“البرادعي والإخوان معاً من جديد”، ليس هذا حلم المعارضة المصرية، بقدر ما هو أحد المخاوف التي انتابت بعض مؤيدي الرئيس عبدالفتاح السيسي إثر تغريدات للدكتور محمد البرادعي نائب رئيس البلاد السابق أبدى فيها تعاطفه إنسانياً مع عدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين بالسجون من بينهم الرئيس الأسبق محمد مرسي.
وجاء هذا الموقف المتعاطف بعد عودة البرادعي للتغريد بشكل لافت ضد التعديلات الدستورية التي من المفترض أن تفضي إلى التمديد للرئيس السيسي في الحكم.
ودفعت هذه التطورات منابر إعلامية وسياسية لإعادة طرح اسم محمد البرادعي، نائب الرئيس المصري السابق، لإقامة تحالف جديد يمكنه مجدداً قيادة المشهد المصري على غرار ما حدث في 2011، و2013.
هذا التحالف المعارض تعززه إشادات من قيادي بارز بجماعة الإخوان بالبرادعي، ومطالبات بتجاوزالماضي، ورغبات نشطاء بأن يصير الأخير محركاً للتغيير وتمتد الأماني لأن يكون رئيساً لمصر.
وفي 2010، عاد البرادعي الذي كان قد أنهى لتوه فترة رئاسته للوكالة الدولية للطاقة الذرية، متحدثاً عن الديمقراطية والحريات، قبل أن تندلع ثورة 2011، التي كان أحد رموزها، وتطيح بنظام الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك (1981: 2011).
وشارك البرادعي، الفائز بجائزة نوبل للسلام عام 2005، في سيناريو ثانٍ له أيد فيه الإطاحة، في 3 يوليو/تموز 2013، بمحمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في مصر المنتمي للإخوان، ثم توليه منصب نائب الرئيس المؤقت، عدلي منصور (2013: 2014).
تغريدات نادرة من نوعها عن الإخوان وخارطة طريق للحل
في تغريدات نادرة من نوعها، تحدث البرادعي عن مرسي والإخوان، الذين ساهم في الإطاحة بهم، عام 2013 بعد أن كانوا شركاء رئيسين له في 2010، مدافعاً عن حقهم في الرعاية الصحية بمحبسهم، بعد خمس سنوات من الصمت عما يحدث لهم.
البرادعي، الذي يشتهر بالتغريد أكثر من ظهوره على أرض الواقع السياسي بقوة، حسب وصف وكالة الأناضول، وضع ملامح لسيناريو عودة مصر كما يرى إلى جميع المصريين دون استثناء، عبر قضايا، بينها الاصطفاف، تطبيق العدالة الانتقالية، وإحياء روح ثورة يناير/كانون الثاني 2011.
وحدد الاصطفاف الذي يريده قائلاً: “اصطفاف كل المصريين حول المبادئ والقيم الأساسية التي تمكننا من العيش معاً”.
وانتقد الأوضاع الراهنة بقوله، في 3 مارس/آذار: “أرى جهوداً مستميتة لترسيخ الانقسام (..) لكن يعلمنا التاريخ أن إرادة الشعوب دائماً تنتصر مهما طال الزمن”.
وفي اليوم ذاته، تحدث بشكل نادر عن مرسي: “إذا كان صحيحاً أن مرسي ونجله و(محمد) البلتاجي وكثيرين غيرهم قد مُنعت عنهم الزيارة (في السجون) فإننا نكون أمام وضع بشع أخلاقياً وقانونياً لا يمكن فهمه ولا يمكن أن يستمر”.
ثم دفعه حادث القطار الأليم لتذكر مرحلة يناير
وعلق على حشود متبرعين بالدم، إثر حادث قطار أودى، الشهر الماضي، بحياة 22 شخصاً في القاهرة، بقوله: “في وقت الجد نبين أجمل ما فينا، فاكرين (هل تتذكرون) أيام يناير؟ ارفع رأسك فوق أنت مصري”.
