخابات وتربطه علاقات وثيقة مع إيران. وقال رئيس الوزراء إن ذلك التحالف لن يتأثر بالتحالف الجديد معه.
وقد استمر الصدر، وهو رجل دين شيعي وقائد ميليشيا سابق كان مطلوباً في الماضي من جانب السلطات الأميركية خلال احتلال العراق، في انتقاده للأميركيين، فيما نأى بنفسه في الوقت ذاته بعيداً عن إيران، وقدَّم نفسه على أنه رمزٌ غير طائفي. وبالرغم من خطاب الصدر المُتحمِّس لمعاداة الأميركيين في الماضي، بدا هادئاً على هذه الجبهة منذ انتخابات الشهر الماضي، مايو/أيَّار، خلال حديثه في مدينة النجف يوم السبت، وامتنع عن انتقاد الولايات المتحدة.
وقال العبادي “أنا أؤكد بأن صار اتفاق على تشكيل تحالف ثنائي بين ائتلاف سائرون والنصر اليوم على دور المبادئ التي تفضل بقراءتها السيد مقتدى الصدر، أؤكد أيضاً أن هذا التحالف لا يتعارض مع أي تحالف لأي من القائمتين مع كتل أخرى بل يصب في نفس الاتجاه بنفس المبادئ”.
ولدى الكتل الثلاث التي تصدرت الانتخابات، وكلها بقيادة الشيعة، ما يصل إلى 140 مقعداً. وثمة حاجة إلى ما لا يقل عن 165 مقعداً لتشكيل الحكومة رغم أن التكتل الحاكم في البرلمان عادة ما يكون أكبر من أجل أن يضم نواباً من العرب السنة والأكراد.
ودعا العبادي والصدر قادة الكتل السياسية الأخرى إلى الاجتماع و”الاتفاق على الخطوات المقبلة” من أجل الإسراع بتشكيل حكومة عراقية لا تقصي أحداً.
وعادة يعقد قادة سياسيون في العراق مثل تلك الاجتماعات بعد الانتخابات في إطار عملية طويلة ومعقدة لتشكيل حكومة ائتلافية إذ لا يتمكن أي حزب منفرداً من الحصول على ما يكفي من المقاعد لتشكيل حكومة دون ائتلاف.
والعملية أكثر تعقيداً هذه المرة لأن البرلمان المقبل سيولد من رحم انتخابات شابها إقبال ضعيف لم يسبق له مثيل ومزاعم تزوير.
كان البرلمان المنتهية ولايته أقر إعادة فرز الأصوات يدوياً وأيدت المحكمة الاتحادية العليا الخطوة التي واجهت عقبات قانونية. وقال العبادي إن القادة السياسيين بحاجة للاجتماع قريباً من أجل إنهاء الأزمة والإسراع بالعملية.
تحركات العبادي لبناء تحالفات سياسية
وسبق أن أكد رئيس تحالف القرار العراقي أسامة عبد العزيز النجيفي قبوله لدعوة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، لعقد حوار وطني موسع، مشيراً إلى ضرورة مشاركة الجميع وعدم استثناء أحد، وذلك في أعقاب الجدل، الذي أثير بشأن نتائج الانتخابات البرلمانية، والتي اعتبرت تكتلات سياسية أنها شهدت تجاوزات مهمة.
ويضم تحالف “القرار العرقي” 11 حزباً، برئاسة الأمين العام لحزب (للعراق متحدون)، أسامة عبد العزيز النجيفي، ويعد التحالف أحد المعبرين عن الطائفة السنية في العراق.
كانت عدة تكتلات سياسية قد أعلنت ترحيبها بدعوة العبادي لطاولة حوار وطني من بينها الجبهة العراقية للحوار الوطني وتحالف القوى العراقية.
ودعا رئيس الوزراء حيدر العبادي الكتل السياسية لعقد لقاء على مستوى عال بعد عطلة العيد مباشرة، فضلاً عن عقد ما وصفها بـ “اللقاءات المسؤولة” للاتفاق على برنامج إدارة الدولة بجميع مؤسساتها.
