لم تهربا من ضرب والدهما فقط بل غيّرتا عقيدتهما أيضاً.. الرحلة الكاملة لهروب سعوديتين للصين

خاصم النوم جفون ريم وروان في ليلة الهروب.

كان هذا في سبتمبر/أيلول 2018، يوم هروب سعوديتين لهونغ كونغ حيث كانت الأختان في إجازة عائلية في كولومبو بسريلانكا.

ولأسابيع ساعدتا والدتهما في تنظيم الرحلة، وتصنّعتا الفرحة بإمكانية قضاء أسبوعين بعيداً عن الرياض، وفي قرارة نفسيهما كانتا تعرفان أنّه في حال نجاح الخطة المرسومة، فإنهما لن تعودا ثانية إليها.

لم يكن الفشل خياراً مطروحاً، فكل خطوة مرسومة للهرب كانت تحمل خطر التعرض لعقوبة جسيمة أو ربما الموت.

تقول ريم: “عرفنا في أول محاولة أنها إن لم تكن ممتازة فإنها ستكون الأخيرة”.

وقالت الأختان إنّ سنوات من التعرض للعنف البدني في المنزل قد اقنعتهما بألا مستقبل لهما في مجتمع يضع النساء تحت ولاية الرجال، ويحد من طموحاتهن.

حياتنا كانت “استعباداً”

تقول روان: “هذا استعباد، لأن كل ما تفعله المرأة أصبح يتوقف على الرجل، أياً ما كان”.

ولهذا السبب ارتدَّتا عن الإسلام.

ولهذا السبب سرقتا جوازي السفر الخاصين بهما وهما في سن 18 و20 وخبّأتا عباءتيهما تحت السرير، وهربتا من منزل الإجازة من كولومبا إلى ميلبورن بأستراليا عبر هونغ كونغ.

كان من المتوقع أن تستغرق محطة هونغ كونغ أقل من ساعتين، غير أن الساعتين تحولتا إلى خمسة أشهر.

لماذا الهرب

[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2019/02/Screen-Shot-2019-02-23-at-15.35.40.png” img_size=”normal” caption=’صورتهما بعد خلع النقاب والارتداد عن الإسلام’]

“الفتيات المهذبات” يفعلن ما يطلب منهن، ولا يجادلن أو يخاطرن بإحراج عائلاتهن. تقول ريم وروان إنهما أصبحتا تتقنان دور الفتيات المهذبات.

تقول روان البالغة من العمر 18 عاماً: “في منزلنا كنا دائماً الفتيات المهذبات اللاتي كان الجميع يرغب في رؤيتهنّ، لذا إذا طُلب منا أن ننظف المنزل كنا نفعل، إذا طُلب منا الطهي كنا نطهو”.

وتضيف أختها ريم البالغة من العمر 20 عاماً: “في آخر سنتين أصبح الوضع لا يُطاق، لأنني نسيت مَن أكون حقاً”.

كانتا تذهبان إلى المدرسة، وتذاكران بجِدٍّ وتتجنّبان المواجهة.

بطبيعة الحال لم تكن القواعد نفسها تحكم حياة إخوتهما الذكور. وتقول الأختان إنّ إخوتهما الذكور كان يُطلب منهم أن يضربوهما، ويُغرس فيهم أنهم إذا فعلوا ذلك فسيكونون رجالاً أفضل.

تجد ريم وروان غضاضة في الحديث عن الإساءة التي تعرضتا لها على يد أسرتهما. وتقولان إن هذه الإساءة لم تكن مستمرة، بل كانت تقع بما يكفي لتذكرهما بالقواعد، وبما يكفي أيضاً لتملأهما بالرعب مما يمكن أن يحدث إذا اكتشف شخصٌ ما خطتيهما، أو الأسوأ إذا ضُبطتا متلبّستين أثناء تنفيذها.

الهروب

تقول ريم وروان إنهما كانتا تخططان للهروب سراً لمدة عامين. لم تجرؤا على مناقشة الأمر، خوفاً من أن يسترق أحدٌ السمع إلى ما تقولانه؛ لذا لجأتا إلى تبادل رسائل على تطبيق WhatsApp، حتى حين كانتا وحيدتين في غرفتهما ليلاً.

