العالم المفتوح.. كيف سيكون وضع أمريكا في مرحلة ما بعد ترامب؟

تناول تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs الأمريكية وضع الولايات المتحدة كقوة عظمى وسط نظام عالمي ليبرالي أسسته مع حلفائها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن منذ انتخاب الرئيس دونالد ترامب في عام 2016، أصبح من المألوف التحسر على مصير النظام الدولي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة، والمتمثل في مجموعة المؤسسات، والقواعد، والأعراف التي حكمت سياسات العالم، حيث يلقي كثير من الخبراء باللوم على ترامب الذي غيَّر استراتيجية الولايات المتحدة الكبرى بطريقة غير سليمة، ويأملون أن تعود الولايات المتحدة بعد رحيله، إلى الدور الذي احتلته منذ سقوط الاتحاد السوفييتي والذي يمكن صياغته بأنه هيمنة بلا منازع في حكم عالَم في طريقه إلى التحرر بطريقة غير عنيفة، وإن كانت تحيد عن المثالية.

هيمنة لن تعود أبداً

لكنها لن تعود؛ حيث إن هيمنة واشنطن الأخيرة كانت شذوذاً تاريخياً استند إلى خليط نادر من الظروف المواتية التي لم تعد موجودة، مثل التماسك النسبي للجبهة الداخلية، وغياب الخصوم الحقيقيين في الخارج، لذلك يجب على الزعماء الأمريكيين فهْم هذه الحقيقة، وتغيير استراتيجيتهم على هذا الأساس.

وعلى الرغم من أن النظام العالمي بعد انتهاء الحرب الباردة لم يكن كتلةً متكاتفة على الإطلاق، فإنه كان يتوق إلى شكل من أشكال الليبرالية العالمية، وافترض القادة الأمريكيون أن بقية العالم ستتقبل المبادئ الأساسية للنظام الليبرالي بالتدريج، مثل الديمقراطية وحرية التجارة وسيادة القانون.

وبفضل القوة الاقتصادية والعسكرية غير المسبوقة في التاريخ الإنساني، كان بإمكان الولايات المتحدة فرض سياسة خارجية تسعى إلى إعاقة سيطرة القوى العظمى المنافسة. لكن بحلول عام 2008 كانت الولايات المتحدة تتعثر، فالخطوات الخاطئة في الشرق الأوسط، التي تبعتها الأزمة المالية العالمية، أعطت إشارة إلى المنافسين المحتملين بأن الولايات المتحدة لم تعد ذلك الكيان الحصين.

منافسة لم تكن موجودة

واليوم، تشارك القوى المنافسة، مثل الصين وروسيا، مشاركة نشطة في النظام الليبرالي، إذ تتحدَّى بكل وضوحٍ صدارة الليبرالية، فالتقدم التكنولوجي في علوم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي يمنح الأطراف الأضعف الوسائل اللازمة لمنافسة الولايات المتحدة مباشرة، وتزيد الانقسامات الداخلية والخصومات الخارجية من صعوبة استمرارية التعاون الدولي.

لم تعد الليبرالية العالمية على أجندة عالَم الآن، وبدلاً من ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تكون المُدافِع عن الانفتاح وهو الهدف الشامل من وراء استراتيجيتها العالمية، وهذا يعني منع سيطرة مناخات النفوذ الإقليمية المُغلَقة، والحفاظ على حرية الدخول إلى المشاعات العالمية من البحر والفضاء، والدفاع عن الاستقلال السياسي، والتخلي عن تسويق الديمقراطية من أجل استراتيجية أكثر اعتدالاً لدعم الديمقراطية.

يجب على واشنطن مواصلة السعي وراء تعاون القوى العظمى كلما كان هذا ممكناً، من خلال المؤسسات العالمية مثل الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، والأنظمة التنظيمية مثل تلك التي انعقدت في اتفاقية المناخ بباريس. لكن في المجالات التي لا تحكمها القواعد الدولية بالفعل، مثل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والفضاء الإلكتروني، فعليها أن تستعد لمنافسة خصومها، في حين يعمل حلفاؤها على إرساء القواعد الجديدة للطريق.

