ضاع حلم الدولة.. حل القضية الفلسطينية بات في مهب الريح بعد فوز نتنياهو في الانتخابات الأخيرة

تحاول دينا تيتي، ذات الـ23 ربيعاً، ألا تلقي بالاً للسياسة، لكن منذ أسابيع قليلة مضت، تقريباً في الوقت نفسه الذي قال فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه يخطط لضم أجزاء من الضفة الغربية إلى إسرائيل، وجَّهت لوالدها سؤالاً نابعاً من القلب:

“ماذا سيحدث لنا؟”    

وبحسب صحيفة The New York Times الأمريكية لطالما ملأ قلب حسن تيتي إيمان قوي بأنَّ الدولة الفلسطينية ستصبح حقيقة، لكن حتى هو تخلى عن هذا الإيمان الآن.   

وقال حسن، (57 عاماً)، الذي يدير هو وابنته تجارة لتنظيم حفلات الزفاف: “حدانا الأمل طوال حياتنا. في عملنا، نحاول خلق لحظات سعادة، لكن الشعور السائد هو أنه لا أمل يلوح في الأفق”.    

فاليأس يجتاح الضفة الغربية.

منذ احتلال الضفة الغربية في الحرب العربية-الإسرائيلية في 1967، والفلسطينيون يرغبون في أن يتحرروا من الهيمنة الإسرائيلية. ولفترة تزيد عن ربع قرن، انتظروا أن تمنحهم عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة دولة خاصة بهم.

الانتخابات قضت على الحلم

دينا تيتي مع والدها حسن ، الذي يدير معًا شركة لتخطيط حفلات الزفاف في مدينة نابلس بالضفة الغربية. ، نيويورك تايمز

إلا أنه في عشية الانتخابات الإسرائيلية التي أجريت في 9 أبريل/نيسان الجاري، أعلن نتنياهو عن خططه لبدء فرض السيادة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية، التي عوّل عليها الفلسطينيون طويلاً لتكون أخيراً دولة لهم. واعتبر كثيرٌ منهم أنَّ فوز نتنياهو بالانتخابات جعل تحقيق حل الدولتين أكثر صعوبة من تلك التي في مخيلة الساسة الفلسطينيين.               

وأصبح المواطنون في الضفة الغربية، الذين إما حملوا السلاح أو سُجِنوا أو قضوا حياتهم يعملون من أجل الحصول على حق تقرير المصير أو يصلون لأجله أو ينتظرونه، يتساءلون الآن ما إذا كان كل هذا الوقت والجهد والمشاعر أُهدروت بلا طائل.     

وهذه الأحاديث ليست بأي حال أقل بعثاً على الحزن داخل العائلات وبين الأجيال المتعاقبة منها بين الأجيال الشابة التي لم تعرف سوى القيود التي فرضتها عملية السلام على حياتهم وآبائهم الذين صدقوا أنها ستسفر في النهاية عن إنشاء دولة.     

الحنين إلى حياة طبيعية

قلما أبدى الفلسطينيون روحاً انهزامية؛ إلا أنه في حزما، وهي قرية مكتظة قرب القدس المحتلة شبه محاطة بالكامل بمستوطنات إسرائيلية، بدأ جهد أبو حلو، (42 عاماً)، يتصور ما الذي سيعنيه التخلي عن حلم الحصول على دولة فلسطينية لأطفاله الخمسة.     

وقال إنَّ ما اعتقد سابقاً أنه سيجلب الاستقلال، بات منذ فترة طويلة نظاماً من نقاط التفتيش وعمليات الإغلاق. فقد تستغرق رحلة اصطحاب والده إلى المستشفى بضع دقائق، لكن الحصول على تصريح يتطلب أسابيع. ولم يَزُّر ابنه الأكبر حسين، (14 عاماً)، قط المسجد الأقصى في القدس المحتلة، أولى القلبتين وثالث الحرمين الشريفين، بحسب الصحيفة الأمريكية.   

ومن غرفة نومه، يشاهد أبو حلو، الذي يدير خط توزيع طعام، الشرطة الإسرائيلية على مداخل القرية. وكثيراً ما يعجز هو نفسه عن المرور.  

وعن السلطة الفلسطينية التي تحكم أجزاء من الضفة الغربية منذ 1995، يقول أبو حلو: “السنوات التي سبقت (إدارة) السلطة الفلسطينية كانت أفضل. فقبلها كان السكان لا يزالون تحت الاحتلال الإسرائيلي لكن كانوا يتمتعون بحرية حركة أكبر”.    

