خرج والدا المرأة التي ماتت في محاولة تسميم جاسوس سابق باستخدام غاز الأعصاب الروسي “نوفيتشوك” في ويلتشاير، عن صمتهما للتعبير عن غضبهما وحزنهما لفقدان ابنتهما في حادثة دولية استثنائية، وقالا إنهما يعتقدان أنَّه من الممكن أن يكون هناك مزيد من غاز الأعصاب الذي لم يُعثر عليه بعد.
وكشف ستان وكارولين ستورغيس، في أثناء حديثهما بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لواقعة التسميم، عن مخاوفهما من اختيار السلطات البريطانية تسكين الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال في مدينة سالزبوري، وهو ما عرَّض السكان للخطر.
وقال الزوجان لصحيفة The Guardian البريطانية، إنَّ لديهما كثيراً من الأسئلة التي لم يجب عنها، ودعوا الحكومة البريطانية إلى مزيد من التوضيح بشأن ذلك التسميم. وتحدثا أيضاً بحرقة عن شعورهما بالظلم بعد أن صُوِّرت دون، الأم لـ3 أطفال وسليلة عائلة محترمة للغاية، بطريقة غير عادلة، على أنها مشردة تتعاطى المخدرات.

وتحمل عائلة ستورغيس مشاعر معقدة تجاه سكريبال وابنته، يوليا، التي انهارت بعد أن جرى تسميمها بغاز نوفيتشوك، في سالزبوري، وهي مختبئة الآن. وقال ستان، البنّاء المتقاعد: “لا أعرف مكان سكريبال، ولا أعرف ما الذي سوف أفعله إذا قابلته. فهو ما يزال لديه ابنته”.
وقالت كارولين: “من المؤسف أن انتهى بهما الحال في غيبوبة، لكنهما ليسا الضحايا الحقيقيين. لقد أقدم [سكريبال] على مخاطرات، ولا بد من أنه كان يعرف أنَّ ثمة احتمالاً بأن يطارده أشخاص”.
وقال الزوجان إنهما لا يكرهان روسيا، التي اتهمتها الحكومة البريطانية بتنفيذ هذا الهجوم. وقالت كارولين، الموظفة المتقاعدة: “لا أستطيع أن آخذ هذا الأمر على محمل شخصي”. وأضاف ستان: “لو كانوا قد استهدفوا (دون) على وجه الخصوص، كان الأمر سيكون مختلفاً”. وقال عن مهاجمِي سكريبال المزعومِين: “لا أبالي إذا ما كانوا قد قُبض عليهم أو وُضعوا في السجن”.
لكنه تابع قائلاً: “أريد العدالة من حكومتنا. ما الذي يُخفونه؟ لا أعتقد أنهم أعطونا جميع الحقائق. لو كنت ألوم أي شخص، فسوف ألوم الحكومة، لوضعها سكريبال في سالزبوري”.
وكان سكريبال وابنته قد انهارا في سالزبوري بالرابع من مارس/آذار 2018؛ بعد أن جرى تسميمهما بغاز نوفيتشوك في منزل سيرغي بضواحي المدينة. وفي الثلاثين من شهر يونيو/حزيران 2018، أصيبت دون (44 عاماً) وصديقها تشارلي رولي، بمنزل الأخير في أميسبوري على بُعد 11 ميلاً إلى الشمال من سالزبوري.
في البداية، ظنت الشرطة أنهما تناولا مخدرات ملوثة، لكنَّ الفحوصات أظهرت أنه قد جرى تسميمهما بغاز نوفيتشوك. نجا سكريبال وابنته ورولي، لكنَّ “دون” ماتت في الثامن من شهر يوليو/تموز 2018. وكشف رولي لاحقاً أنَّ الغاز كان في زجاجة عطر، وأنها رشت هذا السائل الزيتي على جلدها. وقال إنه وجد هذه الزجاجة وأهداها إليها.
يشعر ستان وكارولين، وكلاهما شخص راسخ الإيمان من قرية دورينغتون في ويلتشاير، بالغضب من الطريقة التي صُوِّرت بها ابنتهما في البداية. ويعتقدان أنَّ التلميح إلى أنها ورولي كانا مضطربَين وغير مسؤولَين قد ناسب الرواية التي تقول إنهما تعرضا للأذى جزئياً، بسبب نمط حياتهما. وقالت كارولين: “كانوا يحاولوا إرسال رسالة، مفادها أنَّ هذا الأمر لا يمكن أن يحصل لك، فلا تقلق، لقد حدث هذا الأمر لهما بسبب نمط حياتهما”.