سوف تمثل الاستراتيجية المبنيُّة على الانفتاح تخلياً واضحاً عن مبادئ الليبرالية العالمية التي حددت ملامح الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، فبدلاً من افتراض الانتصار النهائي لليبرالية، ستكون إشارة إلى رغبة الولايات المتحدة في العيش بجانب الدول الليبرالية وقبول فكرة أنهم قد يتولون حتى منصباً قيادياً في المؤسسات الدولية. ستحافظ مثل هذه الاستراتيجية على هياكل النظام الليبرالي الموجودة، في حين إدراك أنها ستسقط قريباً، وعندها سيستدعي الأمر تدخُّل الولايات المتحدة وأمثالها في الفكر لبناء قواعد وأنظمة جديدة، حتى لو كانت تفتقر إلى القبول العالمي. فالاستراتيجية التي تعتمد على الانفتاح ولا تستند إلى أي أوهام متعلقة بالحقائق الجيوسياسية، ستكون الاستعداد الأفضل للحفاظ على المصالح الأمريكية عندما يتبين استحالة التعاون. لكنها ستنتقي هذه المصالح وتحددها، وتزيد تركيز الأمة وتُجنِّبها الحملات الصليبية السرمدية لليبرالية العالمية.

فبدلاً من أن تُضيِّع الولايات المتحدة قوتها التي ما زالت تُوضع في الحسبان، على آمال وهمية باسترداد النظام الليبرالي أو إعادة صياغة العالم بالصورة التي تناسبها، يجب عليها التركيز على ما يمكنها تحقيقه بواقعية، وهو الحفاظ على النظام العالمي مفتوحاً وحراً.

روسيا والصين

لم يكن لدى الولايات المتحدة أي منافسِين بارزِين على الصعيد الجيوسياسي، لمدة نحو ثلاثة عقود بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. أما اليوم، فلديها اثنان: الأول روسيا، وهي قوى انتقامية، لكن ركودها الاقتصادي يجعلها طرفاً مُفسِداً للمشهد أكثر م كونه منافساً حقيقياً. فمن المتوقع أن نرى انحسار النفوذ الدولي لروسيا على مدار العقد القادم، بسبب الاعتمادية التامة لاقتصادها على النفط، ومعدل النمو الاقتصادي الثابت الذي يتأرجح حول نسبة 2%. لكن ما زالت روسيا هذه الأيام أكثر استقراراً على الصعيد الاقتصادي والسياسي مما كانت عليه في تسعينيات القرن العشرين، وهو ما يسمح لها بممارسة نفوذها خارج حدودها. بالإضافة إلى أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تمكن من اللعب بالأوراق السيئة في يده لعباً جيداً، فقد أدمج  القدرات الحربية الهجينة البارزة لدى روسيا والحرب الإلكترونية والقدرات النووية في استراتيجية دفاعية غير متماثلة، مكَّنَت الدولة من تسديد ضربات أكبر من وزنها. لن تشكل موسكو تحدياً حقيقياً أبداً على الهيمنة الأمريكية، لكنها ستفسد العمليات الديمقراطية لدى أعضاء الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، وتهدد دول الاتحاد السوفييتي السابقة في المستقبل المنظور.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحتفل بيوم المرأة العالمي
الرئيس الروسي فلاديمر بوتين/ رويترز

