فشلت السعودية في تسديد أكثر من مليار دولار تدين بها مقابل شاحنات عسكرية صنعتها شركة General Dynamics Corp العملاقة في مجال الدفاع، بحسب ما قالته الشركة ومسؤولون كنديون، لتخرج إلى العلن شكوى من مشكلةٍ تعانيها الشركات الغربية بهدوء منذ سنوات: وهي أنَّ المملكة بطيئة في دفع ديونها.
وفي إشارةٍ إلى المدى الذي وصلت إليه خطورة وانتشار هذه الشكاوى بالدفع المتأخر، أثارت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الموضوع مع مسؤولين سعوديين أواخر العام الماضي، وذلك بحسب شخصٍ مطلع على المحادثات.
شركات أمريكية عملاقة تشتكي الرياض بشكل سري
وقال أشخاص مطلعون على هذه الشكاوى بحسب صحيفة The Wall Street Journal الأمريكية إنَّ قائمة الشركات الأخرى التي تشتكي بشكلٍ سري للرياض شملت الشركة الأمريكية العملاقة في مجال البناء Bechtel Group Corp، وشركة الاستشارات العالمية Boston Consulting Group INC.
وقال مسؤولون سعوديون لم يكن مصرحاً لهم بالتعليق علناً وأشخاصٌ مطلعون على هذا الأمر إنَّ الحكومة السعودية قد أخرت دفعاتٍ تقدر قيمتها بمليارات الدولارات إلى شركات غربية في محاولةٍ لاحتواء العجز في ميزانية حكومتها، في ظل انخفاض أسعار النفط ومستويات الإنفاق القياسية التي أُعلن عنها في شهر ديسمبر/كانون الأول.
وقال أحد المسؤولين السعوديين عن تأخير سداد المدفوعات إلى القطاع الخاص: “هذه استراتيجية. فالحكومة تعرف أنَّ بإمكانها الإفلات من العقاب، وهي لا تريد أن يكون رقم عجز ميزانيتها مثيراً للقلق”.
وقال وزير الاقتصاد السعودي محمد التويجري في مقابلةٍ مع صحيفة The Wall Street Journal في شهر ديسمبر/كانون الأول إنَّ الحكومة لا تبذل جهوداً لتأخير المدفوعات لأسبابٍ متعلقة بالميزانية. وقال إنَّ السلطات لديها نزاعات مع بعض الشركات بشأن قضايا مثل عدم إتمام المهام كاملةً. ولم يُسمِّ شركات بعينها.
وقال التويجري: “نحن نضغط من أجل أن ندفع للجميع في الوقت المناسب”.
وأوضح متحدث باسم وزارة المالية السعودية أنَّ الحكومة دفعت للشركات الخاصة 99٪ من المبلغ الذي كانت مدينة لها به في غضون 90 يوماً العام الماضي.
ولم يرد المسؤولون السعوديون على طلبات للتعليق حول مسائل الدفع الخاصة بشركة General Dynamics يوم الأربعاء.
وقال مسؤولون كنديون إنَّ على السعودية متأخراتٍ بقيمة 1.8 مليار دولار كندي (1.4 مليار دولار أمريكي) مقابل الشاحنات التي تصنعها شركة General Dynamics في مصنعها في لندن بأونتاريو. وتبيع الشركة هذه الشاحنات إلى كندا، التي تبيعها بدورها إلى السعودية.
وقال جايسون آيكن، المدير المالي لشركة General Dynamics، في مكالمةٍ مع المستثمرين يوم الأربعاء إنَّ التأخيرات “أثرت بشكلٍ كبير على التدفق النقدي الحر الذي توقعناه العام الماضي”.
وأضاف آيكن أنَّ الشركة كانت تتوقع استعادة المتأخرات العام الجاري، لكنَّ التأخير وتوقعات الأرباح لعام 2019، التي جاءت أقل من توقعات المحللين، أدت إلى انخفاضٍ بنسبة 3٪ في سعر أسهمها.
كندا ترفض الربط بين المدفوعات المتأخرة والخلاف بسبب حقوق المرأة
أصبحت هذه الشاحنات المدرعة نقطة خلافٍ شديد في الخصومة الدبلوماسية منذ طردت السعودية العام الماضي السفير الكندي وقطعت الروابط التجارية، بسبب انتقاد كندا لحقوق الإنسان في السعودية. وتعرض رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو لضغوطٍ لإنهاء المبيعات إلى السعودية، وتحدث عن إيجاد وسيلةٍ للخروج من العقد.
