طرح قرار خليفة حفتر، قائد القوات المدعومة من مجلس النواب (شرقاً)، الإثنين، تسليم موانئ منطقة الهلال النفطي الليبية (شمالاً)، إلى مؤسسة نفطية موازية في الشرق، بدلاً من مؤسسة النفط الرسمية في العاصمة طرابلس، التابعة لحكومة الوفاق، طَرَحَ عدة تساؤلات حول جدية هذه الخطوة وأهدافها، في ظلِّ محاولات سابقة فشلت في فرض الأمر الواقع.
ورفضت حكومة الوفاق (المعترف بها دولياً)، الثلاثاء، قرار حفتر، وطالبت “مجلس الأمن الدولي، ولجنة العقوبات (التابعة للأمم المتحدة)، بتتبع وإيقاف أي عمليات بيع غير قانونية للنفط تحدث جراء القرار.
أما مؤسسة النفط، التابعة لحكومة الوفاق، فذكرت أن “قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2362 كان صريحاً، عندما أدان المحاولات غير القانونية لتصدير النفط من ليبيا، بما في ذلك النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة، من قبل المؤسسات الموازية التي لا تعمل تحت سلطة حكومة الوفاق”.
ودعا مجلس الأمن الدولي، في قراره رقم 2362، الصادر عام 2017، حكومة الوفاق، إلى “تعزيز الرقابة الفعالة على المؤسسات المالية في البلاد، وخصوصاً المؤسسة الوطنية للنفط، ومصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الليبية للاستثمار”.
أوروبا وأميركا تشعران بالقلق
وأمس الأربعاء، أعربت “حكومات كل من فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، عن قلقها العميق إزاء الإعلان عن نقل حقول ومنشآت النفط في (ميناءي) رأس لانوف، وسدرة، إلى سيطرة كيان آخر غير شركة النفط الوطنية الشرعية”.
ومن المعروف أن أي عملية بيع للبترول الليبي، فإن إيراداته المالية تصب مباشرة في البنك المركزي بطرابلس، التابع لحكومة الوفاق، والذي حاول عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب في طبرق (شرقاً)، تسمية مدير جديد للبنك، دون أن ينجح في ذلك حتى الآن.

حفتر يبحث عن مصدر تمويل
اعتبر المحلل السياسي الليبي، عبدالله المحيشي، تسليم حفتر لموانئ النفط، لمؤسسة موازية “أمراً طبيعياً” بحسب تحليله للأحداث.
ويرى المحيشي، أن “جميع أطراف النزاع لن تفوت أي فرصة تستقوي من خلالها على الطرف الآخر، والنفط هو مصدر القوة في ليبيا، وحفتر طرف في النزاع، ولن يفوت فرصة ليقوى بها”.
ويضيف “حفتر، تمدَّد أفقياً في البلاد بمساعدات عسكرية مصرية وإماراتية، وسيطر على أراض جديدة، وأصبح يحكم رقعة جغرافية كبيرة، حتى قواته تزداد كل يوم (…)، بالتالي هو يحتاج لمصدر تمويل يمكنه من تثبيت سيطرته تلك”.
ويتابع “السيطرة على أراض سهلة، ولكن الأصعب هو أن تحافظ عليها، وإذا سيطرت على مدن جديدة سيكون عليك التزام أمام أهلها، وعليك أن تحل مشكلات المعيشة (…) وكل ذلك لن يقدر عليه حفتر، الذي يعتمد حتى اليوم على تمويل رجال أعمال”.

ويقول المحيشي “حفتر، يعرف أنه إن لم يفِ بتعهداته تجاه تلك المدن، يصبح في موقف حرج، وذلك الموقف هو مَن دفعه للبحث عن مصدر تمويل جديد، ولم يجد أفضل من النفط”.
“نفط حفتر”.. مجرد ماء بدون موافقة دولية
وبين الترحيب بالقرار والرفض له يبقى الفيصل هو المتجمع الدولي، بحسب ما يرى “فتحي رحيل”، المسؤول الليبي السابق في قطاع النفط.
ويوضح “رحيل” أن “التنديدات والتأييدات المحلية لن تغني ولن تشبع من جوع”.
