في بدايتها، استخفَّ عدد من المسؤولين السياسيين ورجال الأعمال بحملة المقاطعة التي أطلقها شباب مغاربة، معتبرين أن صداها لن يتجاوز الشبكات الاجتماعية. وبعد مرور أكثر من 3 أشهر عليها، تأكدت بالأرقام آثارها الوخيمة على أرض الواقع؛ فقد تسببت في تراجع أرباح وانخفاض أرقام معاملات ثلاث من الشركات المُحتكِرة للسوق المغربية في مجالات الماء والحليب والمحروقات.
شركة “سنطرال دانون” الفرنسية، التي كانت أول من تفاعل بإيجابية بعد فترة من الاستنكار والتهجم، كانت سبّاقة كذلك لإعلان خسائرها المادية، متوقعةً انخفاض أرقام معاملاتها بنحو 50%، في حين سرحت نحو 1000 من المستخدَمين لديها، وفكَّت ارتباطاتها بمئات الفلاحين.
“هولدينغ أولماركوم”، المالكة لمياه “سيدي علي”، لم تَسلم بدورها من انخفاض رقم معاملاتها؛ إذ كَشفت معطيات حديثة منشورة على موقع “لوبوغْسيي” (المهتم بشؤون البورصة) ، انخفاض صافي دخلها بنسبة 89%، في وقت التزمت فيه شركة “إفريقيا لتوزيعالمحروقات”، أحد فروع المجموعة القابضة « أكوا غروب» لصاحبها وزير الفلاحة والصيد البحري في الحكومة الحالية عزيز أخنوش، الصَّمت المُطبق دون أن تُفصح عن خسائرها أو رقم معاملاتها.
أخنوش الصامت.. رئاسة الحكومة هي السبب!
لا شك في أن الشركات الثلاث اعتمدت على مقاربات مختلفة في تعاطيها مع المقاطعة الشعبية والخسائر التي تسببت فيها، وفق ما أكده عبد النبي أبو العرب، الأستاذ الجامعي المُتخصِّص بمجالي الاقتصاد والأعمال، مبرزاً أن الإكراه السياسي يفسر طريقة تجاوب كل شركة على حدة مع الحملة.
[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/09/IMG_20180924_111833.jpg” img_size=”large” caption=’انخفض رقم معاملات شركات الحليب بنحو 50%، وسرحت نحو 1000 من المستخدَمين’]
ويرى الأستاذ الجامعي، ضمن حديثه لـ”عربي بوست”، أن البعد السياسي حاضر بشكل واضح لدى شركة “إفريقيا غاز”، التي يطمح مالكُها، عزيز أخنوش، لرئاسة حكومة 2021، بالإضافة إلى كونه وزيراً معروفاً يقود حزباً سياسياً كبيراً.
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=10217152789714323&id=1307224877&__tn__=-R&_rdc=1&_rdr
وأبرزَ المتحدث أن الوزير الملياردير حاول تفادي المقاطعة، وألا يَظهر بمظهر المُستهدَف منها على المستوى الشخصي حتى يُنقذَ رصيده السياسي، حيث امتنعت شركته عن أي تواصل أو توضيح، ولم تصدر بياناً ولم تنشر أي معطيات عن خسائر معينة، مؤكداً أن الرصيد السياسي للرجل أهم من رصيده المالي، وأن هذه المقاطعة وإن كانت لها آثار مالية كبيرة فلن تؤثر كثيراً في ثروته.
ولفت أبو العرب إلى الرهان السياسي الكبير الذي يُعوِّل عليه أخنوش؛ وهو قيادة البلاد وترؤّس الحكومة، ما جعله يقوم بتوازنات معيّنة عبر الصبر وتحمُّل هذه الخسائر مرحلياً، في انتظار تحقيق أرباح أهم على المستوى السياسي، خاصة أن الوزير لا يمثل نفسه فقط؛ بل يمثل تياراً داخل الدولة، وفق تعبير الأستاذ بالجامعة الدولية “مونديابوليس”.
سيدة “الماء”.. هل تتهرب من الضرائب؟
ليس عزيز أخنوش وحده الذي التزم الصمت حيال المقاطعة، سيدة الأعمال القوية مريم بنصالح، المديرة العامة لشركة المياه المعدنية “أولماس” التي تسيطر على 70% من المياه المعلّبة بالسوق المغربية، تفادت الخروج بموقف أو تصريحات مباشِرة عن المقاطعة، في حين أصدرت شركتها بياناً تعلن فيه استعدادها لمراجعة الأسعار، بالتفاوض مع الحكومة لخفض الضريبة على القيمة المضافة المفروضة على المياه إلى 7% بدل 20%.
