منذ اندلاع الأزمة الخليجية، عام 2017، تعاني العلاقات المغربية الإماراتية من “فتور” غير مسبوق، تعكسه مؤشرات عديدة. يقول خبراء إن العلاقات بين الطرفين تعيش، منذ أشهر، أزمة “صامتة”، بغضِّ النظر عمّا يتردد عن استدعاء الإمارات سفيرَها من الرباط.
وذكرت وسائل إعلام مغربية، بينها صحيفة “أخبار اليوم” الخاصة، الإثنين الماضي، أن السفير الإماراتي، علي سالم الكعبي، غادر المملكة، الأسبوع الماضي، بناء على “طلب سيادي عاجل”. وحتى اليوم، لم تعلّق الرباط ولا أبوظبي على هذا النبأ.
من بين مظاهر الفتور في العلاقات أيضاً، أن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، بدأ في 8 أبريل/نيسان الجاري، جولة شملت كل دول الخليج، ما عدا الإمارات.

وخلال جولته، سلَّم بوريطة رسائل من العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى كل من: أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد محمد بن سلمان، وأمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، وسلطان عمان قابوس بن سعد.
هل يعيد المغرب تقييم علاقاته مع الإمارات والسعودية؟
منذ بداية الأزمة الخليجية اختار المغرب الحياد، وعرض القيام بوساطة بين أطرافها. وقطعت كلٌّ من السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر، في 5 يونيو/حزيران 2017، ثم فرضت عليها إجراءات عقابية، تقول قطر إنه “حصار” ينتهك القوانين الدولية.
وتتهم تلك الدول قطر بدعم الإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة، وتتهم الرباعي في المقابل بالسعي إلى فرض الوصاية على قرارها الوطني. وأرسلت الرباط طائرة محملة بمواد غذائية إلى قطر، وزار العاهل المغربي الدوحة، في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، حيث التقى بأميرها.
على مدار أشهر ظلَّت الأزمة بين المغرب والإمارات مكتومة، حتى ألمح إليها بوريطة، خلال مقابلة مع قناة “الجزيرة”، في 23 يناير/كانون الثاني الماضي.
بوريطة كشف عن إجراء المغرب تقييماً شاملاً لمشاركته في الحرب السعودية الإماراتية في اليمن، وتخلفه عن المشاركة في المناورات العسكرية للتحالف العربي، وعدم مشاركته في بعض الاجتماعات الوزارية.
وتقود السعودية، منذ مارس/آذار 2015، تحالفاً عسكرياً عربياً يدعم القوات التابعة للحكومة اليمنية، في مواجهة مسلحي جماعة الحوثيين، المتهمين بتلقِّي دعم إيراني.
المغرب كانت قد وضعت “ضوابط” لاستمرار التنسيق
كذلك من المؤشرات على الأزمة، ما تردَّد في فبراير/شباط الماضي، عن استدعاء المغرب سفيريه لدى أبوظبي والرياض. حينها اكتفى بوريطة بالقول: “السفيران كانا في الرباط لحضور اجتماعات، والحديث عن استدعائهما غير دقيق”.
وخلال مؤتمر صحفي مع نظيره الأردني، أيمن الصفدي، بالرباط، في 27 مارس/آذار الماضي، أعلن بوريطة عن “أربعة ضوابط لاستمرار التنسيق مع الإمارات والسعودية”.
تلك الروابط هي: أن السياسة الخارجية هي مسألة سيادة للمغرب، التنسيق مع دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، يجب أن يكون وفق رغبة من الجانبين، وألا يكون حسب الطلب، وأخيراً أن يشمل التنسيق جميع القضايا المهمة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كالأزمة الليبية.
ونشرت وسائل إعلام محلية، بينها صحيفة “مغرب إنتلجانس”، مؤخراً، خبراً عن اعتزام الإمارات، التي تمول قناة “سكاي نيوز” الإخبارية، إطلاق قناة “سكاي نيوز المغرب”، دون استشارة الرباط.
إجهاض اتفاق “الصخيرات” أحد أسباب الغضب المغربي
يقول سلمان بونعمان، باحث مغربي في العلاقات الدولية، للأناضول إن “العلاقات المغربية الإماراتية تعيش توتراً صامتاً منذ أشهر”. وأضاف: “بغضِّ النظر عن صحة خبر استدعاء السفير الإماراتي لدى الرباط، فهناك ملفات عديدة غير متفق بشأنها، تدفع في اتجاه تفاقم هذا التوتر غير المسبوق”.
ورأى أن “أهم الملفات الخلافية هي محاولات الإمارات إجهاض اتفاق الصخيرات، الذي سعى فيه المغرب إلى دعم استقرار ليبيا، على أساس أنها ستظل جزءاً من الكيان المغاربي الكبير”.

