أوضح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال مؤتمر صحافي على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 سبتمبر/أيلول 2018، شعوره تجاه الانتقادات الموجهة إليه من الدول الأخرى بسبب قراره الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة فرض عقوبات خانقة على الجمهورية الإسلامية في نوفمبر/تشرين الثاني 2018. وقال ترمب: “لا يهم ما يفكر فيه قادة العالم. سوف تعود إيران إليّ وستبرم اتفاقاً”.
فما هو سبب هذا اليقين؟ إنَّها مجموعة غامضة، لكنها مؤثرة للغاية، وتحمل اسماً يبدو مقتبساً من أحد أفلام الحركة والإثارة التي انتشرت في ثمانينيات القرن الماضي: “مجموعة عمل إيران”، بحسب وكالة Bloomberg الأميركية.
جولات في هدوء حول العالم
لمّا كان ترمب، ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، يندفعون منتقدين بشدةٍ قادة إيران والاتحاد الأوروبي؛ بسبب محاولاتهم الإبقاء على الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترمب في شهر مايو/أيار 2018، كان حفنة من العاملين في وزارة الخارجية الأميركية وإدارات وزارة الخزانة الأميركية يخوضون في هدوءٍ جولات حول العالم، لزيارة عواصم العالم والمقرات الرئيسية للشركات؛ لإقناع الحكومات والشركات الأجنبية بتجنب الأسواق الإيرانية. وكان الخيار الذي يحملونه بسيطاً: تعاملوا تجارياً مع أميركا، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، أو اعملوا مع إيران وواجهوا العقوبات والاستبعاد من النظام المالي الأميركي.
وقال أنتوني رابا، المحامي لدى مكتب محاماة Kirkland & Ellis ويتركز عمله عاى الامتثال للعقوبات: “ما نشهده الآن هو لعبة الجبناء (الانتصار للأكثر شجاعة)”. يبدو رابا منبهراً حتى الآن بمدى فاعلية فريق بومبيو في عزل إيران. وأضاف: “بغض النظر عما قد نراه من الرئيس وخطابه، فالفريق الذي يدير هذا الملف يعلم تماماً ما الذي يفعله”.
زار أعضاء مجموعة عمل إيران أكثر من 30 دولةً حتى الآن، والتقوا كبار المسؤولين وممثلي الشركات. يصوغ الفريق تصورَ الولايات المتحدة تجاه “السلوك الخبيث” لطهران في الشرق الأوسط وحول العالم. غير أنَّ هدفهم الحقيقي يتمثَّل في تقديم توضيح تفصيلي عن مدى استعداد الولايات المتحدة لإلحاق ضرر اقتصادي -لا سيما من خلال العقوبات الثانوية- بالشركات التي تتوقع الحصول على مهلة إذا استمروا في الحفاظ على العلاقات التجارية مع إيران، بحسب الوكالة الأميركية.
تعقُّب الشركات
وحتى وقتنا هذا، أثبت هؤلاء قدرتهم على الإقناع؛ إذ إنَّ أداة تستخدمها المجموعة تسمى “تتبُّع نقل الأصول-Divestment Tracker”، وتضطلع بمهمة تعقُّب مستوى سحب الاستثمارات وتصفيتها، تضع قائمة لما يقرب من 80 شركةً، بدءاً من شركة Total وMunich Re Group، ومروراً بالخطوط الجوية الملكية الهولندية، ووصولاً إلى شركة Mazda Motor للسيارات، التي انسحبت جميعها من الأسواق الإيرانية خلال الأشهر الماضية.
والأهم من هذا لإيران، التي تحصل على 80% من إيراداتها الضريبية من مبيعات النفط، أنَّ إنتاجها من النفط قد تراجع 40% عن ذروته، التي بلغت 208 ملايين برميل يومياً في أبريل/نيسان 2018، أي في الشهر السابق لانسحاب ترمب من الاتفاق النووي.
تجاوَز ذلك التراجع حتى أكثر التنبؤات تشاؤماً. يقول بين لوكوك، الرئيس المشارك لقسم تجارة النفط بمجموعة Trafigura، وهي واحدة من كبرى الشركات التي تعمل في تجارة السلع: “سوف تتراجع صادرات إيران بمستوى أكبر مما توقعه السوق قبل شهرين فقط. عندما نضيف كل بلد نعتقد أنه سوف يستمر في الشراء، نجد صعوبة في أن نرى الصادرات تتجاوز مليون برميل يومياً”.
