لماذا امتنع وزير دفاع ترمب عن تنفيذ أمره باغتيال بشار الأسد؟ البداية كانت مع زعيم كوبا ورئيس جنوب فيتنام، وهذا ما خشيته واشنطن

عندما كان النظام السوري يقصف بلدة خان شيخون لم يتمكن ترمب من احتمال صور الأطفال القتلى والمشرفين على الموت، الذين يرتعشون جراء التشنجات والرغوة تنساب من أفواههم. كان رجال الأسد يسقطون قذائف مليئة بغاز السارين على قرية معارضة في بلدة خان شيخون شمال سوريا، ما أسفر عن مقتل العشرات وإجبار واشنطن على التفكير مرة أخرى في استجابتها حيال ذلك.

حسب مجلة The National Interest الأميركية كانت لدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب فكرة: لماذا لا تغتال الولايات المتحدة الأسد وتُنهي ذلك الوضع؟ وفقاً لأحدث الكتب الأكثر مبيعاً للصحافي الاستقصائي الأميركي المخضرم بوب وودورد حول التفاصيل الداخلية لبيت ترمب الأبيض، اتصل الرئيس الاميركي بوزير الدفاع جيمس ماتيس واقترح أن تحل واشنطن المشكلة بالطريقة القديمة، إذ صرخ في الهاتف قائلاً: “دعنا نقتله.. هيا نمضي قدماً”.

رفض ماتيس بأدب ذلك الطلب. وما يزال بشار الأسد على قيد الحياة وبصحةٍ جيدة ويسعى للفوز بحربٍ وحشية دامت 7 سنوات وحوَّلت سوريا إلى مقبرة جماعية. لكنَّ صراخ ترمب في وزير دفاعه يطرح سؤالاً مهماً وبديهياً، ألا وهو: ما مدى سهولة أن يصدر رئيس الولايات المتحدة أمر قتل ضد زعيم سياسي أجنبي أو رئيس دولة؟

من زعيم كوبا إلى رئيس جنوب فيتنام

خلال المراحل الأولى من الحرب الباردة كانت الاغتيالات في الواقع جزءاً لا يتجزأ من الأعمال الاستخباراتية. إذ كشف تحقيق لجنة الكنيسة في منتصف السبعينيات حول أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) عدة مؤامرات اغتيال نفذتها الوكالة الأميركية ضد شخصياتٍ أجنبية رفيعة المستوى على أراضٍ أجنبية. كان الزعيم الكوبي فيدل كاسترو هو العدو رقم واحد لمجتمع المخابرات الأميركية طوال فترة الستينيات، وهي الفترة التي عملت فيها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية على إيجاد طرق مبتكرة لقتل الزعيم الثوري الكوبي أو التحريض على تمردٍ شعبي ضده. واتسمت تلك المؤامرات ببعض سمات أفلام هوليوود، إذ إنَّ أحدها انطوى على تسميم معدات كاسترو للغطس بسمٍّ بيولوجي. وتضمنت أخرى قلماً مسموماً يمكن أن يستخدمه مُنفِّذ محاولة الاغتيال (في هذه الحالة يكون مسؤول حكومي رفيع المستوى من الحكومة الكوبية) لحقن القائد الكوبي عندما تسنح الفرصة لذلك. ونظَّمت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية برنامجاً يُدعى “Operation Bounty“، يشجع المواطنين الكوبيين على قتل كبار المسؤولين في الحزب الشيوعي الكوبي مقابل مبالغ مالية ضخمة.

في حالاتٍ أخرى، لم تكن الولايات المتحدة مرتبطةً مباشرةً بمؤامرة الاغتيال، لكنَّها كانت تعلم بوجود مؤامرة. وعلى الرغم من أنَّ عملية اغتيال رئيس جنوب فيتنام القوي نغو دينه ديم في نوفمبر 1963 دبَّرها جنرالات جنوب فيتنام، ساعدت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي في ذلك بشكلٍ أساسي، وحرضت على تغيير السلطة من خلال التزام الصمت وعدم تحذير ديم. كانت إدارة كينيدي قد سئمت من سلوكيات ديم الغريبة، وكانت تبحث بشدة عن بديلٍ يحقق الاستقرار في المشهد السياسي الفيتنامي، وأوضحت لمخططي الانقلاب أنَّ الولايات المتحدة لن تقف إلى جانبهم فحسب، بل سترحب بتغيير القيادة إذا أدى ذلك إلى فيتنام جنوبية أكثر استقراراً.

