The Washington Post: السيسي هو المستفيد الوحيد من خروج منتخب مصر من المونديال صفر اليدين.. كيف نجح الرئيس المصري فيما أخفق صلاح؟

حين أطلق الحَكَم صافرة النهاية في مباراة مصر وروسيا، يوم الثلاثاء 19 يونيو/حزيران، امتلأت الأجواء بشعور الإحباط الوطني الذي لا تخطئه العين.

وحسب صحيفة The Washington Post الأميركية، فقد عمَّت أجواءٌ من التفاؤل في البدء وسط الحضور. فقد كان أداء المنتخب في المباراة السابقة ضد الأوروغواي مُشرِّفاً، ولم يخسر المنتخب إلا في الدقيقة الأخيرة. وتمكَّن المنتخب المصري من الإمساك بزمام المباراة في أجزاءٍ كبيرة منها، ولكنه عجز عن تحويل هذه السيطرة إلى أهداف.

وتضيف الصحيفة أنه مع نزول “ثروة مصر” التي لا تخفى على أحد، محمد صلاح، اللاعب الدولي الذي تمكَّن من لفت الانتباه على الساحة المحلية والإقليمية والدولية، إلى الملعب “داعب الأمل الجميع في أن موهبته في تسديد الأهداف سترفع عنهم لعنة الفراعنة التي حلَّت بالمنتخب الوطني، وستُمكِّنه من تسديد الأهداف في مرمى روسيا”.

سرعان ما تبدَّدت الآمال وتلاشت

وما لبثت تلك الآمال أن تبدَّدَت وتلاشت. فقد كان الفريق المصري مُشتَّتاً وذاهلاً، ولم يكن أداؤه بذات القدر من التركيز الذي لعب به في مباراة الأوروغواي، ولم يتمكَّن صلاح من تقديم ما كان يصبو إليه بنو وطنه، الذين باتوا يعتبرونه رمزاً لإحياء الكرامة والأخلاق والقيم. ويقول عالم الاجتماع المصري عمرو علي في مقاله المنشور عن صلاح، إنه “توكيدٌ مفاجئٌ للقيم الإنسانية داخل منظومةٍ انعدمت فيها الإنسانية”.

ربما ناءت ذراعه المصابة بحمل آمال ما يقرب من 100 مليون مصري، وانهارت أعصابه جراء الضغط الذي تعرَّض له في أهم مباراةٍ في تاريخه المهني. أو ربما كل ما في الأمر أن صلاح لم يكن مستعداً للنزول إلى الملعب بعد الإصابة التي تعرَّض لها على يد راموس، بعد أن استخدم الأخير حركةً يُحظَر استخدامها في الجودو أثناء مباراة ليفربول وريال مدريد في نهائي دور الأبطال.

“هو احنا كمصريين، ليه منفرحش؟”

وحين اتضح أن الهزيمة من نصيب مصر، تحوَّلت الأجواء من المزاج الاحتفالي إلى أجواءٍ يشوبها الإحساس بالمرارة. قال لي أحد أصدقائي المصريين بعد انتهاء المباراة بشيءٍ من الكآبة: “وددت لو أنه كان لدينا أيُّ شيءٍ نفخر به في هذا البلد”.

وذكر علي سعيد، أحد مشاهير موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ملحوظةً مشابهة لحديث صديقي، ولكنها وصلت إلى مسامع عددٍ أكبر من الناس. وتساءل سعد في مقطع مونولوج (أو بالأحرى وصلة سباب) نشره على موقع الفيسبوك: “هو احنا كمصريين، ليه منفرحش؟”، ووصل عدد المشاهدات لهذا المقطع 1.8 مليون مشاهدة.

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=607314459644271&id=100010971667373

وتساءل أيضاً، مُتحدِّثاً إلى مشاهدي المقطع: “لو هتبصوا للشوارع حواليكم، الدنيا كلها مهمومة وقرفانة”، ثم انفجر في وصلة من السباب مهاجماً المشاهير المصريين الذين سافروا على نفقة الدولة لحضور كأس العالم في روسيا، ولاعبي المنتخب، والمدرب.

وصرخ فيهم جميعاً قائلاً: “100 مليون مصري دمهم محروق، 100 مليون مصري نفسهم إن إحنا نفرح. مفيش أي حاجة تفرح في البلد دي”. وأضاف: “أنا أتمنى من الله عربية تخبطني كده وأنا ماشي عشان تجيب أجلي ونستريح”.

هذا البلد الملكوم المُحبَط المُشوَّش في حاجةٍ ماسة إلى مساحة الهروب من الواقع التي توفرها كرة القدم. والآن بعد أن أصبح مُؤكَّداً خروج مصر من بطولة كأس العالم -حتى قبل الهزيمة من السعودية لم يتمكَّن المنتخب من التأهل لدور الـ16- نفدت جرعات المُسكِّن التي يدوم أثرها 90 دقيقة، هي مدة المباراة.

يقر سعيد أنه يعتبر كرة القدم في المقام الأول أداة لإلهاء الجماهير، ولكنها أداةٌ يعتبر نفسه على كامل الاستعداد لاستهلاكها، لأن “الكرة هي اللي هتنسينا، وهنفرح بقا شوية وهنزقطط”. إنه إقرارٌ مُحزِنٌ بمدى البؤس الذي وصل إليه حال مصر، إذ لم يعد حتى المهرب الذي يلجأ إليه الناس يوفر لهم فعلاً فرصةً للهروب.