وقبل الفرار كانت إجازة سريلانكا كغيرها من الإجازات

ارتديتا نقابهما إلى الشاطئ، جلستا بعيداً عن إخوتهما الذين كانوا يسبحون ويمزحون. كانتا تطهوان الطعام، وقضيتا معظم الأيام داخل المنزل، كان الجو رطباً، لذا التصق النقاب بوجهيهما لتصبح الرؤية صعبة.

وتقول روان: “نسافر لننتقل من صندوق مغلق إلى آخر، ومن منزل إلى فندق، لا شيء يتغير. سيخرجون ويعيشون بحرية، أعني الرجال، أما نحن فسنجلس بعيداً لنشاهدهم وهم يفعلون ما يحلو لهم”.

كانت أختهما التي تبلغ من العمر 5 سنوات تلعب في رمل الشاطئ، أما أختهما التي بلغت من العمر 12 عاماً فلم يكن مسموحاً لها هي الأخرى باللعب، كانت تتعلم هي الأخرى أنّه من المسموح لها أن تعيش كفتاة في السعودية، حتى تكبر.

بلغت روان أثناء الرحلة سن الثامنة عشرة، ولم يكن هذا من قبيل المصادفة؛ إذ خططت الأختان للرحلة بحيث تصادف عيد ميلادها الثامن عشر، حيث يُسمح لها، دون علمٍ من أمها، أن تقدم للحصول على تأشيرة سياحة أسترالية.

في الليلة الأخيرة من الرحلة

[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2019/02/Screen-Shot-2019-02-23-at-15.34.51.png” img_size=”normal” caption=’إحدى الأختان/ سوشال ميديا’]

انطلقت الفتاتان لتنفيذ الخطة، حجزت ريم سيارة تاكسي مسبقاً، أما روان فكانت مهمتها استعادة جوازي السفر من حقيبة في غرفة الوالدين. وبحلول الثانية صباحاً تسللت على أطراف أصابعها والوالدان نائمان، وأخذت الحقيبة التي يوجد فيها جوازا السفر، وأعادتها ثانية حتى لا تثير الشكوك.

وتقول روان لشبكة CNN وهي تبتسم: “إنها حقاً ذكرى عظيمة، كان أمراً مثيراً”.

وتعد روان متكلمة أكثر من أختها، إذ قادت زمام الحديث، وكانت تنظر إلى أختها من آن لآخر للنصح حول استخدام الكلمات المناسبة باللغة الإنجليزية.

أما روان فهي متحفظة بقدر أكبر، وهي حريصة حول ما تقوله، ومَن تثق به. وهما الاثنتان لهما شعرٌ داكن قصير مجعد، ولهما جسدٌ نحيل يمنحهما مظهراً أصغر من عمرهما بكثير.

حين وصلت سيارة التاكسي في الخامسة صباحاً فعلت الأختان شيئاً لم تفعلانه من قبل، لقد ارتديتا سروالين من الجينز، كانتا قد اشترتاهما سراً وخرجتا من المنزل دون العباءة.

ولم تحجز الأختان الرحلة التي بحثتا عنها سراً على شبكة الإنترنت إلا حين وصلتا إلى مطار كولمبو؛ رحلة الخطوط الجوية السريلانكية UL892، التي تغادر كولومبو في التاسعة صباحاً وتصل إلى هونغ كونغ في 5:10 مساءً. ومن هناك كان من المقرر أن تستقلّا رحلة CX135 التي تغادر هونغ كونغ في 7:10 مساءً، لتصل إلى ميلبورن في أستراليا.

لم تجدا أي مشكلة في ركوب الطائرة لستّ ساعات حتى الوصول إلى هونغ كونغ.

بدأت الأمور تسير على غير ما يُرام بعد وصولهما إلى مطار هونغ كونغ الدولي.

التقطت الأخت الصغرى صورة سيلفي في غرفة بأحد الفنادق. وتقول الفتاتان إنهما كانتا تشعران أنهما “شبحان” وهما ترتديان العباءة الطويلة السوداء، كما لو كانتا غير موجودتين، أو غير مرئيتين.