والخصم الثاني للولايات المتحدة هو الصين، التي في طريقها إلى أن تكون المنافس المكافئ الحقيقي الوحيد. ففي أثناء تسعينيات القرن العشرين وبالعقد الأول من القرن الحالي، انتفعت الولايات المتحدة من هوس القادة الصينيين بالنمو الاقتصادي والاستقرار الداخلي على حساب القوة الجيوسياسية. لكن منذ تولي الرئيس شي جين بينغ الرئاسة في 2012، وبكين تسعى بكل وضوح إلى إعادة إرساء هيمنتها بآسيا. الصين الآن في طريقها إلى أن تصبح أكبر قوة اقتصادية في العالم قبل عام 2030 على صعيد إجمالي الناتج المحلي، ويقترب قطاع التكنولوجيا من مثيله الأمريكي بالفعل، على مستوى الإنفاق على البحث والتطوير وحجم السوق. وقبل بدايات عشرينيات القرن الحادي والعشرين، ستكون القوةُ العسكرية للصين في آسيا تضاهي الولايات المتحدة، ولكن ستحتفظ العسكرية الأمريكية ببعض المزايا العالمية.

تغيُّر أساليب السيطرة

أصبحت المقاييس المعتادة للقوة مجرد جزء من القصة، بفضل التكنولوجيا المدمرة مثل الذكاء الاصطناعي، الذي ينتشر بسرعة لكنه لا ينتشر بالتساوي، وقد تشجع على التصعيد بعد أن قللت من تكلفة الصراع، فالقوات العسكرية أصبحت أقل اعتماداً على القوى البشرية، وأصبح التدمير أدق. قد تخلق دول مثل الصين، بقدرة حكومتها على الدخول إلى قاعدة بيانات ضخمة عن المواطنين، وبسيطرة الدولة على الإعلام، وفي ظل غياب حقوق الخصوصية والحريات الفردية، أنواعاً جديدة من “السلطوية الرقمية” التي تسمح لهم بالاستغلال الكامل للذكاء الاصطناعي في الأغراض العسكرية والسياسية. وعلى الرغم من أن قطاع التكنولوجيا بأمريكا هو الأكثر تقدماً في العالم، هناك إشارات إلى أن الحكومة قد تعاني مشاكل في تسخيره. فالصورة الذهنية لوادي السيليكون التي تفوق مفهومي الأمة والوطن، ومصالح الأعمال العالمية تجعله محل شك بخصوص التعاون مع الحكومة، ففي نهاية العام الماضي (2018)، سحبت شركة جوجل عرضها في عقد حوسبة حسابية بقيمة 10 مليارات دولار مع البنتاغون، وهو ما أثار مآخذ أخلاقية. وفي الوقت نفسه، قد تؤدي قلة الخبرة التقنية لدى الحكومة إلى وضع تنظيمات لوادي السيليكون تقلل من إنتاجيته.

التوترات بين الحكومة الأمريكية وقطاع التكنولوجيا الأمريكي هي إحدى المشاكل، لكن الاستقطاب الداخلي مشكلة أكبر. الإقصاء الافتراضي لأي أرضية متوسطة بين الديمقراطيين والجمهوريين يعني أن أي مسألة تقريباً، وضمن ذلك مبادرات السياسة الخارجية التي كانت عادة تتم بثنائية حزبية، من الممكن تسييسها على يد مشرعي القوانين، والصحافة، والعامة. لن يثير هذا شقاقات على معظم الخيارات المتعلقة بالسياسة الخارجية مثل متى وأين تُستخدم القوة العسكرية وحسب؟ بل قد يتسبب أيضاً في تقلبات كبيرة بالسياسات الخارجية بانتقال الرئاسة من حزب إلى آخر، وهو ما يجعل الولايات المتحدة طرفاً عالمياً غير متوقَّع على الدوام. وبضمان أن كل قضية تقريباً ستنقسم على الخطوط الحزبية والاستقطاب، ستنتج الشروخ الداخلية التي يمكن أن تستغلها القوى الخارجية، مثلما فعلت روسيا بحملات الاختراق والتضليل في الانتخابات الرئاسية عام 2016. وباجتماع هذه الأشياء، فإن هذه الاتجاهات الداخلية ستصعِّب على الولايات المتحدة استبقاء استراتيجية عالمية ثابتة، وتسهل على منافسيها تثبيت أنفسهم على الساحة.