من هم هؤلاء الأشخاص؟
تتضمن مجموعة الشخصيات التي تتشكل منها مجموعة عمل إيران جيسون شل وهو خبير متفجرات سابق؛ وديفيد تيسلر وهو خبيرُ عقوباتٍ دمثُ الأخلاق، لم ينشر حسابه على موقع تويتر سوى تغريدتين فقط؛ وميشيل جيودا وهي متحدثة سابقة باسم نيوت غينغريتش رئيس مجلس النواب السابق، وكانت أيضاً بطلة جمباز في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس؛ ولين خودوركوفسكي، وهو وكيل إعلانات سابق في نيويورك، كانت عائلته فرّت من الاتحاد السوفييتي عندما كان طفلاً، وينسق الآن حملة بومبيو الدعائية المناهضة لإيران.
يقود هذه المجموعة برايان هوك، أحد خبراء السياسة الخارجية الذي عمل في إدارة جورج دبليو بوش وكان مستشاراً لميت رومني في حملته الرئاسية عام 2012. تمتَّع هوك بسلطات واسعة في فترة ريكس تيلرسون سلف بومبيو، فقد كان بمثابة العقل المدبر لسياسات وزير الخارجية السابق. على الرغم من أنَّ سلطته الحالية في الوزارة ليست بالاتساع نفسه الذي كانت عليه من قبل، فقد مُنح عقاراً سكنياً ثميناً، وانتقل إلى مكتب في رواق مهم داخل مبنى وزارة الخارجية يُعرف برواق Mahogany Row حيث تُصنع القرارات. ويهيمن هوك، الذي يقع مكتبه بالقرب من مكتب بومبيو، هيمنةً أساسيةً على سياسة الوزارة تجاه إيران.
ترمي جهود المجموعة إلى اختبار مقترح بأنَّ اقتصاد الولايات المتحدة والدولار نقطتا ارتكاز للنظام الاقتصادي العالمي، لدرجة أنَّ العقوبات الأميركية وحدها سوف تعزل اقتصاد إيران. ويأتي هذا على النقيض من الحكمة السائدة في عهد أوباما، والتي تشير إلى أن العقوبات على إيران كانت ناجعة؛ فقط لأنَّ الدول الأخرى شاركت في تطبيقها، ولا سيما حلفاء الولايات المتحدة بأوروبا.
يقول خوان زاراتي، رئيس شركة الاستشارات الاستراتيجية Financial Integrity Network ونائب مستشار الأمن القومي في عهد بوش: “لقد شعرت بأننا قللنا، فترة طويلة، من شأن قدرتنا على استخدام الأدوات الأميركية عندما يُنظر إليها باعتبارها دعامة لفرض عزلة مالية واقتصادية على السلوك المارق. فالحجة التي تقول إنَّ نفوذنا كان يتقلص، وإنَّ قدرتنا على الإبقاء على العقوبات كانت تتلاشى، بدا أنَّها تصورٌ غير دقيقٍ حقاً للمكان الذي نحن فيه”، بحسب الوكالة الأميركية.
ترمب تخطَّى كل الرؤساء السابقين
يتخطَّى ترمب أيَّ رئيس سابق في استخدام النفوذ المالي الأميركي ليكون سلاحاً له؛ إذ يستخدمه في المواجهات المباشرة مع حلفائه، وفي تحدي قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم التجارية مع إيران، حتى لو لوّح بتهديد العقوبات الاقتصادية الأميركية والمنع من دخول السوق الأميركي، الذي يبلغ حجمه 60 ضعف حجم الاقتصاد الإيراني. غير أنَّ المسألة محسومة بالنسبة لهوك بقدر القلق الذي كان لديه. فقد قال في جلسة إحاطة إعلامية أواخر سبتمبر/أيلول 2018: “سوف تختار شركات قليلة للغاية إيران بدلاً من الولايات المتحدة، وذلك ما هو إلا الواقع الاقتصادي”.