وقال متأفِّفاً: “أنا مش فاهم إيه اللي بيحصل في مصر ده؟ كل حاجة فيها سواد”.

يبدو الوضع في مصر قاتما وبائساََ

في نظر الجميع، اللهمَّ إلا أعتى أنصار الرئيس السيسي وأشدهم عناداً، قاتماً وبائساً إلى أبعد حد، تقول الصحيفة. لا يقتصر السبب في هذا على أن مصر تشهد أشدَّ موجات القمع والعنف ضد المعارضة في تاريخ البلاد، في ظلِّ حكم السيسي القائم على التخويف والإرهاب، ولكن أيضاً بسبب تداعي الاقتصاد وتدني قيمة الجنيه المصري، مع استمرار موجة التضخُّم. وجاءت إجراءات التقشُّف القاسية لِتُضاعِف آلام الفئة الأضعف والأفقر في مصر.

هذه القسوة البالغة تتراكم على كواهل المصريين الذين عايشوا فترةً من الزهو وصعود الحس الوطني والشعور المتزايد من الأمل في المستقبل، حين انتفضت جموع الشعب عام 2011، وأطاحت بالديكتاتور حسني مبارك، الذي ظلَّ مُمسِكاً بزمام السلطة لزمنٍ طويل. في ذلك العام لم يكن المصريون بحاجةٍ إلى بطل أسطوريّ في ملعب كرة القدم، لأنهم شكَّلوا معاً بطلاً واقعياً وسطَّروا ملحمتهم الخاصة، التي ملكوا بموجبها زمام مصيرهم.

وبالرغم من أن الجيش المصري وواجهاته المدنية المُتعدِّدة يحاولون منذ مدةٍ كبت روح الثورة في نفوس الناس منذ ذلك الحين، فإن هذه الحملة بلغت مستوى غير مسبوق في ظلِّ حكم عبدالفتاح السيسي، الذي يبدو أنه لا يهدف فقط إلى معاقبة المصريين على تجرؤهم على الحلم، وإنما يسعى أيضاً إلى استئصال شأفة أيِّ فكرةٍ أو أملٍ لديهم في تقرير المصير والديمقراطية.

ولم يقتصر أثر صدمة الثورة، والصدمة الأشد منها للثورة المضادة، على وجود مستويات غير مسبوقة من الكآبة والإحباط والبؤس، وإنما أدى أيضاً إلى أزمة في الصحة النفسية تُطل برأسها متوعدةً، ربما لأنها لم تحظ بالتشخيص أو الاعتراف على النطاق العام.

ولكن بالرغم من أن النظام لم يدخر جهداً لتقديم أسوأ ما لديه من قمع وعنف، فإنه لا يقدر على إسكات المعارضين واغتيال الأمل تماماً في النفس، كما يظهر من عشرات الآلاف من سجناء الرأي القابعين خلف القضبان.

لكن الوضع قد يكون مختلفا بالنسبة للسيسي

وكان هاشتاغ “ارحل_يا_سيسي” هو الأكثر تداولاً الأسبوع الماضي على شبكات التواصل الاجتماعي، نتيجة الغضب من إجراءات التقشُّف المُتَّخَذَة. وفي ظلِّ الوحشية المستمرة للنظام واستراتيجية “فرِّق تسُد” التي يتبعها، بالإضافة إلى كرب ما بعد الصدمة الذي يعاني منه سُكَّان البلاد، ولا يبدو أن الناس، حتى مشجعو كرة القدم المسيَّسون المعروفون بروابط الأولتراس، والذين كان لهم دورٌ محوري أثناء الثورة، لا يبدو أنهم سيلجأون إلى التظاهر للمطالبة بإسقاط النظام.. أو على الأقل لن يحدث هذا في المستقبل القريب.

ولكن بدلاً من ذلك، سيستمر الإحباط والغضب المكتوم في صدور المصريين في تدمير نفسياتهم، على المستويين الفردي والجماعي. وفي مناخٍ كئيب كهذا، لا يمكن للمرء أن يستغرب أن يلهث المصريون خلف كرة القدم، باعتبارها وهماً يُشتِّت الانتباه، ومَهْرَباً من الواقع ومصدراً لتسكين آلام نفوسهم؛ أو أن يُرفَع لاعب كرة قدم صاحب مبدأ وغير مسيَّس  إلى مكانة المنقذ.

حين يعود الفراعنة إلى أرض الوطن، لن يجدوا في انتظارهم تلك الروح الطيبة التي كان النظام يأمل أن يضفيها كأس العالم على الجموع، بل مستويات أعلى من السابق من الإحباط المضرم والغضب المكتوم. ولكن على الأقل لن يكون على عبدالفتاح السيسي، الشخص السطحي المصطنع الذي نصَّب نفسه منقذاً لمصر، أن يقلق من شعبية محمد صلاح أو يشعر أنها تحمل أيَّ تهديدٍ له.

 


إذا كنت مهتما بمعرفة كيف احتفل السعوديون بفوزهم على منتخب مصر، إليك هذه المادة

آل الشيخ لبن سلمان: حققنا الفوز على مصر من أجلك.. وولي العهد يصرف 50 ألف ريال لكل لاعب

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top