وعلى الرغم من أن الحرب ما زالت تهديداً، فالنزال الجديد بين القوى العظمى يتخذ على الأغلب شكل صراع مستمر على مستوى منخفض. فالقانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية يُجرِّم الحروب العدوانية الاعتيادية والنووية، لكنه لا يذكر أي شيء بشأن الإجبار والإكراه بالوسائل التي تقل عن القوة العسكرية. فلطالما حاولت الولايات المتحدة الوصول إلى مصالحها من خلال الوسائل الإجبارية التي لا تصل إلى الحرب. لكن في السنوات الأخيرة، ازدهرت المنافسة بين الدول في مجالات جديدة، مثل الفضاء الإلكتروني، الذي يعمل في مساحة بعيدة تماماً عن القانون الدولي. تمتلك كلٌّ من الصين وروسيا قدرات نووية واعتيادية مدمرة، لكنَّ كلتيهما تأمل تجنب الحرب الكاملة. وبدلاً من ذلك، ستسعى كلتاهما إلى استراتيجيات مدمرة من خلال طرق تتسم بالدهاء، مثل الاختراق، والوساطة السياسية، والتضليل. لم يشهد العالم تنافساً مستمراً من هذا النوع منذ الحرب الباردة، وعلى الاستراتيجية الأمريكية الاستعداد لهذا.

وبظهور الأشكال الجديدة من الصراع، لن تحتفظ الأشكال التقليدية من التعاون على الأغلب بمعدل نموها. فالولايات المتحدة توقع على اتفاقيات دولية أقل من أي وقت مضى. وفي أثناء فترة إدارة أوباما، أبرمت الولايات المتحدة الأمريكية معاهدات في العام أقل من أي وقت مضى منذ 1945. وفي عام 2012، لم تشترك الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى، في أي معاهدة على الإطلاق، ثم فعلت ذلك ثانية في عام 2013، وعام 2015. وتوقَّف المجتمع الدولي بالمثل عند جهوده لتمرير الاتفاقيات متعددة الأطراف الجديدة. فما زالت قضايا مثل التجارة الرقمية، والصراع الإلكتروني مسائل غير محكومة أو تفتقر إلى القدر الكافي من الإشراف الحكومي، وتشير تعقيداتها الشديدة إلى احتمالية كبيرة في صدور قواعد دولية تنظمها بأي وقت قريب.

الطريق المفتوح

ستواجه الولايات المتحدة في النظام الجديد قيوداً داخلية وخارجية كبيرة. ستظل هذه الدولة قوية للغاية، وستستمر في ريادة النظام المالي الدولي، والحفاظ على مستوى من القوة الاقتصادية والعسكرية لم يحظَ به إلا القليل في التاريخ البشري. لكن قدراتها ستكون محدودة أكثر، وتنتشر التحديات التي تواجهها. ولذا يجب أن تكون هناك استراتيجية ذكية في أولوياتها وتسوقها مبادئ واضحة.

يجب أن تكون الأولوية الأولى لواشنطن الحفاظ على الانفتاح العالمي. وبدلاً من محاولة نشر القيم الاقتصادية والسياسية الليبرالية، فالأَولى أن تركز الولايات المتحدة على هدفٍ أكثر تواضعاً، وهو التأكد من أن كل البلاد حرة بما يكفي لتتخذ قرارات سياسية واقتصادية وعسكرية مستقلة. وعلى الصعيد الجيوسياسي، فإن التزام الانفتاح يعني أن واشنطن ستضطر إلى منع أي غريم مهيمن أو تكتل من السيطرة على آسيا أو أوروبا أو كلتيهما من خلال مجال مُغلَق من النفوذ.