ويثق الوالدان بذاكرة رولي بأنَّ الزجاجة كانت في صندوق محكم الغلق، حتى وإن كان هذا يقوض فكرة أنَّ غاز نوفيتشوك الذي لامسته “دون” كان هو الغاز نفسه المستخدم في الهجوم على سكريبال منذ أكثر من 3 أشهر مضت.
وقالت كارولين: “أظن أنَّ تشارلي كان سيتذكر ذلك الأمر. إنني أعتقد أنَّ العلبة كانت مختومة”. ولما سُئلت كارولين: كيف تعتقد أنَّ رولي تعرض لغاز نوفيتشوك؟ قالت: “أعتقد أنه عُثر عليه. أعتقد أنه كان قد وجده للتو فحسب. لو كان تشارلي قد وجده بسلة في شهر مارس/آذار، فقد كان سيعطيه إلى (دون) مباشرة”.
يعتقد والدا “دون” أنَّه من الممكن العثور على مزيد من غاز نوفيتشوك في ويلتشاير. وقالت كارولين: “هذا الأمر من الممكن أن يحدث مرة أخرى، قد يكون هناك طرد آخر في مكان ما”.
وقالت كارولين، واصفةً ابنتها: “كانت مفعمة بالنشاط وذكية وسريعة البديهة ومتفائلة للغاية. كانت تريد أن يكون الجميع سعداء، كانت تساعد الجميع. كانت قوية للغاية وشجاعة جداً”.
يقول ستان إنَّ “دون” كانت امرأة رقيقة من الهيبيز، وإنها لطالما أحبَّت زيارة أثر ستونهنغ الحرجي القريب. وكانت “دون” قد عملت جامعة زهور في كورنوال وعملت بحانة. ويقر والدا “دون” بأنها كانت تعاني مشكلات، وقالا إنَّها كانت تعاني مشكلات متعلقة بالكحول، لكنها لم تتناول المخدرات.
ويعتقد والداها أنها كانت تمر بفترة جيدة وقت وفاتها، إذ كانت سعيدة في علاقتها برولي، الذي كان على وشك الانتقال إلى شقتها. وقالت كارولين: “كانت أحوال (دون) في تحسن حقيقي بعد فترة عصيبة”.
وعندما انهارت “دون”، اتصل رولي بكارولين في حالة فزع، لكنها لم تسمع عنهما أكثر من ذلك في ذلك اليوم، واعتقدت أنَّ “دون” لا بد أنها أصبحت على ما يرام. وفي اليوم التالي، اتصل بهما فريق العناية المركزة في مستشفى مقاطعة سالزبوري.

وتعيَّن على عائلة “دون” ارتداء قفازات عند زيارتها، في حين كان الأطباء والعلماء يعملون لفهم سبب مرضها هي ورولي. كانت “دون” غائبة عن الوعي وموضوعة على جهاز يُبقيها على قيد الحياة. كانا قادرَين على لمسها، لكن قيل لهما ألا يلمسا جلدهما بأصابعهما بعد أن يلامسوها. وقالت كارولين: “عند نقطة ما، كنت أُمسّد شعرها وبدأت في البكاء. أردت كفكفة دموعي، لكنَّ الأخصائي قال لي: لا تلمسي وجهك”.
وبعد 3 أيام من انهيار “دون” ورولي، أظهرت الفحوص الأولية أنهما ربما يكونان قد تعرضا لغاز أعصاب. وروى طبيب مختص هذه الأخبار للأسرة، ونصحتهم الشرطة بمغادرة منزلهما، لأنَّ وسائل الإعلام سوف تحاصره.
تجمعت الأسرة في موقف للسيارات بالقرب من سالزبوري، وفرا إلى فندق على بعد 40 ميلاً. وشعرا بالعزلة، والارتباك وغياب الدعم، وأنهما بعيدان للغاية عن سرير مستشفى “دون”.
وقالت كارولين: “كان أمراً شديد الغرابة. لم نكن نعرف إلى أين نذهب أو ماذا نفعل!”. عادا إلى سرير “دون”. وقال لهما الأطباء إنَّ ابنتهما عندما انهارت، حُرمت من الأكسجين 25 دقيقة، كما عانت لاحقاً نزفاً في المخ.
