في جلسة حاشدة بمقر بلدية العاصمة التونسية، أطاحت مرشحة حركة “النهضة”، سعاد عبدالرحيم، بمنافسها مرشح حزب “نداء تونس”، لتفوز بمنصب رئيس لبلدية المدينة، في سابقة تُعتبر الأولى من نوعها بالبلاد.
وإثر انسحاب ممثلي التيار الديمقراطي (وسط يسار)، والجبهة الشعبية (ائتلاف يساري)، في الدور الثاني لانتخاب رئيس البلدية، حصلت عبدالرحيم على 26 صوتاً، مقابل 22 صوتاً لمنافسها، لتدخل التاريخ أوّل امرأة تونسية تترأس بلدية العاصمة، أو أوّل “شيخة” للمدينة، كما يُصطلح على تسمية المنصب بالبلاد.
https://www.youtube.com/watch?time_continue=2&v=KgKZA4gSuio
وقالت سعاد عبدالرحيم: “اليوم تم انتخاب أول امرأة رئيسة بلدية” للعاصمة، وأضافت: “هذا الفوز أهديه لكل التونسيين والمرأة التونسية (…) أهديه لنساء بلادي والشباب التونسي”.
طالبة مستقلة معارضة لبورقيبة
ومَنحت أول انتخابات بلدية ديمقراطية تشهدها بلدية المدينة منذ تأسيسها عام 1858، تأشيرة أعلى مناصبها لسيدة لم تخُض عالمَ السياسة إبان الثورة التونسية (2011) كما يتبادر إلى ذهن البعض، وإنما تدرَّجت في هذا العالم المتشعّب منذ مرحلة مبكرة من دراستها الجامعية.
سعاد عبدالرحيم (54 عاماً)، هي خريجة كلية الصيدلة بمدينة المنستير شرقي تونس، نفت في حوار سابق مع الأناضول ما يُروَّج من أخبار، حول أنها لم تولد في العاصمة تونس. وقالت: “أنا وُلدت في العاصمة تونس، وكذلك والداي، أما جدي فهو من مدينة المطوية (محافظة قابس/ جنوباً)”. هي اليوم أُمٌّ لولد وبنت، وتدير شركة للأدوية بالعاصمة.
لم تدخل عبدالرحيم السياسة عقب ثورة 2011، التي أطاحت بنظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي (1987-2011)، بل عُرفت طالبة مستقلة معارضة لسياسات الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة (1957-1987)، في أواخر عهده.
وفي عام 1985، أسهمت في تأسيس الاتحاد العام التونسي للطلبة، (أسسه إسلاميون ومستقلون)، رغم رفض السلطات في ذلك الوقت، وكانت عضوة في مكتبه التنفيذي الأول والثاني.
كلَّفها نضالُها الطلابي متابعات وملاحقات من قبل الأمن التونسي
وهي المضايقات التي شملت أسرتها أيضاً، ما أجبرها على التوجّه نحو العمل الخيري طوال حقبة بن علي.
وإبان الثورة، أسهمت مع زملائها السابقين في اتحاد الطلبة، في تأسيس “رابطة قدماء الاتحاد العام التونسي للطلبة”، قبل أن تترشح على رأس قائمة حركة “النهضة” (إسلامية) بتونس العاصمة، في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، المقامة في أكتوبر/تشرين الأول 2011، (برلمان مؤقت لصياغة دستور جديد لتونس)، وتفوز بالمركز الأول.
[image_with_caption src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/07/2018-07-03T131537Z_595583754_RC161EF932B0_RTRMADP_3_TUNISIA-POLITICS.jpg” caption=’سعاد عبد الرحيم بعد إعلان فوزها برئاسة بلدية تونس’]
وخلال الانتخابات التشريعية، التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول 2014، لم تترشح عبدالرحيم، وفضّلت العودة إلى إدارة شركتها للأدوية في إحدى ضواحي العاصمة، بل عملت محللةً سياسيةً في برامج إخبارية على قناة “نسمة” المحلية (خاصة).
