“اعمل الصح، شارك”، هذه هي الرسالة التي تمتلئ بها شوارع القاهرة، منذ الساعات الأولى ليوم الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مصر، عبر مكبرات الصوت الضخمة التي تفوق أبواق السيارات التي لا تتوقف لحركة المرور في العاصمة المصرية.
تعديلات الدستور في مصر معروفة النتائج
وبجوار صورة الرئيس عبدالفتاح السيسي المعلقة في شوارع القاهرة تظهر في العديد من اللافتات، علامة “صح” باللون الأخضر، ما يكشف وبشكل واضح كيفما يتم توجيه المواطنين للتصويت بنعم في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وذلك حسبما نشرت صحيفة The New York Times الأمريكية.
كان يوم السبت، 20 أبريل/نيسان، أول أيام ثلاثة للتصويت في استفتاء مصري على سلسلة من التعديلات الدستورية التي لو مُررت، كما هو متوقع، فسوف تمدد سيطرة السيسي على السلطة لثماني سنوات بعد فترته الحالية، حتى عام 2030.
وسوف توسع هذه التعديلات من سلطة السيسي، وسلطة الجيش، على حساب القضاء والسلطة التشريعية، إذ سوف تضع كبار المسؤولين القضائيين تحت سلطته وتسمح له بتعيين بعض أعضاء مجلس تشريعي جديد.
ومن شأن هذه التعديلات، التي تأتي بعد 8 سنوات من مظاهرات الربيع العربي التي أطاحت بحسني مبارك، الحاكم المستبد الذي حكم البلاد لفترة طويلة، أن تعزز من الحكم السلطوي للسيسي.
وأدت احتجاجات عام 2011 في البداية إلى فترة من التفاؤل بين المصريين الذين كانوا يأملون في حدوث تغيير ديمقراطي، لكنَّ الجيش أطاح بمحمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب بحرية في مصر، وسط احتجاجات جديدة عام 2013. ومنذ ذلك الوقت، أخمد السيسي المعارضة بوحشية، فسجن آلاف المعارضين وزاد من تمكين الأجهزة الأمنية والجيش.
والانتخابات هي الأخرى، أصبحت تشبه انتخابات الحقبة السابقة.
رغم دعوات المعارضة للتصويت بـ لا
ليس من الصعب التنبؤ بنتيجة الاستفتاء الحالي، على الرغم من أنَّ الكثير من منظمات المجتمع المدني حضت الناس على التصويت بـ”لا” ونشر المصريون الذي يعيشون في الخارج تصويتهم بـ”لا” على الشبكات الاجتماعية.
ليس السؤال الآن، إذا ما كانت التعديلات سوف تمر لكن التساؤل الحقيقي هو إذا ما كانت مشاركة الجماهير بنسبة كبيرة سوف تجعل للسلطة الحالية شعبية كبيرة.
مي السعدني، المديرة القانونية والقضائية لمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن قالت: “الانتخابات التي تحظى بمشاركة أكبر هي انتخابات ذات شرعية أكبر”.
وأضافت مي: “أنت ترى الدولة وجميع أجهزتها وحلفاءها تعمل من أجل دفع الناس إلى الشوارع وجعلهم يصوتون بـ”نعم”. وعلى الجانب الآخر لا ترى مساحة لحشد الناس للتصويت بـ”لا””.
فالسلطة تقدم كراتين الأغذية للمواطنين من أجل التصويت بنعم
وأشارت جميع الدلائل السبت إلى أنَّ السلطات لن تترك مسألة الإقبال الشديد اعتماداً على الصدفة.
إذ حملت الحافلات الصغيرة والتكاتك التي تسير على نحو متعرج في شوارع القاهرة الفوضوية لافتات تعلن عن التوصيل المجاني لأي شخص يذهب إلى صناديق الاقتراع، أما النوافذ الخلفية للحافلات فقد حملت علامات الصح الخضراء.
وفي أحد الأكشاك التي تبيع الوجبات الخفيفة على الضفة الشرقية للنيل، كان ثمة لافتة ضخمة على المدخل تعلن تأييد مالك الكشك للسيسي والتعديلات الدستورية. وقال أحد بائعي الكشك، ويدعى محمد عبدالعزيز، إنَّ الشرطة زارتهم وأبلغتهم بوضع اللافتة.