إذا دخل منافس إلى الساحة ليهيمن على جزء من أوراسيا أو أوراسيا كلها بحيث يحل محل الولايات المتحدة، فسيُشكِّل ذلك تهديداً مباشراً للازدهار الأمريكي والأمن القومي. ويكمن أكبر تحدٍّ للانفتاح في منطقة المحيط الهادي الهندي، حيث ستتولى الصين القيادة الإقليمية بشكلٍ مُتزايد. في بعض النواحي، يُعد هذا الوضع طبيعياً للغاية بالنسبة إلى دولة نَمَتْ سلطتها كثيراً على مدى العقود الأربعة الماضية. ولكن قبول بكين، عاصمة الصين، كقائد إقليمي لا يعني قبول هيمنة النفوذ الصيني. على سبيل المثال، في حال أصبحت الصين بالفعل الشريك المُهيمن في التجارة والتنمية لعديد من الدول بجنوب شرقي آسيا، إذا استخدمت الصين قواعد الجزيرة الاصطناعية التي بنتها لمنع حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي أو حاولت إجبار شركائها على استخدام النفوذ الذي اكتسبته من خلال استثماراتها في البنية التحتية- فستكون سيطرة النفوذ الصيني أمراً وارداً حدوثه.

علم أمريكي على الحدود مع المكسيك/ رويترز

ولإبقاء منطقة المحيط الهادي الهندي مفتوحة، يجب على الولايات المتحدة أن تحافظ على وجودها العسكري بشرق آسيا، وأن تلتزم الدفاع عن حلفائها بالمُعاهدة في المنطقة بمصداقية، وضمن ذلك اليابان، والفلبين، وكوريا الجنوبية. كما يجب عليها دعم الاستقلال السياسي لدول المنطقة من خلال التزامها الدبلوماسية الإقليمية، والعمل مع التحالفات مُتعددة الأطراف، لضمان أن تكون أي قواعد تسعى بكين إلى وضعها شفافة وغير قسرية.

في أوروبا، يُعد التهديد أقل حدَّة. ليست روسيا في وضعٍ يسمح لها بالسيطرة على أوروبا، كما أنَّها لا تستطيع الدخول في منافسة إقليمية مُستدامة نداً لند مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، لا تزال موسكو تتمتع بقدرات عسكرية هائلة -خاصةً ترسانتها النووية- بالإضافة إلى قربها المادي من أوروبا الشرقية والذي يسمح لها بممارسة نفوذ كبير هناك. إنَّها تتعارض بشدة مع النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة في أوروبا، وأظهرت تسامحاً كبيراً مع المخاطر في ظل السعي إلى تحقيق مصالحها الأساسية. ومع ذلك، تفتقر روسيا إلى القدرة على صياغة مجال نفوذ مُغلَق. ولذا تكمن المصالح الأمريكية في ردع محاولات روسيا أداء دور المُفسِد، وهو شيء فشلت واشنطن في فعله منذ عام 2016، وذلك بفضل الدفء المَرَضيِّ لإدارة ترامب تجاه موسكو، والعلاقات المتوترة مع حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين.

يجب على واشنطن إعطاء الأولوية للانفتاح في المشاعات العالمية أيضاً، لا سيما البحر والفضاء. يُعَد الانفتاح البحري، أو قدرة السفن على المرور من دون قيود عبر المياه الدولية، ضرورياً للتجارة العالمية؛ ومن ثم المصالح الوطنية للولايات المتحدة. على الرغم من أنَّ الصين لم تمنع الشحن التجاري بالقرب من شواطئها (ومن غير المرجح أن تفعل ذلك في المستقبل)، فقد انتهكت القانون الدولي بانتظام عن طريق عرقلة حرية الملاحة العسكرية في بحر الصين الجنوبي، وهو أمر يجب على الولايات المتحدة رفضه.

بينما يتطلب الحفاظ على الانفتاح في الفضاء، الذي أصبح جزءاً من مشاعات عالمية بفضل وفرة تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية، السماح للمركبة الفضائية بالعمل دون عوائق. في عام 2007، على سبيل المثال، دمرت الصين أحد أقمارها الاصطناعية كجزء من اختبار صاروخي مضاد للأقمار الاصطناعية؛ وهو ما أدى إلى تلويث الفضاء بآلاف القطع من الأنقاض التي ما زالت تهدد المركبات الفضائية التجارية والمدنية والعسكرية. هذا هو بالضبط نوع النشاط الذي ينبغي أن تسعى استراتيجية الانفتاح إلى منعه.

