قال البيت الأبيض إن جون بولتون، مستشار الأمن القومي، التقى الإثنين 13 أغسطس/آب ، بالسفير التركي في الولايات المتحدة لبحث مسألة احتجاز تركيا للقس الأميركي أندرو برانسون.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز: “بناء على طلب السفير التركي، التقى السفير جون بولتون بسفير تركيا سردار كيليش في البيت الأبيض. بحثا استمرار احتجاز تركيا للقس أندرو برانسون ووضع العلاقات الأميركية – التركية”.
وقال مسؤولون أميركيون إنه لم يتم تحديد موعد نهائي لإطلاق سراح برانسون، وهو ما يتناقض مع بعض التقارير الإعلامية. واتُّهم برانسون بدعم محاولة انقلاب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل عامين، وهو اتهام ينفيه.
وقال جاي سيكولو، وهو محام للرئيس الأميركي دونالد ترمب يمثل عائلة برانسون أيضاً: “حقيقة أن هناك مناقشات مستمرة بين البلدين بشأن عودة برانسون إلى الولايات المتحدة أمر إيجابي… أتطلع إلى عودة عائلة برانسون إلى الولايات المتحدة”.
وتدهورت العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، الشريكتين في حلف شمال الأطلسي، بسبب احتجاز برانسون وتعارض المصالح في سوريا. وزاد ترمب الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم التركية إلى المثلين الأسبوع الماضي، مما ساهم في انخفاض حاد في قيمة الليرة.
ولا يوجد ما يشير إلى استعداد الولايات المتحدة للتفاوض مع تركيا بشأن برانسون، في ظل قناعة ترمب حتى الآن فيما يبدو بترك ضغوطه الاقتصادية تلقي بظلالها على الاقتصاد التركي.
وتفكر الولايات المتحدة أيضاً في فرض غرامة على بنك خلق المملوك للدولة في تركيا، بزعم أنه يساعد إيران على الإفلات من العقوبات الأميركية. وفرضت واشنطن هذا الشهر عقوبات على اثنين من كبار المسؤولين في حكومة أردوغان، في محاولة لإجبار تركيا على تسليم برانسون.
وقال ترمب على تويتر، الأسبوع الماضي: “علاقتنا مع تركيا ليست جيدة في هذا التوقيت”.
وقال المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض كيفن هاسيت إن إدارة ترمب تراقب الوضع المالي في تركيا بعناية، بعد انخفاض عملتها إلى مستوى قياسي مقابل الدولار الأميركي الإثنين.
وقال هاسيت، رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض لشبكة (إم. إس. إن. بي. سي): “نراقب الوضع عن كثب. وزير الخزانة (ستيفن) منوتشين يراقبه عن كثب”.
ترمب وأصدقاء أميركا
وأثار الرئيس الأميركي الشكوك هذا العام (2018) لدى عدد من “الصداقات” الدولية للولايات المتحدة؛ إذ هاجم ترمب الاتحاد الأوروبي واليابان، وها هو الآن يهاجم تركيا، حيث كان سبباً في أن تهوي عملتها خلال نهاية الأسبوع، من خلال فرض رسوم جمركية جديدة على البلاد، وهو ما جعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ينتقد أميركا.
ومثلما كان الحال مع الاتحاد الأوروبي، استثارت تحركات ترمب رد فعل شديد اللهجة من جانب الحكومة التركية. ولكن، يقول تقرير نشرته صحيفة The Washington Post الأميركية، إنه عكس ما حدث مع الاتحاد الأوروبي، ربما لم يكن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يخادع عندما قال إن لديه بديلاً حقيقياً للولايات المتحدة.
الغرب الأكثر استثماراً في تركيا لكنهم ليسوا الوحيدين
وكتب أردوغان في مقال رأي نُشِرَ الجمعة 10 أغسطس/آب 2018: “قبل فوات الأوان، يجب أن تتخلَّى واشنطن عن الفكرة الخاطئة بأن علاقتنا يمكن أن تكون غير متكافئة، وتقبل بحقيقة مفادها أن تركيا لديها بدائل”.