الوصول إلى هونغ كونغ

[image_with_overlap src=”https://stage.arabicpost.net/wp-content/uploads/2019/02/iStock-471046404.jpg” img_size=”normal” caption=’مطار هونغ كونغ’]

ربما كانت الفتاتان ستتوقعان ما حدث في منطقة الترانزيت إذا كانتا على علم بما يتمتع به عمهما من صلات مع وزارة الداخلية السعودية، أو إذا كانتا قد أدركتا سطوة المسؤولين السعوديين على موظفي المطار المحليين.

بمجرد نزول الفتاتين من الطائرة، اقترب منهما رجلان، وسألاهما عمَّا إذا كانتا ذاهبتين إلى أستراليا.

وتقول الفتاتان إن الرجلين طلبا رؤية جوازي السفر وبطاقات الصعود إلى الطائرة، وقالا في البدء إنهما ربما يفوتان الرحلة، ثم ذكرا احتمالية وجود خطأ ما في تأشيرتيهما الأسترالية.

وفي خطاب إلى محامي الأختين، قالت الخطوط الجوية السريلانكية إن الرجلين هما نعيم خان، مدير محطة لدى الشركة، ونعمان شاه، أحد موظفي شركة Jardine Aviation Services لخدمات مناولة الحقائب.

وتقول كاثي باسيفيك إن رحلة الأختين قد أُلغيت من جانب ممثلين عن الخطوط الجوية السريلانكية.

أمهما على فراش الموت

وتقول الشركة إن مسؤولي القنصلية أخبروا الموظفين بأن والد الفتاتين قد اتصل بالقنصلية، وطلب إعادة الأختين إلى السعودية “بأقصى سرعة ممكنة”، لأن أمهما على فراش الموت.

أما الفتاتان فكانتا تعرفان أن أمهما ليست مريضة، وكانتا متأكدتين تماماً من أن تأشيرتيهما لا غبار عليهما.

ويقول محامي الفتاتين “نرى أنهما خضعتا لمحاولة اختطاف في مطار دولي في منطقة محددة. وقد كانت القنصلية السعودية تحاول خداعهما فعلاً”.

وتقول الخطوط الجوية السريلانكية إن الأختين لم تشيرا أبداً إلى وجود مشكلة، وهو أمرٌ يخالف رواية الفتاتين.

مِن الحمّام هربتا مرة أخرى!

طلبتا الإذن للدخول إلى الحمام، وهناك اتخذتا قراراً بالهرب. وبعد الخروج من الحمام -تقول الفتاتان- رأتا أحد جوازي السفر على الطاولة، وحاولت روان الإمساك به.

وحينها ضربها أحد الرجال على الفور على يدها، مما دفعهما إلى الصراخ: “أنت تخطفنا”.

وتقول الفتاتان إنهما تسببتا في ضجة داخل المطار، لدرجة أن القنصل اقترح أن ينتقلوا جميعاً إلى مكان أكثر هدوءاً، وهناك قدم لهما جوازي السفر مع بطاقات صعود جديدة إلى دبي.

ركضت الفتاتان.

في البدء لجأتا إلى مكتب شركة كاثي، حيث أخبرهما الموظف أن رحلتهما قد ألغيت، ثم إلى مكتب كانتاس، حيث حجزتا سريعاً الرحلة التالية إلى أستراليا، QF30، التي كانت ستغادر في السابعة مساءً.

وما لبثت الفتاتان أن حصلتا على بطاقتي المرور، حتى حاول موظف المناولة اتنزاعهما منهما، حسب قولهما.

شاركت الفتاتان صور سيلفي التقطتاها قبل الهروب، كانتا ترتديان النقاب خارج المنزل منذ أن كانتا في الـ11.

وللمرة الثانية خلال ساعتين، تقول الأختان إن مسؤولين سعوديين بارزين منعوهما من الرحيل. وتقول الأختان إن نائب القنصل أخبر موظفي كانتاس أنهما قد سرقتا مالاً وتحاولان الهروب به، وأنهما ليستا سائحتين.

وجرى الاتصال بموظفين من مكتب الهجرة الأسترالي، وبعد محادثة مع الفتاتين ألغت كانبرا تأشيرتيهما.