ويؤكد أن “تمرير قرار حفتر من عدمه مرتبط بالمجتمع الدولي، ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وهي الجهات التي تمر من خلالها صفقات بيع النفط”.
ويقول المسؤول النفطي السابق “إذا رفض المجتمع الدولي فعلياً قرارَ حفتر، وبالتالي تمرير صفقات تعقدها مؤسسة النفط في الشرق، فسيصبح النفط الذي يسيطر عليه حفتر، مجرد ماء”.
ويتوقع فتحي رحيل، أن يتخذ المجتمع الدولي، موقف الرفض من قرار حفتر، ولن يتعامل مع المؤسسة الموازية لأن “عقود النفط جميعاً وقعتها مؤسسة النفط بطرابلس، وبها شروط جزائية كبيرة”.
ويتابع “حفتر يعلم ذلك، وأستغرب سبب قراره الذي يعلم أنه لن يمر، وعلمه المسبق بفشل أي محاولة لبيع النفط خارج مؤسسة طرابلس، وهو ذات السبب الذي جعله يسلم تلك الموانئ (لمؤسسة النفط في طرابلس)، عندما سيطر عليها، وطرد قوات (إبراهيم) الجضران، منها”.
في 12 سبتمبر/أيلول 2016، تمكنت قوات حفتر من السيطرة على كامل الحوض النفطي (4 موانئ)، وطرد إبراهيم جضران، رئيس حرس المنشآت النفطية (فرع الوسطى) من المنطقة.
وضرب المسؤول النفطي السابق مثالاً على ذلك قائلاً “في أبريل/نيسان 2015، حاولت مؤسسة النفط (الموازية) في الشرق إبرام صفقات بيع نفط من حقول وموانئ (تحت سيطرة جضران المتحالف حينها مع حفتر)”.
واستطرد “رغم محاولة الحكومة المؤقتة، فتح حساب مصرفي منفصل، لصب إيرادات تلك الصفقات في الإمارات، إلا أن الأمر اصطدم بصخرة المجتمع الدولي وباء بالفشل”.
وتابع “وقتها حاولت حكومة (عبدالله) الثني (المؤقتة)، في الشرق، فتح مكاتب تمثيل لمؤسسة النفط التابعة لها في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، لإبرام صفقات مقايضة الخام الليبي، بالمنتجات المكررة والوقود لتوفير الاحتياجات الأساسية وفشل ذلك أيضاً”.
وقبل تلك المحاولة أجرت حكومة الشرق، محاولة أخرى لبيع النفط من المناطق التي يسيطر عليها حفتر، في أكتوبر/تشرين الأول 2014، ومحاولة أخرى في 2015، بالتفاوض مع شركة إماراتية شريكة في استثمار مصفاة رأس لانوف وفشلت أيضاً”.
وخلص “رحيل”، في تحليله لحصر سببين رئيسيين لتوقعه فشل مؤسسة الشرق (الموازية) في تسويق النفط، وهما أن “عملية إنتاج وتسويق النفط هي عملية مزدوجة تشترك بين مؤسسة النفط الليبية وشركائها من شركات النفط الأجنبية، التي تمتلك حصصاً في النفط والغاز الليبيين، اللذين يتم إنتاجهما وتصديرهما”.
وتابع “ويحكم كل ذلك منظومة متكاملة من الإجراءات والاتفاقيات الدولية والمحلية، والخلل الطارئ في تلك المنظومة يترتب عليه بكل تأكيد قضايا دولية قد تضر بليبيا والشركات الأجنبية الشريكة أيضاً”.
أما الأمر الثاني، فيقول رحيل “هناك اتفاقيات قائمة أبرمتها ليبيا سابقاً مع زبائنها الدائمين وشركائها بشأن كميات النفط المصدرة، وتلك الاتفاقات مكتوب بها كميات النفط والغاز وموانئ تصديرها، وتواريخ شحنها، ولا بد من التقيد بها”.
حفتر يلعب على وتر “المصالح” مع المجتمع الدولي
وعلى النقيض من ذلك، توقع مروان قطيش، رجل الأعمال الليبي، خلال حديث “نجاح مؤسسة النفط في شرقي ليبيا في بيع البترول”.