وبالقرب من مراكز الاقتراع في الأحياء الفقيرة، سلم العمال صناديق كرتونية مليئة ببقالة مجانية -عادة ما تكون خليطاً من زيت الطهي، والسكر، والسمن والعدس أو الأرز- للأشخاص الذين يستطيعون إثبات أنهم صوتوا.
وقالت نعمة، وهي أرملة لديها 4 أطفال، بينما كانت تمشي في الشارع في طريقها إلى مركز الاقتراع إنها لا تعرف موضوع الاستفتاء، لكنها تعتزم التصويت للحصول على صندوق الإعانة.
وقد كان هذا هو الأمر ذاته مع نساء أخريات عُقِدَت معهن لقاءات صحفية بالقرب من مراكز الاقتراع يوم السبت، إذ قلن إنهن لا يعرفن الكثير عن الإجراءات، لكنَّ الإعانات الموعودة كانت أكبر من أن يفوتنها. وقد رفض معظم الناخبين الذين أجريت معهم لقاءات يوم السبت التصريح بأسمائهم، خوفاً من التداعيات المحتملة للحديث مع الصحفيين.
وقال محمود الشريف، المتحدث الرسمي للهيئة الوطنية للانتخابات، إنَّ الهيئة لم تتلق أي تقارير عن انتهاكات انتخابية، لكنها سوف تحقق في أية شكاوى تصلها. ورفض الفكرة القائلة بأنَّ الناخبين قد دُفِعَ لهم للتصويت قائلاً بأنَّ تلك “شائعات”، وتوقَّع أنَّ الإقبال سوف يكون “ضخماً” بحلول نهاية التصويت.
خاصة في المناطق الأشد فقراً في مصر
وحسب الصحيفة الأمريكية، فقد أفاد بعض الأشخاص على الشبكات الاجتماعية يوم السبت بأنَّ المروجين المتمركزين داخل مراكز الاقتراع كانوا يخبرون للناخبين، بما فيهم بعض الأميين، أن يصوتوا بـ”نعم”. لكنَّ الشريف أنكر هذه المزاعم.
ومثل الكثير في المناطق الأفقر في القاهرة، فإنَّ أولئك الذين أجريت معهم المقابلات لم يكونوا ممانعين لتمديد السيسي فترة حكمه.
وحول رجل أعمال محلي يدعى أبو حلاوة، أحد الشوارع الجانبية المتربة إلى حفلة استفتائية نوعاً ما، فغطى الشارع بلافتات ترشد إلى مكان التصويت. واصطف الناس لجمع الكوبونات، بينما كانت أغنيات حول التصويت تدوي من مكبرات الصوت. وقال الكثير من الأشخاص إنهم لو وضعوا علامة على الكوبون بعد التصويت، يمكنهم استبداله بمبلغ 200 جنيه مصري (أقل من 12 دولاراً).
وقد بدأ الاستفتاء بعد 4 أيام فحسب من موافقة مجلس الشعب المصري على التعديلات الدستورية. ومع كبت الحكومة للانتقادات الموجهة لهذه الانتقادات، فإنَّ الكثير من المصريين لم يسمعوا سوى القليل حول أي موقف آخر سوى التصويت بنعم.
إذ منعت شخصيات المعارضة من المشاركة في النقاشات حول التعديلات، وألغت السلطات مظاهرة كان مقرراً عقدها قبل أسابيع قليلة، لأسباب متعلقة بالأمن القومي، ثم حجبت بعض المواقع التي تنتمي إلى مجموعات حاولت حشد المعارضة. وعلقت نقابة المهن التمثيلية عضوية ممثلين اثنين انتقدا هذه التعديلات علناً.
وفي الوقت ذاته، سجل مغنون مصريون مشهورون أغنيات لدعم الخروج للتصويت على التغييرات، ونشرت قنوات الشبكات الاجتماعية الرسمية ووسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة إعلانات خدمة عامة حول التصويت بـ”نعم”.