السعودية والإمارات تساعدان بنزع فتيل التوتر في جنوب آسيا لحماية مصالحهما الاقتصادية

أدى هجوم وقع في الـ14 من شهر فبراير/شباط 2019 على قافلة شبه عسكرية هندية في كشمير، نفذته جماعة مسلحة مقرها باكستان، إلى تنفيذ ضربات جوية هندية انتقامية ووقوع طيار هندي في الأسر، ما يشكل أخطر نزاع عسكري في جنوب آسيا منذ أكثر من عقد. وفي أعقاب تخفيف التوترات بين الهند وباكستان امتدح مسؤولون أمريكيون وباكستانيون السعودية والإمارات على دورهما في “التخفيف من الأزمة” بين هذين الخصمين النوويين في جنوب آسيا.

حول ذلك، يقول مركز Stratfor الأمريكي، أن لولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان الكثير ليكسباه من هذا الاستخدام الذكي للنفوذ الدبلوماسي: سواء كان ذلك يساعد على تجنب صراع عسكري كارثي في الباحة الخلفية للخليج أو اكتساب “مصداقية دولية” من خلال إظهار “الحنكة” في إدارة الدولة.

ومع ذلك، فإنَّ النفوذ الرئيسي للخليج في جنوب آسيا لا يزال اقتصادياً بشكل أساسي. وثمة ثلاث عمليات من المشاركات الإقليمية محورية لفهم الطريقة التي سوف تتمكن بها دول الخليج من ممارسة نفوذ اقتصادي في جنوب آسيا على مدار السنوات القادمة وهي: ديناميات العمل، والتعاون في مجال الطاقة والاستثمارات الاستراتيجية.

المزايا التجارية للهجرة الآسيوية للخليج

الهجرة المرتبطة بالعمل من دول جنوب آسيا إلى دول الخليج هي أكثر عمليات المشاركة الإقليمية وضوحاً وأطولها أمداً. إذ استحوذ سكان جنوب آسيا على ما يقدر بـ 59.4٪ من سكان الإمارات عام 2015، وشكّل الهنود الجزء الأكبر من هذه المجموعة الديموغرافية بما نسبته 38.2٪ من النسبة الكلية. ونادراً ما تكشف الأرقام الرسمية للسكان في السعودية جنسية السكان المغتربين، ومع ذلك فإنَّ الهنود والباكستانيين والبنغال يحتلون المراكز الثلاثة الأولى بوصفهم أكبر المجموعات المقيمة في المملكة. ويشكّل سكان جنوب آسيا نسبة تتراوح بين 14.6 إلى 24.5٪ من إجمالي سكان السعودية، التي يبلغ عدد سكانها ثلاثة أضعاف سكان الإمارات تقريباً، ما يجعل أعداد سكان جنوب آسيا المقيمين في السعودية والإمارات متماثلة تقريباً.

ويشكل تحقيق التوازن بين المزايا التجارية للهجرة في مقابل المخاوف الاجتماعية الاقتصادية لمواطني الخليج تحدياً مستمراً لدول الخليج. ذلك أنَّ جهود الحكومة لتوليد فرص العمل لمواطنيها اعتمدت بشكل متزايد على سياسات تقليص عدد السكان الأجانب في كل بلد على حدة.

فعلى سبيل المثال، أدت حملة شنتها وزارة الخارجية السعودية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني عام 2017 إلى اعتقال 1.3 مليون من المغتربين وترحيل عدة آلاف من الأجانب المقيمين في المملكة. وهذه السياسات قادرة على التأثير بعمق على اقتصادات جنوب آسيا التي تعتمد اعتماداً شديداً على التحويلات المالية. ففي عام 2018، تدفق حوالي 80 مليار دولار من التحويلات المالية إلى الهند، 38.5٪ منها مصدرها الإمارات والسعودية. وعلاوة على ذلك، فإنَّ أكبر مصادر التحويلات المالية إلى باكستان بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تأتي من السعودية والإمارات.

وبالإضافة إلى هذه الضغوط الممنهجة، فإنَّ الحكومات حريصة على منع التوترات الأخيرة في جنوب أسيا من التأثير على العلاقات بين الهنود والباكستانيين في القوة العاملة في الخليج. ذلك أنَّ الاضطرابات المرتبطة بالعمل بين المغتربين تؤخذ على محمل الجد إذ تميل دول الخليج إلى حظر الاحتجاجات والإضرابات. وخلال توترات سابقة في جنوب آسيا، حذر أرباب العمل العمال المغتربين من أنَّ أي فرد يشارك في احتجاجات ذات توجه سياسي سوف يُرحَّل فوراً. ومع أنَّ الاحتجاجات التي يقودها المغتربون في الخليج اليوم نادرة، فإنها تركز بشكل أساسي على الأجور وظروف العمل وعادة ما تنفض سريعاً.

التعاون في مجال الطاقة

تنظر دول الخليج أيضاً إلى دول جنوب آسيا باعتبارها وسيلة لتعميق التعاون في مجال الطاقة بما يتجاوز تصدير النفط الخام إلى المنطقة. إذ تزود دول الخليج حوالي 42٪ من واردات الهند من النفط، والسعودية أكبر شريك تجاري للهند فيما يخص النفط الخام. ويضع هذا المستوى من التعاون التجاري كلاً من الإمارات والسعودية في موقف قوي لتزويد الهند بصادرات إضافية من النفط الخام إذا لم تجدد الولايات المتحدة الإعفاءات من العقوبات التي تسمح للهند باستيراد النفط الخام الإيراني.