ومع ذلك، في المجالات الأحدث، مثل الفضاء الإلكتروني، لا توجد صروح قانونية أو معيارية مماثلة لتلك التي تحكم البحر والفضاء، ولا يمكن أن تتوقع الولايات المتحدة من الآخرين صياغة ترتيبات عالمية تعكس تفضيلاتها التي تُعد من جانبها هي فقط. إنَّ إدارة التهديدات في هذه المناطق ستكون مسألة ردعٍ أكثر من كونها اتفاقية متعددة الأطراف.

الحاجة المُلحَّة لاحترام السيادة

سيتطلب تعزيز الانفتاح تأكيداً من نوع جديد للاستقلال السياسي كأساس لاستراتيجية الولايات المتحدة وكمبدأ مُنظِّم للسياسة الدولية. ويُعَد الاستقلال السياسي أحد الأسس الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، وتزعم معظم الدول، حتى الدول الاستبدادية، أنها تُقدره. ومع ذلك، تُخفي الدول التعديلية، مثل الصين وروسيا، مظالمها وراء ستار خطاب السيادة، في حين تنتهك سيادة الآخرين بِحُرية. ومن أجل تعزيز الاستقلال السياسي بمصداقية، سيتعيَّن على الولايات المتحدة أن تتخلَّى عن الجهود المبذولة لتغيير النظام، كتلك التي حدثت في عام 2003 بالعراق وعام 2011 في ليبيا، وأن تتوقف عن الترويج بقوة للديمقراطية في الخارج، كما تحاول إدارة ترامب أن تفعل حالياً في سياسة إيران. يجب أن تستمر في دعم الديمقراطية، لكن عليها أن تفعل ذلك من خلال تقديم المساعدة للمجتمعات الديمقراطية عندما تطلب منها العون، والعمل مع الشركاء لمساعدتهم في الحفاظ على سيادتهم ضد انتهاكات القوى المُنافسة. وهذا يعني قبول الحقيقة المؤسفة المُتمثلة في أنَّ الاستبداد سوف يسود ببكين، وموسكو، وأماكن أخرى في الوقت الحالي.

وعلى الرغم من أنَّ العلاقات الأمريكية مع الصين وروسيا أصبحت أكثر عدوانية، فإنَّه سيكون من الخطأ السماح لهما بالوصول إلى محصلةٍ صفرية. لن يدخل العالم في حرب باردة جديدة تضع الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الأنظمة الاستبدادية: تُعد الصين وروسيا من أنصار التعديلية في النظام الدولي القائم، وليستا عدوَّين يقفان خارجها. إنَّهما تشاركان الولايات المتحدة في المصالح فيما يتعلق بالتحديات الدولية مثل الإرهاب، والمرض، وتغيُّر المناخ، ويجب على واشنطن أن تعمل بجد للاستفادة من هذه الفرص لتحقيق التعاون بين القوى العظمى. والأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي على وجه الخصوص، لديها دور رئيسي في تمكين هذا التعاون. وتستثمر كل من بكين وموسكو، بدرجة كبيرة، في شرعية المجلس، وعلى الرغم من أنَّها ستكون عاجزة فيما يتعلق بأكثر القضايا الجيوسياسية إثارة للانقسام، فإنَّه يمكن أن يكون بمنزلة آلية تنسيق مفيدة في القضايا التي تتداخل فيها مصالح القوى العظمى، لا سيما إذا جرى إصلاحها لتشمل الدول مثل ألمانيا، والهند، واليابان.