وأضافت: “لا يمكنني إخراج صورتها على الأجهزة من رأسي. أستمر في تخيُّل نفسي وأنا أمسّد شعرها، وأنا أفكر في أنها ستموت”. وكانت آخر كلماتها لـ “دون”: “ينبغي لك أن تفعل ما يتعين عليك فعله”. وقال ستان إنه يحب أن يعتقد أنها، في واقع الأمر، لم تمُت بمستشفى، وإنما في شقة رولي مع الرجل الذي كانت تحبه.
فور إيقاف الأجهزة التي تُبقيها على قيد الحياة، علمت العائلة أنه قد يكون من الضروري إحراق جثة “دون” في منشأة بورتون داون الحكومية. كانوا يشعرون بالامتنان، لأنهم تمكنوا بالنهاية من تنظيم جنازة مؤثرة في محرقة الجثث بسالزبوري، وحجزوا مقعداً في المقدمة لرولي، الذي خرج من المستشفى.
قالت كارولين: “أقمناها من أجل (دون) بالتأكيد، كان هذا ما كانت سترغب فيه”. إنهم لا يلومون رولي على موت “دون”. وقالت كارولين: “لقد أحبَّته (دون)، وهو عشقها. وكان تشارلي لطيفاً معها”. وقد ساعدتهم مؤسسة خيرية في تغطية تكاليف الجنازة. قالت كارولين: “لا أعتقد أنه كان علينا الاعتماد على المنظمات الخيرية لدفن ابنتنا”.
كان من الصعب على العائلة أن تحزن كما أرادت. قال ستان: “كان من الصعب أن نحزن حقاً، كان الأمر علمياً بالكامل. كان العلماء والشرطة والطبيب الشرعي يؤدون وظائفهم، وكانت البلاد في حالة فوضى”.
وقد انتاب والدي “دون” شعور غريب بالارتياح عندما أصبح من الواضح أنها قد تسممت بفعل مادة تؤثر في الأعصاب وليس بسبب العقاقير المخدرة أو الشراب الملوث. قال ستان: “لقد جعلتنا الصحافة نمر بوقت عصيب. عندما علمنا أن سبب موتها كان غاز نوفيتشوك شعرنا بالارتياح، لتأكُّدنا من أنه لم يكن خطأها”.
شعرت كارولين بارتياح غامر إزاء حقيقة أنه لم يُعثر على أي آثار لمواد مخدرة في دماء ابنتها، ولا مرض بالكبد أو الأعضاء الأخرى. وقالت: “عندما قالوا إن وفاتها كانت نتيجة غاز نوفيتشوك فقط، شعرنا بارتياح بالغ.. كانت بريئة. لم يكن أسلوب حياتها هو الذي قتلها”.

وشعر والدا “دون” بالراحة أيضاً إزاء حقيقة أن الأطفال لم يعثروا على زجاجة العطر. قالت كارولين: “ماذا لو التقطه تلاميذ المدرسة ورشوا به بعضهم بعضاً؟ كان يمكن أن يحدث ما هو أسوأ. أشعر بالامتنان، لأن (دون) ضحَّت بحياتها لإنقاذ كثير من الأرواح الأخرى. إنني أشعر بالأسي، لأننا فقدنا ابنتنا. ولكنني أشعر بالارتياح، لأن الأطفال لم يصابوا بأذى”.
وهما يشعران بامتنان بالغ أيضاً تجاه موظفي المستشفى الذين اعتنوا بـ “دون”، وإزاء قرية درينغتون التي دعمهم أهلها دعماً قوياً.
وتحتفظ عائلة ستوغس برماد ابنتها “دون” بالمنزل في مزار بجانب لعبتها المفضلة وهي طفلة -دمية على شكل وحيد القرن- ورسمة بالقلم الرصاص لوجه أحد أقاربها. إنهم يحبون فكرة أن “دون” كانت تشعر بأنها أفضل منهم. قالت كارولين: “أخبرت أخواتها بأنها سوف ترحل بكثير من الصخب. وقد كان”.
تذكر ستان كيف أُصيبت “دون” في حادث تصادم سيارة منذ 5 سنوات. قال: “كنت حاضراً. قلت لها: (ماذا تريدينني أن أفعل؟)، قالت: (خذني إلى المنزل). لذا حملتها وأخذتها إلى المنزل. ولكنني لم أستطع أن أفعل هذه المرة، لم أستطع مساعدتها”.