ومع ذلك، فإنَّ الرئيس التنفيذي لشركة بترول أبوظبي الوطنية، سلطان بن أحمد الجابر، يعتبر الهند ميداناً “لتوسيع محفظة الاستثمارات في قطاعات التكرير والمعالجة، ولا سيما في تكرير النفط والبتروكيماويات”. وتعد شركة بترول أبوظبي الوطنية وشركة أرامكو السعودية الشريكين الاستراتيجيين الأساسيين في مصفاة تكرير ضخمة مقترحة بقيمة 44 مليار دولار في مهارشترا، الولاية الهندية الواقعة في غرب وسط الهند وعاصمتها مومباي.

ويدور الاهتمام السعودي بباكستان في مجال الطاقة حول خطط لتطوير مصفاة ومنشأة لتكرير البتروكيماويات بقيمة 10 مليارات دولار في ميناء غوادار، وهو ميناء مياه عميقة بتمويل صيني في جنوب غربي البلاد. ويقدر المسؤولون أنَّ هذا المشروع سوف يوفر على إسلام آباد قرابة 3 مليارات دولار كل عام جراء تخفيض واردات النفط الخام. وتفكر أبوظبي في إقامة منشآت لتخزين النفط في ميناء غوادار بوصفها جزءً من استثمار بقيمة مليار دولار من شركة مبادلة للاستثمار المملوكة للدولة. وعلاوة على ذلك، يدرس قسم البترول والبتروكيماويات في مبادلة استثماراً بقيمة 6 مليارات دولار يتعلق بمصفاة باك عرب (Pak Arab) المخطط لها في مدينة حوب بالقرب من كراتشي. ومن المتوقع اتخاذ قرار استثماري نهائي بحلول نهاية عام 2019.

الاستثمارات الاستراتيجية

يتضمن تدفق العمالة والسلع ورأس المال بين المنطقتين توصيل البنية التحتية بينهما، وهو مجال مهم آخر من الاستثمارات السعودية والإماراتية في جنوب آسيا. وتستكشف السعودية فرص الاستثمار المرتبطة بالصندوق الوطني للاستثمار والبنية التحتية في الهند، وهو أداة استثمارية منوطة ببناء الموانئ والطرق السريعة. وقد خصص صندوق الثروة السيادي في أبوظبي بالفعل مليار دولار لهذا الصندوق عام 2017، بوصفه أول مستثمر مؤسسي. وفي شهر فبراير/شباط، أطلقت شركة موانئ دبي العالمية مشروعاً للهايبرلوب (نظام نقل فائق السرعة) في الهند بهدف إحداث ثورة في حركة الناس والبضائع في هذا البلد البالغ عدد سكانه 1.3 مليار نسمة.

ويشكل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني بشكل أساسي هذا الاهتمام الاستثماري السعودي والإماراتي بقطاع البنية التحتية في باكستان، وهو مجموعة من مشروعات البنية التحتية تبلغ قيمتها 60 مليار دولار تمتد من الحدود الصينية إلى ميناء غوادار، ويرى المسؤولون الباكستانيون الذين يشرفون على هذا الممر دول الخليج بوصفها طرفاً ثالثاً شريكاً، ولا سيما فيما يخص مشروعات البنية التحتية التي تشتمل على مكونات صناعية ومكونات متعلقة بالطاقة.

وبالنظر إلى تصنيف مشروعات الميناء والمنطقة الاقتصادية الخاصة بوصفها أولوية عالية للممر، فإنَّ شركات مثل موانئ دبي العالمية سوف تكون في وضع جيد يمكنها من الفوز بالعقود التجارية المرتبطة بها.

في الواقع، فإنَّ الاستقبال الإيجابي لتعهدات ولي العهد السعودي الاستثمارية بقيمة 20 مليار دولار إلى باكستان و100 مليار دولار إلى الهند أثناء جولته في جنوب آسيا في شهر فبراير/شباط يشير إلى أنَّ قوة المحفظة السعودية، والخليجية بشكل عام، لا تزال قوية في المنطقة. وناقش المسؤولون الإماراتيون بالمثل استثمارات واسعة النطاق في الهند تصل إلى 75 مليار دولار على مدى السنوات المقبلة، بل حتى بنغلاديش تأمل في الحصول على 35 مليار دولار من الاستثمارات السعودية.

الدفع مقابل الاضطلاع بدور دبلوماسي كبير

وتُظهر المساعدات الاقتصادية من السعودية والإمارات إلى باكستان أنَّ بإمكان دول الخليج أن تقدم دعماً مالياً ملموساً بدلاً من الاتفاقات والتعهدات الاستثمارية الضبابية. إذ قدمت السعودية حزمة مساعدات مالية لباكستان تتكون من وديعة مباشرة بقيمة 3 مليارات دولار وتسهيلات في الدفع مؤجلة لمدة عام تصل إلى 3 مليارات دولار من الواردات النفطية، وقدمت الإمارات حزمة دعم مالي مماثلة.

ويتعارض هذا الالتزام المالي المتزايد تجاه جنوب آسيا (حتى لو كان مشتملاً على شروط مالية تفيد المانحين في النهاية) مع السياسات الأمريكية، إذ تخطط إدارة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء اتفاقية التجارة الخاصة بين الولايات المتحدة والهند.

وتزداد رغبة السعودية والإمارات في الدفع مقابل الاضطلاع بدور في جنوب آسيا، وكذا فإنَّ السعوديين والإماراتيين ليس من مصلحتهم رؤية استثماراتهم تتبدد في حالة حدوث تصاعد عنيف في النزاعات الإقليمية. وسوف تؤدي الرغبة القوية في تحقيق العوائد -مالية كانت أو سياسية- والتسامح تجاه المخاطر إلى تحفيز هذه الدول الخليجية للاستفادة من المزايا الاقتصادية النسبية لتوسيع نطاق نفوذها في جنوب آسيا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top