تُقدِّم التجارة وسيلة واعدة أخرى مُحتملة للتعاون. الصين، وروسيا، والولايات المتحدة كلها أعضاء في منظمة التجارة العالمية. وتنطوي عضويتها على اتفاق افتراضي على الأقل، على أنَّ مبادئ مثل المعاملة بالمثل، وعدم التمييز يجب أن تحكم النظام الاقتصادي الدولي. ولكن في الوقت الحالي، تدعم الصين الصناعات المحلية وتشجع الشركات المملوكة للدولة في انتهاك تلك المبادئ. وتتناقض مثل هذه السياسات مع عمل نظام مفتوح. لا ينبغي لواشنطن توقُّع أن تُصلح الصين اقتصادها بالكامل، كما لا ينبغي لها أن تسمح للدولة بالاستمتاع بفوائد التجارة في حين تقي الشركات الصينية من المنافسة الدولية. إنَّ التغييرات في منظمة التجارة العالمية -على سبيل المثال، إصلاح هيئات الاستئناف التي تنظم المنازعات بين الدول الأعضاء- قد تساعد النظام التجاري على العمل بكفاءة أكبر في المجالات التي يوجد فيها اتفاق مُهم. ولكن نظراً إلى اعتمادها على الإجماع، من غير المرجح أن تفرض منظمة التجارة العالمية الصين كافة. ومن ثم، يجب أن تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها على استعداد لممارسة ضغوط مُتعددة الأطراف على الصين وغيرها من منتهكي القواعد، وضمن من خلال اتفاقات جديدة تثبط السياسات التجارية غير العادلة.

نظام يناسب التغيير

في هذه البيئة الجديدة، لم يعد من المنطقي بالنسبة إلى الولايات المتحدة الترويج للعالمية الليبرالية للنظام الدولي لما بعد الحرب الباردة.

ليس من الضروري أن تهيمن الولايات المتحدة على كل ركن من أركان الكرة الأرضية سعياً وراء مصالحها، وينبغي أن تدرك استراتيجيتها أن القوى العظمى غير الليبرالية سيكون لها بعض التأثير على الشؤون العالمية، خاصة فيما يخص شؤونهم الداخلية. يجب على واشنطن أن تتجنب إقناع القوى الصاعدة مثل الصين بأنَّ فرصتها الوحيدة لتحسين وضعها الدولي هي من خلال حرب كارثية. يجب أن يكون الانفتاح هو الهدف، وليس الهيمنة.

بالإضافة إلى الابتعاد عن الشمولية الليبرالية، فإنَّ الاستراتيجية القائمة على الانفتاح تختلف عن الجهود المُعاصرة لتحويل النظام الدولي الليبرالي إلى تحالف مكون من الدول الديمقراطية الموحَّدة في معارضتها للنزعة الاستبدادية. جادل مايكل مانديلبوم، وهو باحث العلاقات الدولية الليبرالية، بأنَّ الولايات المتحدة وحلفاءها الديمقراطيين يجب عليهم تبني استراتيجية “الاحتواء الثلاثي” تجاه منافسيها الثلاثة غير الليبراليين: الصين، وإيران، وروسيا. في حين حث المُحلِّلان المُحافظان ديريك سيزرز ودانييل بلومنتال واشنطن على “البدء بقطع بعض علاقاتها الاقتصادية مع الصين”، في خطوة نحو الانفصال. ظاهرياً، تهدف هذه الجهود إلى منع تشكيل مجالات النفوذ السلطوية، بل إنَّها ستساعد على تحقيق تلك المجالات. وبدلاً من محاولة منع منافسيها غير الليبراليين من الحصول على أي تأثير رسمي على الإطلاق، يجب على واشنطن الضغط عليهم لقبول مبادئ الانفتاح والاستقلال كشرط للاستمرار في العمل داخل المؤسسات القائمة للنظام الليبرالي القديم، وخلق مؤسسات جديدة. إنَّ الحفاظ على المؤسسات القديمة، وضمن ذلك من خلال الإصلاحات التي أُجريت في مجلس الأمن ومنظمة التجارة العالمية والتي تعزز الشرعية الدولية لتلك المؤسسات، سيكون ضرورياً للحفاظ على مكان للتعاون بين القوى العظمى.