لتُعلن بعد الثورة انتماءها العضوي لحركة النهضة
ابتعدت عبدالرحيم قليلاً عن ضوضاء السياسة، قبل أن تعود إلى واجهتها، حيث خلعت صفة الناشطة السياسية المستقلة، لتعلن، العام الماضي، انتماءها العضوي لحركة النهضة، إثر التحاقها بالمكتب السياسي للحزب.
غير أن نقطة الارتكاز التي شكَّلت منعطفاً بمسارها السياسي، كانت الانتخابات البلدية، المقامة في مايو/أيار الماضي، حيث سجلت عبدالرحيم عودةً قويةً إلى الشأن العام، من خلال ترشُّحها عن حزب “النهضة” للانتخابات البلدية في مدينة تونس.
وعقب فوز قائمتها بالمرتبة الأولى بالاقتراع، إثر حصولها على 21 مقعداً من أصل 60 مخصصة لبلدية العاصمة تونس، أصرَّت على أحقيتها برئاسة بلدية العاصمة.
وفي مقابلة سابقة مع الأناضول، قالت إن “الثقة الكبيرة التي منحني إياها الناخبون تجعلني أتمسك برئاسة بلدية تونس، وحقي في ذلك”.
وتصبح أول امرأة “شيخة” للعاصمة
ولا تهتم عبدالرحيم بانتقادات معارضي حركة “النهضة”، ممن يرون في تصدرها قائمة الحركة في الانتخابات، محاولةً من الحركة المحسوبة على الإسلام السياسي لـ”تسويق صورة حداثية جديدة لها”.
وفي تصريحات إعلامية، ردَّت عبدالرحيم عن التساؤلات حول ترشيح حركة إسلامية لشخصية غير إسلامية (باعتبارها غير محجبة)، قائلة إن “الانتخابات البلدية هي جهاز تنفيذي، أي مرتبط بقانون أساسي ينظم البلديات، ولا علاقة لها بالصراع الأيديولوجي أو الصراع حول الهوية، لكي نفرِّق على أساس الانتماءات والتفكير”.
[image_with_caption src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/07/2018-07-03T132125Z_1722577486_RC18E0380020_RTRMADP_3_TUNISIA-POLITICS.jpg” caption=’سعاد عبد الرحيم في أول مؤتمر صحفي بعد الفوز ‘]
وحصلت عبدالرحيم على ثقة الناخبين وثقة أعضاء المجلس البلدي لمدينة تونس، وأعربت عن سعادتها بانتخابها لمنصب بهذه الأهمية. واعتبرت أن انتخابها يعكس “نجاح المرأة التونسية في الحياة العامة، وقدرتها على كسب ثقة الشعب والنُّخب، بفضل الكفاءة والاجتهاد”.
تنتظرها تحديات صعبة أولها “جمالية العاصمة”
غير أن مراقبين يرون أن مهمة عبدالرحيم لا تبدو سهلة، في بلد يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وباتت فيه الملاحقات الأمنية لعشرات الشباب العاطل عن العمل، ممن يمارسون تجارة غير منظمة في شوارع العاصمة، أمراً يومياً.
تحديات بالجملة وعدت عبدالرحيم خلال حملتها بتخطِّيها، وبأن يكون إحساس سكان المدينة بالتغيير في “ظرف شهر واحد”، وفق ما قالته في مقابلة سابقة مع الأناضول.
وقالت سعاد عبدالرحيم لوكالة الأنباء الفرنسية، إن “أول الملفات التي سنتناولها مع المجلس البلدي هي جمالية مدينة تونس”.
وتعاني العاصمة التونسية من مشكلة إدارة النفايات، التي تفاقمت مع الانتفاضة التي أطاحت في 2011 بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.
وعود وعزيمة وطموح؛ ثلاثية زيَّنت الخطابات الجماهيرية لـ”عبدالرحيم”، ونالت بفضلها ثقة الناخبين وأعضاء مجلس بلدية العاصمة، تطفو اليوم إلى الواجهة، لتبدأ المقاربة العملية الصعبة في عاصمة تطوقها التحديات من كل جانب.