لم يكن الانقسام بين تركيا والولايات المتحدة غير مُتوقَّع كلياً، بعد أعوام من الخلاف حول سوريا، والإصلاحات الديمقراطية، والسياسات الاقتصادية. حتى هذه اللحظة، لا تزال البلاد الغربية تمثل أغلب الاستثمارات في تركيا. ولكن نظراً إلى بروز الخلاف مع أوروبا والولايات المتحدة، عملت تركيا على تعزيز شراكاتها مع بلاد أخرى خلال الأعوام الأخيرة؛ أولها وفي المقام الأول روسيا، والصين، وقطر.
ونقل الحساب الرسمي للرئاسة التركية بموقع تويتر، على لسان الرئيس أردوغان، أنه قال: “إن تركيا بلد عظيم ومهم لمحورها على أن تكون مقصورة على منطقة واحدة”. وأضاف: “ومن هذا المنطلق، نعمل على تعميق تعاوننا مع المنظمات الإقليمية مثل مجموعة بريكس، والاتحاد الإفريقي، ورابطة آسيان”.
فالعلاقات بين أنقرة وموسكو حققت تقدماً مهماً
لا يخفى على دوائر السياسة الخارجية في واشنطن تزايد العلاقات القوية التي تحظى بها تركيا مع روسيا. فطالما كان لتركيا صلات مكثفة مع الكرملين أكثر من أي من حلفاء للولايات المتحدة في المنطقة، الذين لم يقيموا معها علاقاتٍ إلا مؤخراً.
ومنذ محاولة الانقلاب الفاشلة بتركيا في يوليو/تموز 2016، كثَّف أردوغان من خطابه المناهض للولايات المتحدة والغرب؛ ليحشد مؤيديه. واتهم الزعيم التركي، مراراً وتكراراً، الولايات المتحدة بتواطؤها مع مدبري الانقلاب؛ وهي الاتهامات التي تزامنت مع تطور العلاقات مع موسكو.
[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/04/TURKEY_original-1.jpg” img_size=”normal” caption=’العلاقات بين أنقرة وموسكو حققت تطورا مهما، كما حافظت تركيا على علاقتها “الجيدة” مع إيران’]
وعلى مدى العامين الماضيين، شارك المسؤولون الأتراك أيضاً في لقاءاتٍ تجمعهم بنظرائهم الروس والإيرانيين؛ لمناقشة قضايا الأزمة السورية. وتشير الحقيقة التي تفيد بأن الولايات المتحدة لم تُدْعَ خلال المشاورات، إلى المدى الذي وصل إليه الانقسام بين البلدين العضوين بمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
في عام 2016، نقل جوش روجين، كاتب العمود بصحيفة The Washington Post، ما قاله أيكان إردمير، العضو السابق بالبرلمان التركي: “إن انحراف تركيا عن تحالفها الأطلسي وتحرُّكها في اتجاه روسيا وإيران يُصاغ منذ فترة طويلة. بالنسبة لأردوغان، أصبحت الولايات المتحدة غير ذات أهمية؛ لأن الأفعال في الشرق الأوسط تُحسب أكثر من الخطابات، ومن منظوره كانت واشنطن تتحدث أكثر مما تفعل”.
إذ إن الغضب التركي بسبب تقاعس الرئيس الأميركي عن منع إقامة دولة كردية موحدة نتج عنه تحوُّلٌ من كونه معارضاً قوياً للرئيس السوري بشار الأسد، إلى موقف قبولٍ بحكم الواقع لدعم روسيا له.
وهي العلاقة التي قد تتطور إلى “تعاون أوسع”
يمكن أن يُترجَم التعاون في قضايا الأزمة السورية قريباً إلى شراكة أوسع. بعد أن اقترحت تركيا في نهاية الأسبوع، أنها كانت تخطط للتحايل على الرسوم الجمركية الأميركية عبر التخلي عن الدولار والتبادل التجاري مع بلاد مثل الصين وروسيا عن طريق عملات أخرى، أشار الكرملين إلى اعتزامه قبول المقترح.