وفي 22 فبراير/شباط 2019، أعلن البرادعي مطالب واضحة له: “أطالب بكرامة إنسانية عيش، حرية، عدالة اجتماعية؛ بعدالة انتقالية لنطوي صفحة الماضي ونستشرف المستقبل؛ بتوافق على مبادئ وقيم للعيش المشترك؛ بحكم رشيد يتمثل في تداول سلطة، سيادة قانون، محاسبة، شفافية”.
ورفض تعديل الدستور وإعدامات قضية اغتيال النائب العام
وقبلها بيوم، غرد البرادعي رافضاً عقوبة الإعدام، عقب ساعات من تنفيذ حكم الإعدام بحق تسعة شباب منتمين للإخوان؛ إثر إدانتهم باغتيال النائب العام السابق، هشام بركات، وغداة مناشدات دولية بوقف إعدامهم.
وأكثر من مرة، الشهر الماضي، غرد البرادعي، رافضاً تعديل الدستور، بما يسمح بشكل أولي بمد فترة الرئاسة من 4 إلى 6 سنوات، مخاطباً الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي الذي تنتهي ولايته الثانية والأخيرة في 2022، برفض تلك الخطوة، ومطالباً قوى المعارضة ببحث المشاركة أو مقاطعة الاستفتاء.
وحذر البرادعي، في 5 فبراير/شباط الماضي، من أن “دستوراً غير توافقي عادة ما يعجل برحيل صاحبه”.
واسترجع البرادعي، في 31 يناير/كانون الثاني الماضي، خارطة طريق الإطاحة بمرسي (بعد عام واحد في الرئاسة)، مؤكداً أنه “تم الانحراف عنها”.
والبعض يطالب به رئيساً لمصر
وتتصاعد هذه الأيام، عبر منصات التواصل، دعوات تنادي بالبرادعي رئيساً، وتشيد بمواقفه الأخيرة، وتطالب بالبناء عليها لتغيير المشهد في مصر.
وصف حساب عبر تويتر Amreda “، البرادعي بأنه “ضمير الأمة”، وعدّه حساب “Mohamed SeYam”، “الأب الروحي لثورة يناير”.
وتطلع حساب “mostafathour”، إلى أن يكون “البرادعي رئيساً إن شاء الله”، وأيده حساب “Mery Elarby”، “البرادعي مازلت أتمناك رئيساً لمصر”.
وتوقع حساب “@choukri_rachid”، أن “يلعب البرادعي دوراً محورياً في توحيد الصفوف وقيادة هذه المرحلة الانتقالية”.
وقال حساب “Alaa Ali Mohammed”: “نعم يكاد أن يكون البرادعي الوحيد القادر على تحريك المياه الراكدة بعيداً عن يد السلطة، وله وزن سياسي خارجي، وصاحب فكر مستنير. منفتح على الجميع”.
بينما حذرت حسابات أخرى من بدء “تلميع للبرادعي عبر تويتر”، وتقديمه على أنه طوق النجاة لمصر.
البرادعي والإخوان علاقة متقلبة
واتسمت العلاقة بين البرادعي والإخوان بالتقلب الشديد.
إذ أن الطرفين تحالفا عندما بدأ البرادعي دعوته للإصلاح والتغيير ولعب الإخوان في حشد التوقيعات له لتشكيل الجمعية الوطنية للتغيير.
ثم خفت وتيرة هذا التحالف، وعندما اندلعت ثورة يناير/كانون الثاني 2011 بدا أن كلا الطرفين وغيرهما من أطراف المعارضة في نفس الجانب ضد نظام مبارك. ولكن بعد الثورة زادت شقة الخلاف بينهما بسبب أمور عديدة أبرزها خارطة الطريق، حيث أيد البرادعي التعديلات الدستورية التي وضعتها اللجنة التي ترأسها المستشار طارق البشري، بينما دعا البرادعي إلى رفضها.