وقال مسؤول كندي إنَّ المسائل المتعلقة بالمدفوعات السعودية المتأخرة مقابل العربات المصفحة تعود إلى منتصف العِقد الجاري، بعد أن كان العَقد قد وقع في البداية عام 2014 من طرف حكومة المحافظين السابقة في أوتاوا.
وأضاف المسؤول إنَّ أي جهدٍ لربط المدفوعات المتأخرة بالخلاف الدبلوماسي الأخير بين أوتاوا والرياض بسبب التعامل مع ناشطات حقوق المرأة سوف يكون أمراً مضللاً.
مثَّلت تصريحات شركة General Dynamics يوم الأربعاء بشأن تأخر المدفوعات خروجاً نادراً لشكاواها إلى العلن، ويقول المسؤولون التنفيذيون في الشركة إنَّ تلك المشاكل شابت المبيعات إلى السعودية لسنواتٍ طويلة، وتعد المملكة أكبر مستوردٍ للأسلحة الأمريكية.
الأزمة ربما تكون بسبب القروض الدولية التي حصلت عليها السعودية
وتعود نزاعات المدفوعات السعودية إلى سنواتٍ عديدة، لكنَّها زادت العام الماضي، عندما جمعت السعودية قروضاً دولية تبلغ حوالي 20 مليار دولار للمساعدة على سد العجز في موازنتها البالغ 36 مليار دولار.
وفي شهر ديسمبر/كانون الأول، قال مسؤولون سعوديون إنَّ العجز في الميزانية لعام 2019 سوف يبلغ 35 مليار دولار.
وقال إلين والد، رئيس شركة Transversal Consulting ومؤلف كتاب Saudi Inc، وهو كتاب عن تاريخ الشركات في المملكة: “عدم الدفع في الوقت المناسب ممارسة تجارية نموذجية في منطقة الخليج. لكنَّ الحكومة السعودية تأخذ هذه الممارسة إلى حدودها القصوى”.
وقال مسؤولون سعوديون مطلعون على هذا النزاع في شهر ديسمبر/كانون الأول إنَّ شركة Bechtel، التي تعمل منذ وقت طويل في المملكة، تقود مجموعة من الشركات، بما في ذلك شركة Siemens AG، في وساطةٍ رسمية مع السلطة الحاكمة في الرياض للحصول على أموال مقابل العمل على نظام المترو الجديد الضخم للمدينة، الذي تقول إنَّ قيمته تصل إلى 2.6 مليار دولار.
وقال أشخاص مطلعون على هذا النزاع إنَّ هذه المجموعة مستعدة لقبول مليار دولار، وهو أقل من المبلغ الذي يقولون إنَّهم يستحقونه.
وقال مسؤول حكومي سعودي رداً على شكاوى Bechtel إنَّ المجموعة كانت تتقاضى أجرها في الوقت المحدد، وأحياناً في وقتٍ أسرع من المشترط في العقد. وأضاف أنَّ تجاوز التكاليف أمر شائع في المشروعات الحضرية الكبيرة، وسوف يجري التعامل معه وفقاً لعقد الحكومة مع المجموعة. وتابع المسؤول: “المدفوعات المتعلقة بهذا المشروع على وجه التحديد كانت أفضل مما قد يتوقعه المرء في مشروعات مماثلة”.
ورفض متحدث باسم شركة Bechtel التعليق.
وكانت شركة Boston Consulting، وهي واحدة من أكبر الشركات الاستشارية في العالم، قد شكت هي الأخرى إلى الحكومة السعودية من عدم حصولها على مبلغٍ لا تقل قيمته عن 125 مليون دولار مقابل العمل في كياناتٍ حكومية تشمل الديوان الملكي، وذلك بحسب وثيقة للشركة اطلعت عليها صحيفة The Wall Street Journal وأشخاصٌ مطلعون على هذا الأمر.
ولم يستجب مسؤولون سعوديون لطلبات للتعليق على الأموال المستحقة لشركة Boston Consulting. ورفضت الشركة التعليق.