الأرقام الحديثة المتحدثة عن انخفاض صافي أرباح الشركة إلى 89%، جعلت بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، يدعو الشركة إلى إعلان إفلاسها ما دامت أرباحُها انخفضت إلى هذا الحد.
https://www.facebook.com/boycot2018/photos/a.622745224729320/713998858937289/?type=3&theater
ويرى المتحدث لـ”عربي بوست”، أنه من غير المعقول أن تستمر الشركة في عملها وقد أصابتها هذه الخسائر الفادحة، معتبراً أن الشركة اتخذت من المقاطعة ذريعة حتى لا تسدد الضرائب للدولة، على حد قوله، متابعاً: “من العار أن تستغل هذه الشركات المقاطعة للتهرب من أداء الضرائب، الذي هو واجب وطني”.
أما عبد النبي أبو العرب، الأستاذ الجامعي المُتخصِّص بمجالي الاقتصاد والأعمال، فيرى أن تمتُّع مريم بنشقرون بحضور سياسي بارز على اعتبارها الرئيسة السابقة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، المعروف بـ”الباطرونا”، منعها من اتخاذ أي قرار يمكن تفسيره سياسياً بأنه ضعف أو خضوع لضغوط الشارع.
https://www.facebook.com/Mgharbatv1/photos/a.534750430199206/691281221212792/?type=3&theater
شركة الحليب خفّضت الأثمان.. ماذا بعد؟
إن كانت الحسابات السياسية هي الدافع وراء ردود فعل مسؤولي شركتي “إفريقيا غاز” و”أولماس”، فإن لمدبِّري “سنطرال دانون” خططاً مالية صرفة، يسعون من خلالها للحد من الخسائر بسرعة والتفكير في حلول آنية ومستعجلة، وهو ما جعل الشركة تخرج باعتذار رسمي تلتها حملات تواصلية واسعة، في حين أظهرت نوعاً من التفهم والمرونة والاستماع للمستهلكين المغاربة، انتهت بتخفيض الأثمان، الذي دخل حيز التنفيذ منذ أزيد من أسبوعين.
مدة زمنية كانت كافية لاستجلاء رد فعل المغاربة تجاه المقاطعة، “عربي بوست” سأل أصحاب بقالة بمدينة سلا، حيث أكد أحمد، (49 عاماً)، أنه يبيع عبوة أو اثنتين من حليب “سنطرال” خلال اليوم الواحد، مؤكداً أن زبائنه يسألون عن ماركات الحليب الأخرى على الأخص.
https://www.facebook.com/1512635612180355/photos/a.1513239145453335/1703002763143638/?type=3&theater
عبد الحق، بدوره، قال لـ”عربي بوست”، إن إقبال مُقتني بضائعه على حليب “سنطرال” تحسن قليلاً عما كان عليه الحال خلال العطلة الصيفية، متابعاً بالقول: “لا يتم اقتناء (سنطرال) إلا عند غياب الماركات الأخرى، خصوصاً خلال فترة الصباح، حيث تُعِدُّ الأمهات الفطور لأبنائهن من أجل التوجه للمدارس”.
المقاطعة.. المغاربة ينتقمون!
ما عدا علبة أو اثنتين، ظلت الرفوف المكتظة بعبوات حليب “سنطرال” على حالها، وفق ما عاينه “عربي بوست” في إحدى الأسواق الممتازة بمدينة الرباط، في حين أكد أحد الزبائن ممن فضَّل اقتناء ماركة حليب منافِسة، أنه لا يعرف جودة الحليب المقدمة من طرف “سنطرال” ومدى صلاحيته وإن كان يخضع للمراقبة، خاصة أن الحليب مادة غذائية سريعة التلف.
[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2018/09/IMG_20180924_111912.jpg” img_size=”large” caption=’ولازالت المقاطعة مستمرة رغم تخفيض الأسعار’]
على الرغم من الاستجابة لجزء من مطالب المقاطعين، من خلال خفض الأثمان، ما زال المغاربة على شبكات التواصل الاجتماعي كما على أرض الواقع، يدعمون المقاطعة التي “تحولت إلى سلوك قارّ وثابت لدى المستهلك، الذي تكوَّن لديه موقف عدائي تجاه هذه الشركات”، وفق تعبير الخبير الاقتصادي أبو العرب، الذي يرى أن الشركات حتى لو غيَّرت من سلوكها، فمن المؤكد أن جانباً مهمّاً من المستهلكين سيستمر في الامتناع عن استهلاك هذه الماركات، خاصة أن السوق لم تتضرر من المقاطعة، في حين ظلت منتجات الحليب والماء المعلب والمحروقات متوافرة.