وبعد الإعلان الدستوري المثير للجدل الذي أعلنه الرئيس الأسبق محمد مرسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، لعب البرادعي دوراً كبيراً في قيادة المعارضة للإخوان، خاصة عبر تشكيله مع عدد من المعارضين المصريين لجبهة الإنقاذ الوطني.
وبعد عزل محمد مرسي، تم تعيين البرادعي نائباً لرئيس البلاد المؤقت عدلي منصور.
فض رابعة نقطة مفصلية في تاريخ البرادعي
ولعب البرادعي دوراً في الوساط الرامية لفض اعتصام ميدان رابعة العدوية الذي نظمه أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي.
وقال الدكتور محمد البرادعي، بعد 30 يونيو/حزيران 2019 وقبل فض رابعة عندما كان نائباً لرئيس الجمهورية للعلاقات الدولية، إن السلطات المصرية لم تعرض إطلاقاً على الإخوان المسلمين الإفراج عن الرئيس المعزول محمد مرسي، مقابل فض اعتصام رابعة العدوية.
واعتبر أن مصر تجاوزت مرحلة إقناع المجتمع الدولي، وأن ما حدث في مصر ثورة شعبية وليس انقلاباً عسكرياً.
وقال البرادعي: سيتم فض اعتصام ميدان رابعة العدوية الذي نظمه أنصار مرسي احتجاجاً على عزله بالقوة إذا لم يكن هناك بديل ولكن بأقل الخسائر.
ولكن البرادعي استقال من منصبه بعد فض رابعة الذي أسفر عن مقتل أكثر من 600 شخص وفقاً للتقديرات الرسمية، وبدت لهجته بعد هذه الواقعة مختلفة تماماً.
إذ ألمح إلى أنه لم يكن راضياً عن جزء كبير مما حدث ومن ذلك اعتقال الرئيس السابق محمد مرسي.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2013، أصدر بياناً يشرح فيه ما حدث من وجهة نظره.
وقال “لقد ساهمت وغيري، بما في ذلك ممثلون لقوى عربية وأجنبية، في مساعٍ للوساطة مع مؤيدي الرئيس السابق، بمعرفة وتوافق الجميع بما في ذلك ممثلو المجلس العسكري، للتوصل إلى أُطر وتفاهمات لتجنب العنف الذي كان بدأ يتصاعد في اشتباكات بين مؤيدي الرئيس السابق وقوات الأمن والذي أدى إلى وقوع الكثير من الضحايا.
وأضاف “قد كان الهدف أثناء وجودي في المنظومة الرسمية هو التوصل إلى صيغة تضمن مشاركة “كافة أبناء الوطن وتياراته” في الحياة السياسية. حسب ما جاء في بيان 3 يوليو/تموز 2013 (الذي عزل مرسي).
وقال “لكن للأسف، وبالرغم من التوصل إلى تقدم ملموس نحو فض الاحتقان بأسلوب الحوار والذي استمر حتى يوم 13 أغسطس/آب 2013، فقد أخذت الأمور منحى آخر تماماً بعد استخدام القوة لفض الاعتصامات، وهو الأمر الذي كنت قد اعترضت عليه قطعياً في داخل مجلس الدفاع الوطني، ليس فقط لأسباب أخلاقية وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام، وما يترتب على ذلك من الانحراف بالثورة وخلق العقبات أمام تحقيقها لأهدافها.
وتحدث البرادعي آنذاك عن تهديدات مباشرة وصلته بسبب محاولاته التوصل إلى حل سلمي للأزمة السياسية.