تجاذبات إقليمية
وقال الكاتب العراقي وأستاذ العلاقات الدولية، رائد العزاوي، إن تحالف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، واحد من الجهود الكبيرة التي يبذلها بعض السياسيين العراقيين.
واعتبر العزاوي أن أهم العقبات أمام تشكيل الحكومة العراقية هي التجاذبات الإقليمية، التي تمثل اللاعب الرئيسي في هذه المرحلة، بصرف النظر عما يثار حول الانتخابات ونتائجها وطرق عدها وفرزها.
كما لفت الكاتب العراقي إلى أن بعض دول الإقليم، ومنها إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، تحاول أن تضع يدها في تشكيل الحكومة العراقية، لافتاً إلى عدم خروج المشهد السياسي العراقي حتى الآن من إطار التفاهمات فقط.
وحول مستقبل تحالف الصدر مع هادي العامري، قال العزاوي إن اختلاف الرؤى السياسية بين الطرفين، باعتبار العامري أحد اللاعبين الأساسين لإيران في العراق، في حين أن مقتدى الصدر يريد أن تكون إيران جارة فقط دون أي دور في الداخل.
وأضاف “ربما إن استطاع الصدر والعبادي تشكيل كتلة كبيرة في البرلمان العراقي، سيجذب سائرون إليه هادي العامري مقابل أن يتنازل الثاني عن طموحاته الخاصة مع الحفاظ على مصالح إيران في العراق”.
لكن مُحلِّلون سياسيون قالوا إن التحالف الأخير كان خطوةً لجمع المجموعات الشيعية معاً تحت مظلةٍ واحدة، لكنه أيضاً يزيد من درجة عدم التأكُّد بشأن هوية القائد الجديد. فيما قال واثق الهاشمي، رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية، وهي مؤسسةٌ فكرية في بغداد: “منذ يومين أو ثلاثة أيام، اعتقدنا أن المُرشَّح لمنصب رئيس الوزراء سيكون هادي العامري، ولكن هناك في الوقت الحالي حديثاً حول ترشيح حيدر العبادي مرة أخرى”.
مطالب باستفتاء شعبي على الانتخابات التشريعية
دعا زعيم ائتلاف الوطنية الانتخابي نائب رئيس الجمهورية العراقي، إياد علاوي، إلى إجراء استفتاء شعبي يحدد مصير الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت الشهر الماضي من حيث قبول نتائجها أو إعادتها تحت إشراف أممي.
وقال بيان صادر عن المكتب الإعلامي لعلاوي، بصفته زعيماً لائتلاف الوطنية، “بناء على ما حصل من إحراق صناديق الاقتراع في الرصافة كجزء من مسلسل إجهاض الانتخابات، واستناداً إلى عزوف الشعب العراقي عن المشاركة في الانتخابات، فلا بد من إيجاد صيغة تعيد للشعب العراقي الكريم ثقته بالعملية السياسية والانتخابية عبر إشراكه في اتخاذ القرار”.
وجرت الانتخابات البرلمانية العراقية في 12 أيار/مايو الماضي، بنظام التصويت الإلكتروني الذي طُبق للمرة الأولى في البلاد، وهو ما أحدث جدلاً وانتقاداً كبيرين بعد إعلان النتائج.
هذا وقد حقَّقَ الصدر نصراً مُزعِجاً بحصوله على أعلى الأصوات في الانتخابات البرلمانية المُنعقدة في 12 مايو/أيَّار، التي شابها مستوى إقبال للناخبين كان الأكثر انخفاضاً منذ سقوط صدام حسين في عام 2003. إلا أن جميع الأحزاب لم يفز أيٌّ منها بعدد مقاعد كافٍ لحكم البلاد بدون تشكيل تحالفات مع عديد من الأحزاب الأخرى.