تكمن الإشكالية حول هذه الفكرة في أن إقامة مثل هذه الآلية لن تحدث بين عشية وضحاها. ورغم أن خلافها الحالي مع أميركا يمكن أن يجعل موسكو شريكاً أكثر جاذبية لتركيا، فإن تخليهما عن الدولار سوف يستغرق وقتاً.
ولتركيا علاقات “أعمق” مع قطر
لطالما تمتعت الدولة الخليجية الغنية، بعلاقات عميقة مع تركيا، مع تجديد الالتزام الرسمي بتوسيع نطاق علاقتهما في 2015. تتمركز بعض القوات التركية في قطر، واتفقت الدولتان على إجراء تدريبات عسكرية مشتركة. يُنظر إلى العلاقات العسكرية التركية-القطرية بحالة متنامية من الريبة من جانب بلاد أخرى في المنطقة، فقد كان إيقافها مطلباً رئيسياً من جانب ائتلاف عربي فرض حصاراً على قطر في العام الماضي (2017).
[image_with_caption src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/08/1016696105-1.jpg” caption=’لتركيا علاقات “عميقة” مع قطر برزت بشكل كبير خلال الحصار’]
غير أن الحصار المستمر حقق عكس ما كان يُرجى منه. أوقفت السعودية ودول عربية أخرى صادراتها إلى قطر، فأرسلت تركيا على الفور طائرات شحن، في تحرك ذكَّر البعض بجسر برلين الجوي بين عامي 1948 و1949، عندما أمدت الطائرات الأميركية البضائع إلى الأجزاء الغربية من المدينة بعد أن قطع السوفييت جميع طرق الإمدادات. وسَّعت قطر في المقابل استثماراتها في تركيا، ولكن نظراً إلى أن قطر تخوض معركتها الخاصة، ليس واضحاً إلى أي مدى ستتمكن الدولة الخليجية الصغيرة من مساعدة صديقتها على الخروج من الإشكالات التي تواجهها.
والصين تقدم لصالح أردوغان “بديلاً” عن الاتحاد الأوروبي
للوهلة الأولى، لا تبدو الصين شريكاً مثالياً لتركيا ذات الأغلبية المسلمة، في ظل اضطهاد بكين أقلية الإيغور المسلمة. لكن الصين تعِد تركيا بالشيء الذي طالما سعت إلى الوصول إليه مع الغرب.
لم يطرأ قَط أي تقدُّم على جهود تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن الصين أشارت إلى أن تركيا قد تكون قادرة في النهاية على الانضمام إلى بديلها الخاص عن الاتحاد الأوروبي، وهي منظمة شنغهاي للتعاون.
[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/08/2018-07-26T173859Z_927786448_RC131465E360_RTRMADP_3_SAFRICA-BRICS.jpg” img_size=”normal” caption=’الصين قدمت فرصا مهمة لتركيا’]
وأعلنت تركيا والصين، في الأسبوع الماضي، عن توسع العلاقات العسكرية في وقت يبدو فيه مستقبل منظمة الناتو غير مؤكَّد أكثر من أي وقت مضى.
وتتوق بكين إلى سد فجوة القوى العالمية التي تركتها الولايات المتحدة، ولا سيما بعد انسحاب الرئيس الأميركي من الاتفاقات التجارية، أو إثارة التساؤلات حول مستقبل الناتو. وفي جزء من جهودها لخلق نظام سياسي واقتصادي بديل بموجب مبادرتها العالمية البالغة قيمتها تريليون دولار والمسماة “الحزام والطريق”، تضاعف حجم التجارة بين تركيا والصين 27 مرة خلال الأعوام الـ15 الماضية، ليصل الآن إلى 27 مليار دولار سنوياً، حسبما أشار الزميل آدم تايلور.
وتسعى تركيا لمزيد من تقارب العلاقات مع الصين، ويبدو أن ذلك الشعور مشترك من جانب الصين أيضاً. كتب كيم بينغ، محلل الشؤون الآسيوية في صحيفة South China Morning Post، في مقال حديث له: “إذا فشلت تركيا، فستُسقِط العالم معها”.
___________
اقرأ أيضاََ