وقال “بالطبع في ضوء ما تقدم من عنف وخداع وانحراف عن مسار الثورة، فقد كان من المستحيل علي الاستمرار في المشاركة في عمل عام يخالف كل قناعاتي ومبادئي وخاصة قدسية الحياة وإعلاء قيمة الحرية والكرامة الإنسانية، حتى وإن كان ذلك عكس التيار العام والهيستيريا السائدة في ذلك الوقت”.
وبعد ذلك بسنوات ومع استمرار تغير المشهد في مصر، اعترف البرادعي بأن جبهة الإنقاذ التي كان يقودها ولعبت دوراً كبيراً في الحشد للمظاهرات التي أطاحت بمرسي قد ضمت أعضاء تابعين أو يعملون مع الأمن.
رد فعل لافت من الإخوان على تصريحات البرادعي.. الكل أخطأ
قطب العربي، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، قال عبر تويتر إن “المواقف الإيجابية الجديدة للبرادعي تستحق التحية والتشجيع، وليس الصد والتخوين”.
وأضاف الكل أخطأ، والكل مطالب بتجاوز خلافات الماضي من أجل المستقبل الذي لن يستطيع فريق واحد بناءه منفرداً”.
وطالب بعدم عرقلة خطوات البرادعي والسعي لتوحيد صفوف المعارضة المصرية.
إعلامي مقرب من النظام يخشى تحالف الإخوان والبرادعي
مع تغريدات البرادعي المكثفة، تتصاعد تحذيرات من مقربين من النظام المصري من احتمال تحالف الإخوان والبرادعي.
وفي 3 مارس/آذار 2019، قال الإعلامي المقرب من النظام، أحمد موسى، عبر البرنامج التلفزيوني “على مسؤوليتي”، إن البرادعي يتحالف مع الإخوان في حملة ممنهجة من الخارج، رغم رأيه السابق فيهم.
وأضاف موسى أن لديه معلومات، لم يحدد مصدرها، تفيد بأن لقاءً سيجمع بين البرادعي والإخوان، خلال الفترة المقبلة.
ولكن ما احتمالات هذا التحالف ومدى قدرة البرادعي على تغيير المشهد المصري
المحلل السياسي المصري، مختار غباشي، رأى أنه “من الصعب تكرار قيادة البرادعي لمشهد 2010، أو المشاركة في مشهد مماثل لـ2013، في ظل اختلافهما بالأساس”.
وقال غباشي للأناضول إن “البرادعي ضمن كتلة سياسية ظهرت قبل ثورة يناير 2011، وقبل 30 يونيو/حزيران 2013 (احتجاجات انتهت بالإطاحة بمرسي)، وكلاهما انتهيا سياسياً بحكم أشياء كثيرة متعلقة بالظرف السياسي والاجتماعي الحالي”.
واعتبر أنه “لن يولد تأثير حالياً، إلا من خلال نزول الساحة السياسية، والاشتباك مع قضايا الجماهير”.
وتوقع غباشي، وهو نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية (غير حكومي مقره القاهرة)، أن “يبقى البرادعي ظاهرة صوتية بلا رصيد شعبي”.
مع الطرح السابق اتفق الأكاديمي المصري، سعيد صادق، بقوله إن “البرادعي ذاته يعترف بأنه محرك، ولا يبحث عن منصب كرئيس أو غيره، خاصة أنه لا يريد أن يبذل جهداً كبيراً لمعرفة المصريين وطريقة حل المشاكل”.
وتابع أن “النظام الدولي مؤيد للسيسي حالياً، والمعارضة منقسمة وضعيفة، ولن تعطي قوة للبرادعي كي يعود لتنفيذ أي سيناريو، فضلاً عن أن المصريين يقبلون بالاستقرار أكثر من الخروج في احتجاجات”.
ورغم ارتفاع الأسعار بصورة كبيرة؛ جراء تحرير سعر صرف الجنيه، في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، لم يخرج المصريون في احتجاجات لافتة، وشكرهم السيسي أكثر من مرة على تحملهم، بينما تضج منصات التواصل بانتقادات للحكومة.