وتضم المنطقة المغاربية كلاً من: المغرب، ليبيا، الجزائر، تونس وموريتانيا. ووقع الفرقاء الليبيون اتفاقاً سياسياً في مدينة الصخيرات المغربية، عام 2015، لكنه لم يُفلح في إنهاء النزاع في البلد الغني بالنفط.
ويشنُّ قائد قوات الشرق الليبي، اللواء متقاعد خليفة حفتر، منذ 4 أبريل/نيسان الجاري، هجوماً للسيطرة على العاصمة طرابلس (غرب)، مقر حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دولياً.
ويضيف بونعمان: “الدعم المباشر والمعلن لحفتر في هجومه على طرابلس، وإلغاء المسار التوافقي المدعوم بشرعية دولية، يعتبر طعنةً في الظهر لجهود المغرب لدعم الاستقرار في المنطقة”.
ويمثل هجوم حفتر انتكاسةً لجهود الأمم المتحدة، التي كانت تستعد لعقد مؤتمر شامل للحوار، في مدينة غدامس جنوبي ليبيا، بين يومي 14 و16 من الشهر الجاري. ومنذ 2011، تشهد ليبيا صراعاً على الشرعية والسلطة، يتمركز حالياً بين حكومة الوفاق وحفتر.
للمغرب سياسته المستقلة عن دول الخليج
من جانبه، رأى محمد العمراني بوخبزة، أستاذ العلاقات الدولية وعميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية في جامعة عبدالمالك السعدي الرسمية بتطوان، أن “مؤشرات الأزمة بين المغرب والإمارات واضحة منذ مدة”.
واستدرك بوخبزة: “لكن لم تصل إلى درجة استدعاء السفير”. معتبراً أن “الحديث عن زيارة ملكية لدول الخليج، واستثناء الإمارات، لا يعني بالضرورة أنه مؤشر على تفاقم الأزمة”.

وأردف: “في مرات كثيرة، وبحكم الأجندة وطبيعة الملفات المعروضة، يتم استثناء دول من جولات ملكية في الخليج”. وشدَّد على أن “الخيط الناظم في الأزمة بين البلدين هو رغبة المغرب المعلنة في أن تكون له سياسته المستقلة عن دول الخليج”.
وأضاف بوخبزة : “يظهر ذلك من المواقف السيادية التي اتخذها المغرب في ملفات كبرى، مثل ما يسمى بصفقة القرن، التي عبَّر عن عدم رضاه عمَّا يروَّج بشأنها، على عكس الإمارات والسعودية”.
و “صفقة القرن” هي “خطة سلام” تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية الكشفَ عنها في يونيو/حزيران 2019. ويتردد أن تلك الخطة تقوم على إجبار الفلسطينيين، بمساعدة دول عربية، على تقديم تنازلات مجحفة لصالح إسرائيل، بينها وضع مدينة القدس المحتلة وحق عودة اللاجئين.
الانفراج في العلاقة مستبعد الآن
بشأن إمكانية حدوث إنفراج في العلاقات قريباً، رأى بونعمان أنه “لا توجد اليوم على الأقل أي مؤشرات على حصول انفراج”. وأردف: “بالعكس كل المؤشرات ترشح العلاقات لمزيد من التأزم، خاصة بعد استثناء الإمارات من جولة بوريطة الخليجية”.
وقال إن “إنهاء هذا التوتر مرتبط بمسار التدخلات الإقليمية في المنطقة وحجمها وأسلوبها”. مشيراً إلى أن “إحداث توترات في المنطقة المغاربية أو رعايتها لن يُرضي الرباط أبداً”.