توقفت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بشكلٍ مفاجئ عن تدبير عمليات الاغتيال بعد صدور تقرير لجنة الكنيسة. وأصدر الرئيس الأميركي الأسبق جيرالد فورد حظراً على عمليات القتل هذه في أمرٍ تنفيذي صدر في فبراير/شباط 1976، وهو قرار أُعيد تأكيده من جانب الرئيس رونالد ريغان بعد سنواتٍ في أمرٍ تنفيذي منفصل. يستمر حظر عمليات الاغتيال حتى يومنا هذا، حيثُ ينص قرار ريغان على أنَّه “لا يجوز لأي شخص يعمل أو يتصرف نيابةً عن حكومة الولايات المتحدة أن يشارك أو يتآمر للمشاركة في عمليات اغتيال”.

لذلك، كان اقتراح دونالد ترمب لماتيس بشأن قتل الأسد سيشكل انتهاكاً واضحاً لا لبس فيه لقرارات حظر الاغتيال، وهو عمل يتعارض مع سياسة الولايات المتحدة المُتَّبعة على مدى ما يقرب من 40 عاماً. لكن كما يشير المحامون في السلطة التنفيذية الأميركية في كثيرٍ من الأحيان، الأمر التنفيذي هو مجرد أمر تنفيذي قد يُقيد ما يمكن أن تقوم به السلطة التنفيذية لكنَّه ليس قانوناً للبلاد.

كيف بإمكان ترمب السماح باغتيال الأسد؟

إذا أراد الرئيس ترمب قتل بشار الأسد أو كيم جونغ أون أو آية الله علي خامنئي أو نيكولاس مادورو، أو أي خصم أجنبي آخر للولايات المتحدة، يستطيع من الناحية الفنية القيام بذلك ببساطة عن طريق إلغاء الأمر التنفيذي التوجيهي الخاص بعهد ريغان وإصدار أمر آخر أقل تقييداً. وإذا لم يستجب الكونغرس الأميركي بإدراج قرار حظر الاغتيال الصادر في عهد ريغان في دستور البلاد، لن يكون هناك الكثير من المقاومة -بعيداً عن الجمود البيروقراطي وبطء المداولات اللذين يوضح كتاب وودورد أنَّهما سمة من سمات هذه الإدارة- لرئيسٍ يعيد بالفعل الولايات المتحدة إلى هذه الأعمال القاتمة المثيرة للاضطرابات. كل ما سيكون مطلوباً من الرئيس ترمب هو جرّة قلم.

هذا لا يعني أن اغتيال الأسد أو خامنئي أو كيم جونغ أون سيكون سياسةً خارجية جيدة. في الواقع، سيكون كارثياً للغاية. وعلى عكس الأفلام، التي تميل إلى إضفاء طابع رومانسي على هذه المؤامرات المُجازِفة، حتى محاولة الاغتيال لها تداعيات تالية ولاحقة. لن يكون قتل كيم جونغ أون إلا بمثابة عمل حربي بتحريضٍ من الولايات المتحدة، وسيفسره الكوريون الشماليون بلا شك على هذا النحو (فقط لتذكير الجميع: كوريا الشمالية تمتلك أكثر من 60 سلاحاً نووياً جاهزاً للتشغيل).

ومن غير المرجح للغاية أيضاً أن يمنع قصف القصر الرئاسي لبشار الأسد في دمشق نظامه من الاستمرار في إخماد المعارضة، ولن تقبل موسكو بالهجوم المُتعمَّد على أهم وكيل لها في الشرق الأوسط. وعودة مثل هذه السياسة ستجعل الولايات المتحدة في وضعٍ سيئ للغاية في جميع أنحاء العالم، ما يتسبب في المزيد من الخلافات مع الأوروبيين والإدانة من الأمم المتحدة، ما يوفر لخصوم واشنطن دعايةً فعَّالة.

ومع ذلك، هذا هو دونالد ترمب الذي نتحدث عنه. في واشنطن ترمب، كل شيء ممكن حرفياً. يكشف كتاب بوب وودورد ترمب كرجلٍ لا يهتم بشكلٍ خاص بالمعايير والتقاليد. قد يستيقظ الشعب الأميركي يوماً ما ويكتشف أنَّ الولايات المتحدة تنغمس مرةً أخرى في استراتيجيات الحرب الباردة القديمة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top