ويقول فيدلر: “حدثت المشاكل في التأشيرة حين قدَّم نائب القنصل ادعاءات كاذبة للسلطات الأسترالية على بوابة الصعود الخاصة بكانتاس”.

ورفض ممثل وزارة الشؤون الداخلية الأسترالية التعليق على حالات فردية. كما رفضت كانتاس أيضاً التعليق، غير أن متحدثة رسمية لها أشارت إلى أن الشركة لا تجري تقييمات للتأشيرات.

وقالت الأختان إنهما قضيتا ثلاث ساعات في المطار قبل أن تطلبا من موظفي كاثي باسيفيك الإذن بالمغادرة. دونت الفتاتان اسميهما وعنواناً مزيفاً للتواصل داخل هونغ كونغ، ثم ركبتا القطار إلى المدينة.

بلاغ من الأب والعم لشرطة هونغ كونغ عن الفتاتين

https://www.facebook.com/Arabicpost/videos/2189761634674252/

وبعد فترة وجيزة من وصول الفتاتين إلى هونغ كونغ وصل أبوهما وعمهما إلى المدينة للعثور عليهما. وأكدت شرطة هونغ كونغ أنَّ الأب والعم قد قدما بلاغاً باختفاء الفتاتين.

تمكنت الشرطة من تحديد مكان الفتاتين باستخدام نظام تتبع جوازات السفر، مرتبط بنظام تسجيل الدخول في الفنادق، وذلك في يوم الإثنين 10 سبتمبر/أيلول، واصطحبت الشرطة الفتاتين لاستجوابهما.

وتقول الفتاتان إنهما احتجزتا في غرفة في مقر شرطة وان تشاي الشهير، لمدة 6 ساعات، حيث رفضتا مراراً وتكراراً طلبات من الأب والعم لرؤيتهما.

وانتهى الأمر بأن اصطحبتهما الشرطة إلى الفندق مرة أخرى بحلول منتصف الليل، حيث حزمتا أمتعتهما على عجل ولاذتا بالفرار.

وفي الأشهر الخمسة التي تلت ذلك انتقلتا من ملجأ إلى آخر، ومن فندق إلى آخر، هرباً من العثور عليهما وإجبارهما على العودة إلى الرياض.

غير أن الفتاتين لم تطلبا حقَّ اللجوء في هونغ كونغ، إذ لو فعلتا ذلك فسينتهي بهما الأمر ضمن طابور طويل من طالبي اللجوء الذي سقطوا في براثن منظومة الفحص الموحدة التي وضعتها هونغ كونغ للتعامل مع طلبات اللجوء. ويذكر أن مفوضية الأمم المتحدة للاجئين لا تعمل على تقييم طلبات اللجوء في هونغ كونغ.

وتسعى ريم وروان عبر محاميهما إلى الحصول على تأشيرة في بلد آمن. ويقول فيدلر إن خياراتهما معدودة. فقد أُلغي جوازا سفرهما السعوديان، وليس لديهما إذن رسمي للبقاء في هونغ كونغ.

الحياة في السعودية

تقول الأختان إنهما كانت تتعرضان للضرب على يد والدهما وإخوتهما الذكور “بسبب ومن دون سبب”.

وتقول ريم إنها حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها، بدأ أخوها في ضربها لأنها كانت تتحدث مع روان وتضحك. “وحجته في ذلك كانت أن الناس سيسمعون صوتها، بما سيجلب لها العار”.

كانت الأختان تعرفان أن احتمالية ترتيب زيجة تقليدية لهما عالية. ودار الحديث عن تزويج روان من ابن عمها الذي كان لا يزال طالباً في المرحلة الثانوية.

سبقت ريم أختها في الردة عن الإسلام، في أكتوبر/تشرين الأول 2016، وتبعتها روان في مايو/أيار 2017. لم تجرأ الفتاتان على الارتداد عن الإسلام علناً، وأعلنتا الأمر عبر أسماء مزيفة على موقع Twitter.

تختم روان بقولها: “أريد أن أدرس كما أريد، وأعمل كما أريد، وأختار اليوم الذي سأتزوّج فيه، والرجل الذي سأتزوجه، أريد حق الاختيار، حتى لو اخترت ألا أتزوج أبداً”.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top