وتعهَّد هوك وفريقه بخفض صادرات النفط الإيراني لتصل إلى صفر، وراهنوا على أن المنتجين الآخرين، مثل السعودية والكويت، يمكنهم تعويض تراجُع إمدادات النفط والإبقاء على ثبات مستوى أسعار النفط. غير أنَّ الأسواق يعتريها القلق بالفعل. فقد بلغ سعر خام برنت القياسي إلى أعلى مستوى له منذ 4 سنوات، ليبلغ سعر البرميل في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 85 دولاراً للبرميل، بعد أن كان سعره 55 دولاراً قبل عام.
أسعار النفط تهدد ترمب نفسه
وبحسب الوكالة الأميركية، يمكن أن يُعرِّض ارتفاع أسعار النفط مجموعة عمل إيران لما يعتبره كثيرون أكبر تهديد يواجهها: وهو ترمب نفسه. نظراً إلى أنَّ انتخابات التجديد النصفي يُنتظر عقدها بعد شهر واحد فقط، فقد يكون الرئيس قلقاً من أنَّ ارتفاع أسعار النفط سوف يضر الجمهوريين خلال الانتخابات.
وندد ترمب بارتفاع الأسعار، خلال خطابه أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 25 سبتمبر/أيلول 2018، وقال: “لن نستمر في قبولها -هذه الأسعار الرهيبة- أكثر من ذلك”.
ويَكمن الخطر في اتخاذ ترمب مساراً معاكساً في قضية إيران، مثلما فعل مع كوريا الشمالية، لينتقل من موقفه العدائي إلى موقف آخر تُعقد في إطاره صفقات. يقول سكوت مودل، وهو ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية ومدير سابق بمجموعة الاستشارات Rapidan Energy Group: “يبدو ترمب للوهلة الأولى كما لو أنَّه لن يذعن أبداً، لكنه تكتيك للتفاوض، فهو في النهاية يريد إبرام اتفاق مع إيران، سيكون على ما يرام فقط إذا نجح في تجميد بعض الجوانب المتعلقة بسلوك إيران السيئ الآن، والدخول في محادثات مطوَّلة بحثاً عن صفقة أكبر، ولا سيما نظراً إلى أنَّها أفضل فرصة لديه للحفاظ على أسعار الوقود في الولايات المتحدة أقل من 3 دولارات للغالون”.
دول أخرى قد تتحدى ترمب
ما هي التهديدات الأخرى لنهج إظهار القوة؟ تشكل دول، على شاكلة الهند والصين، أكبر التحديات. فكلاهما من المستوردين الرئيسيين للنفط الإيراني. وعلى الرغم من أنَّ الصين قد تكون عازمة على رفض مساعي الولايات المتحدة، تبدو الهند أكثر ميلاً إلى التعاون. تقول ويندي شيرمان، وكيلة وزارة الخارجية الأميركية في عهد أوباما، والتي قادت فريق المفاوضات المعنيّ بالوصول إلى الاتفاق النووي الإيراني: “إنَّ تداعيات التحرك الأحادي تكون خطيرة. فلننظر إلى بلد مثل الهند، التي تنتظر عقد انتخابات قريباً. إنَّهم يريدون أن تكون لهم علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، ولا شك في ذلك. لكنهم أيضاً ليسوا في حاجة إلى مواجهة أزمة طاقة”.
بغضّ النظر عن مدى نجاح حملة مجموعة عمل إيران، لا يوجد ضمان بأنَّ إيران سوف تتنازل. تقول وزارة الخارجية إنَّ الهدف إلحاق ألم اقتصادي كبير بإيران، ما يجعلها مجبَرة على العودة إلى طاولة المفاوضات والموافقة على صفقة لا تقيّد برنامجها النووي وحسب؛ بل وتكبح جماح ما تصفه الولايات المتحدة برعاية الإرهاب، وطموحاتها المتعلقة بالصواريخ الباليستية، ونفوذها الكلي في المنطقة.
يبدو أنَّ المطالب الـ12 التي وضعها بومبيو ترقى إلى رغبةٍ في إعادة تشكيلٍ شاملٍ لإيران وإعادة توجيه لأولوياتها. ولعل ذلك يبدو مبالغةً في المَطالب؛ إذ إنَّ القادة الإيرانيين “فطِنون ودواهٍ للغاية، كما أنَّهم مفاوضون عنيدون جداً”، حسبما تقول شيرمان، مضيفةً: “هي ثقافة مقاومة”.