سلطت صحيفة The Guardian البريطانية الضوء على خلاف كبير قد يصل إلى الحرب في مصر على القمامة التي أصبحت تمثل أحد مصادر الدخل لبعض الفقراء المصريين في الأحياء الشعبية بالقاهرة.
وقالت الصحيفة البريطانية، “الناس هنا لا يتشاجرون من أجل القمامة فقط، بل رأيتُهم يتقاتلون حتى الموت عليها”، هكذا يقول سمعان جرجس. ويضيف: “لا توجد قواعد في هذه المهنة”.
والتقت الصحيفة البريطانية بجرجس وهو أحد جامعي القمامة، أو “الزبَّالين” كما يُطلَق عليهم في مصر، وهم جيشٌ من العمال غير الرسميين الذين يجمعون النفايات في القاهرة لتحويلها إلى مواد خام قيِّمة. يعيش جرجس مع أسرته في ضاحية منشية ناصر، المُلقَّبة بـ”مدينة القمامة”، والتي تضم أكبر وأقوى تجمُّع للزبَّالين في مصر.
العودة بجبال القمامة
ووفقاً للأرقام الحكومية، تنتج مصر نحو 80 مليون طن من النفايات الصلبة سنوياً. ومثَّل الزبَّالون على مدار سبعة عقود دعامة مُكمِّلة للبنية التحتية غير الكافية بالمرة للنفايات في البلاد. وفي كل صباح، ينتشر جامعو القمامة في أنحاء القاهرة، ويعودون بجبالٍ من القمامة كي تفرزها النساء والأطفال، بحسب الصحيفة البريطانية.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت الشركات الناشئة تعرض على السكان المال مقابل المواد المفروزة القابلة لإعادة التدوير. فيقوم مينا بحر، الذي أسَّس شركة RecycoLife لإعادة التدوير في عام 2015، بنشر الإعلانات لمجموعات المنازل على مواقع التواصل الاجتماعي، ثُمَّ يرسل العمال لشراء النفايات ذات القيمة مثل المواد البلاستيكية والمصنوعة من الألومونيوم. يقول مينا إنَّه يُحفِّز السكان للمشاركة لأنَّه لا يملك القوى العاملة الكافية من الزبَّالين للبحث خلال القمامة وفرزها.
لكنَّ نموذج عمل شركة RecycoLife يتعارض مع نموذج عمل الزبَّالين. يقول مينا: “الزبَّالون يريدون النفايات مجاناً لأنَّهم يرونها حقاً لهم”.
ووفقاً لمينا، بدأت المشكلات حين زار الزبَّالون مناطق كانت شركة RecycoLife قد اشترت فيها القمامة من المنازل بالفعل. فتلقَّى مكالمةً هاتفية تهديدية بعد فترة وجيزة من ذلك تطالبه بإغلاق شركته على الفور. ويقول إنَّ عُمَّال جمع القمامة التابعين له تعرَّضوا للهجوم العنيف في عدة مناسبات أثناء العمل.
حرب النفايات
وتبحث الشركات الناشئة الآن عن سبلٍ للحصول على النفايات القيِّمة دون إثارة غضب الزبَّالين. فتريد شركة RecycoLife على سبيل المثال جمع النفايات من المدن المصرية الأخرى الواقعة خارج متناول زبَّالي القاهرة. وتتواصل شركة أخرى مع الزبائن عبر تطبيق للهواتف المحمولة، ما يسمح لها بتنسيق المجموعات السكنية بتكتُّم، بحسب الصحيفة البريطانية.
وبالنسبة لآخرين، اتَّضح أنَّ الاحتكاك مع الزبَّالين يفوق الاحتمال. فتحدث العديدون عن رائد أعمال مصري فرَّ من البلاد بعد تلقِّيه تهديداتٍ بالقتل، وأسَّس شركته الخاصة بإعادة التدوير في ألمانيا.
وداخل مجتمع الزبَّالين، ينقسم الرأي بشأن ما إن كان تحفيز سكان القاهرة لفرز النفايات من أجل عملية إعادة التدوير سيعود عليهم بالنفع. فيعتقد عزت نعيم جندي، أحد سكان مدينة القمامة والذي يدير جمعية “روح الشباب لخدمة البيئة” غير الحكومية، إنَّ أقلية قوية ستُفضِّل جمع النفايات المفروزة.
ومثل هذا التغيُّر قد يُقلِّص فترات الفرز اليومية بمقدار النصف، فيما يُحسِّن أيضاً المعايير الصحية المجتمعية في مناطق الزبَّالين. إذ يواجه فرَّازو القمامة خطر الإصابة بالجروح والفيروسات مثل فيروس التهاب الكبد الوبائي سي، الذي غالباً ما يحدث نتيجة الحقن الموجودة في القمامة المختلطة غير المفروزة.
تستند الحُجّة المضادة إلى الدفاع عن الحصة السوقية للزبَّالين في وجه المنافسين الجدد. يقول جندي: “معظم الزبَّالين ضد فرز القمامة. فإذا فُرِزَت القمامة في المنازل، سيرى البواب أو الحراس قيمتها”.
تقسيم العمل
ويرى كلا الجانبين إمكانية التعايش السلمي. فيشير جندي إلى أنَّ الكثير من شركات إعادة التدوير الناشئة تُركِّز على النفايات التجارية، تارِكةً معظم النفايات المنزلية للزبَّالين. وعلى أي حال، يُقدِّر جندي أنَّ الزبَّالين يجمعون نحو 63% من قمامة القاهرة الكبرى، الأمر الذي يترك مجالاً لتعمل فيه الشركات الناشئة، بحسب الصحيفة البريطانية.
يقول روَّاد الأعمال في مجال إعادة التدوير إنَّهم يُقدِّمون خدمة مختلفة عن الزبَّالين. فيقول مينا بحر: “نريد أن يُحقِّق الزبَّالون ربحاً، لكن ليس بالسيطرة على السوق بالكامل”. وفي حين يعترف مينا بأنَّ لا أحد يمكنه أن يضاهي براعة الزبَّالين في جمع القمامة من متاهة أزقّة القاهرة ومجمَّعاتها السكنية، يقول إنَّ الشركات الناشئة لديها تكنولوجيا معالجة ذات جودة أفضل.
ويخشى الكثير من الزبَّالين أن يجد عددٌ من الانتهازيين الأمر أسهل بكثير للانقضاض على لقمة عيش الزبَّالين في حال بدأ المصريون فرز قمامتهم بصورة جماعية. وحتى في الوقت الراهن، يخوض جرجس، الذي قضى عمراً طويلاً في جمع القمامة، صراعاً مع كل المنافسين، بدءاً من البوابين ونابشي الفضلات وحتى الزبَّالين الآخرين، من أجل الحصول على كيس من القمامة القابلة لإعادة التدوير. ومبرره في ذلك واضح ومباشر: “إن لم تذهب إلى العمل يوماً واحداً، سيأخذ أحدهم مكانك”.