ويقول قطيش، إن “المجتمع الدولي لا تحكمه مبادئ واحتكامات للشرعية، بقدر ما تحكمه مصالحه ومصالح شركاته”.
ويضيف أن المجتمع الدولي وشركاته “يعلمون أن مصلحتهم مع حفتر الآن، لأنه المسيطر، ليس على النفط فقط، بل على جزء كبير من البلاد”.
واستدل قطيش، على وجهة نظره، بأنه “في 2015، كان العالم يعترف بالحكومة المؤقتة التابعة للبرلمان، وكان وقتها هناك حكومة موازية، هي حكومة الإنقاذ في الغرب (طرابلس)، وكان المجتمع الدولي يعلن يومياً أنها غير معترف بها”.
ورغم ذلك يوضح أن “مؤسسة النفط في طرابلس، التي كانت تتبع تلك الحكومة الموازية آنذاك، كانت تدير قطاع النفط وتقوم بالتصدير، والعالم يتعامل معها بشكل عادي جداً”.
واستنتج أن “ذات الأمر يمكن أن يحصل الآن” مع المؤسسة الموازية في الشرق.
غير أن رجل الأعمال الليبي، لفت إلى أنه “في حال فشلت حكومة الشرق في بيع النفط لصالحها، قد تضطر إلى إتاحة العروض للسماسرة لشراء تلك الخامات، ولكن بأسعار تقل عن أسعار السوق”.
وتوقع أن يكون حفتر “تحصَّل على وعود دولية بشأن عمليات بيع النفط، قبل الإقدام على إعلان قراره ذلك، لأنه معروف بعدم تسرعه، وإصدار قرارات يعرف أنها لن تمر”.
النفط ورقة ضغط لإعادة التفاوض
وسواء نجح حفتر في تسويق النفط لصالحه أو فشل، فإن ذلك سيُلقي بظلاله على خارطة الطريق التي رسمها إعلان باريس، والتي وافق عليها حفتر، ومن أهم بنودها تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، في ديسمبر/كانون الأول 2018.
المحلل السياسي الليبي علي الزليتني، أشار في هذا الصدد إلى أن سيطرة حفتر على موارد النفط في البلاد، ستزيد قوته وحلفاءه، لكنه سيحمل نفسه، دون أن يدري، مسؤولية تحقيق الرخاء في شرقي ليبيا.
وأوضح زليتني، للأناضول، أن “حفتر، برَّر قراره بتسليم الموانئ لمؤسسة تابعة له بأمرين، الأول لقطع تمويل الجماعات الإرهابية، والثاني لتحقيق العدالة في توزيع عائدات النفط، التي يشتكي شرقي البلاد من عدم حصوله على القدر الكافي منها، خصوصاً في ميزانية التنمية”.
ورغم ذلك رجح الزليتني، أن “نية حفتر أساساً ليست تحقيق مكاسب اقتصادية من وراء بيع النفط، بل الأمر أبعد من ذلك بكثير”.
واستطرد “الهدف سياسي، وسيكون له تأثير على المفاوضات التي يرعاها المجتمع الدولي لحل الأزمة الليبية”.
وتابع أن “ما هدف إليه حفتر بالتصعيد الذي اتخذه هو إعادة ترتيب الأوراق، وإعادة المفاوضات لنقطة البداية، كي تشمل أيضاً ورقة النفط المهمة، التي أصبحت في يده، يفاوض بها بعد أن انتزعها من خصمه (إبراهيم جضران) في المفاوضات”.
ودلَّل الزليتني، على كلامه قائلاً “برزت نية وهدف حفتر من خلال حليفه في المجلس الرئاسي فتحي المجبري، الذي أصدر، الثلاثاء، بياناً، طالب فيه بفتح حوار برعاية دولية من منطلق قرار حفتر الأخير”.
والثلاثاء، أصدر المجبري، بياناً، قال فيه إنه “يتفهم قرار قيادة الجيش بشأن تسليم الموانئ النفطية” للمؤسسة الموازية، قبل أن تختطفه مجموعة مسلحة مجهولة في طرابلس، وبعد ساعات أطلقت سراحه.