ولا يُعد قبول أن يكون لدى المنافسين الأمريكيين بعض التأثير والتنازل عن الساحة لهم الشيء نفسه. ولمواجهة الأشكال التقليدية للعدوان، يجب على الولايات المتحدة أن تحتفظ بالقوة العسكرية، لردع الصين عن القيام بمحاولة عنيفة للهيمنة في آسيا وروسيا من التصعيد القسري للوضع الراهن بأوروبا.

يجب أن تستعد واشنطن لردع العدوان غير العسكري، خاصة في المجالات الجديدة التي تكون فيها القوانين الدولية ضعيفة أو غير موجودة، مثل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والفضاء الإلكتروني. من غير المحتمل أن تكون الأمم المتحدة أو المؤسسات العالمية الأخرى قادرة على تحقيق إجماع كافٍ لتمرير اتفاقيات جديدة وملزمة لتنظيم هذه المجالات. وفي غياب القانون الدولي، ستُحدد تصرفات الولايات المتحدة وحلفائها حدود السلوك المقبول للدول. سيتعين على واشنطن العمل مع الدول ذات التفكير المُماثل، لوضع معايير ليس من الضروري أن يدعمها منافسوها، مثل إدارة الإنترنت التي تعتمد على التعاون بين القطاعين العام والخاص بدلاً من منح كل سلطة للدولة. ولكن من خلال توليد إجماع دولي جزئي، بإمكان الولايات المتحدة أن تزيد من صعوبة بلورة القواعد المعادية للتعددية.

ستتطلب نهاية سيادتها غير المتنازع عليها أيضاً من الولايات المتحدة تحديث تحالفاتها واعتماد نهج تعددي للشراكات الدولية. في الوقت الحاضر، صُممت التحالفات الأمريكية في المقام الأول للدفاع ضد الصراع العسكري بين الولايات الداخلية. وينبغي أن تبدأ واشنطن في التركيز على مجموعة كاملة من المساهمات الاستراتيجية التي يمكن أن يقدمها الحلفاء للدفاع الجماعي، وضمن ذلك في مجالاتٍ مثل الخبرة التكنولوجية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط للمرونة، وفن إدارة شؤون الدولة اقتصادياً. بإمكان الولايات المتحدة أيضاً تطوير شراكات عابرة، ولكن سريعة، مع الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية على حد سواء، خاصة تلك التي تخشى هيمنة القوى الإقليمية الحازمة.

إنَّ اللحظة الأحادية القطب التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي منحت الولايات المتحدة حرية هائلة في العمل وطالبت ببعض التنازلات. بالنسبة إلى أولئك الذين يغلبهم الشعور بالحنين إلى هيمنة ما بعد الحرب الباردة الأمريكية، تُعد استعادتها أمراً مغرياً. لسوء الحظ، فإنَّ العالم في القرن الحادي والعشرين لن يتحمل مثل هذا الترف. يجب على الولايات المتحدة أن تقبل أنَّه رغم أنَّ قوتها المطلقة لا تزال هائلة، فإنَّ قوتها النسبية تقل: لا يمكنها أن تُملي النتائج من جانب واحد على العالم.

ولا يستلزم أن يتضمن هذا الاعتراف -بل يجب ألا يستلزم- قبول مجالات تأثير مُغلَقة، والتي تنشئ إما عن طريق التخطيط وإما تلقائياً. بدلاً من السعي إلى تحويل العالم وفقاً لأسس ليبرالية، يجب على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية للانفتاح والاستقلال السياسي. ستحافظ هذه الاستراتيجية على العناصر الأساسية للنظام الدولي الليبرالي، في حين تستعد للقرن الحادي والعشرين، حيث سيستمر التعاون المحدود إلى جانب التنافس والصراع المتصاعدَين حديثاً.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top