وأعرب عن رفضه للسلطة الفلسطينية ووصفها بأنها خاضعة لإسرائيل؛ وهو ما يرجع بنسبة كبيرة، على حد قوله، لممارسات قوات الأمن الفلسطينية التي تعزز لدرجة كبيرة السيطرة الإسرائيلية. وقال إن الحياة تزداد سوءاً.

من جهتها، ستقبل والدته، نجاة (61 عاماً)، بأن تعيش تحت السيادة الإسرائيلية مقابل الحصول على حقوق متساوية. وقالت إنها ستكون على الأقل حياة “طبيعية”.

فيما أجاب ابنها: “لن تكون (الحياة) طبيعية. انظري إلى المقدسيين”، مشيراً إلى الفلسطينيين الذين يحملون تصريح إقامة مؤقتاً في إسرائيل لكن ليس الجنسية، أو إلى العرب البدو الذين يعيشون في صحراء النجف. فكلاهما يعاني من التمييز. وقال إنَّ أهالي الضفة الغربية لن يلقوا معاملة أفضل.

وردت والدته: “نريد أن نعيش كما يعيشون، في استقرار وأمان”، مضيفة أنه حين كان ابنها صغيراً، “تصورت أنَّ حياته ستكون أكثر راحة” من حياتها، لكنها لا ترى سوى مستقبل أصعب.   

ولم يجادل أبو حلو في صحة ذلك، فهو لا يرى أي سبب يدفعه للاعتقاد بأنَّ الساسة سيجدون حلاً للنزاع.

واستطرد: “الحل سيأتي من الله، لا من إسرائيل ولا من السلطة الفلسطينية”.   

هل ضاع مجهود العمر؟

أسرة فلسطينية في الضفة الغربية/ نيويورك تايمز

يقول جمال زقوت، (61 عاماً)، إنه قضى 40 عاماً يعمل من أجل حل الدولتين. فيما يجادل ابنه مجد، (31 عاماً)، بهدوء بأنَّ الهدف الذي ظل والده يعمل لأجله كان خاطئاً منذ البداية.      

ويوشك مجد على التخرج في مدرسة الحقوق بجامعة تورونتو الكندية. أما جمال فهو شبه متقاعد ويعيش في رام الله، حيث عمل في منتصف العشرينات مستشاراً كبيراً لرئيس وزراء السلطة الفلسطينية آنذاك سالم الفياض، بحسب الصحيفة الأمريكية.

ووجد جمال نفسه يفتش عن الأسباب التي دفعت الشباب الفلسطيني لشن حملة من هجمات الطعن في عامي 2015 و2016. وقال إنَّ ما توصل إليه انطبق على جيلهم بأكمله.    

وأوضح: “غالبيتهم يشعر أنَّ لا أحد يصون كرامتهم”.

وتابع: “سواء كان هؤلاء الشباب من عائلات مدنية موالية لفصائل فتح الأكثر وسطية أو من عائلات دينية تابعة لحماس، الميليشيا الإسلامية، فجميعهم يشعرون بغياب الحماية والتمثيل، ومن ثم فعليهم أخذ زمام المبادرة”.  

لكنه أضاف أنَّه لا يزال يتعين على هؤلاء الشباب الالتحام في حركة سياسية واحدة مثلما كان يفعل جيله. وقال: “هم يعرفون جيداً ما لا يريدونه، لكن يعوزهم التنسيق واليقين مما يريدونه”.      

إلا أنَّ جمال لم ييأس. إذ يرجح أنَّ الجانب الآخر ربما يتنبه للعواقب التي سيجلبها ضم الضفة الغربي لإسرائيل، وقال: “يجب أن تحمي إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي مستقبلهما من حل الدولة الواحدة، أي من نظام الفصل العنصري”.       

لكن نجله لا يحمل آمال أبيه نفسها ولا يتفق مع تحليلاته. إذ يقول مجد إنه من “المضحك” أنَّ الفلسطينيين يبدون رد فعل حاداً على استخدام نتنياهو لتعبير الضم.

وفي حديث عبر الهاتف قال: “هو لم يقل أو يفعل أي شيء لم يصبح بالفعل حقيقة على أرض الواقع منذ بعض الوقت”.      

الإقرار بذلك يجعل من الأسهل التركيز على نيل المساواة والحقوق الأساسية التي يقول مجد إنَّ جميع الفلسطينيين ينبغي أن يتمتعوا بها، وسيجعل أيضاً من اليسير عليهم التخلي عن الهدف المهيمن بالحصول على دولة فلسطينية الذي يؤمن به جيل والده، في حين يراه هو هدفاً خاطئاً.

وأضاف مجد: “السؤال الذي دوماً أطرحه عليه: إذا أُجري استفتاء غداً في إسرائيل، والناس قالوا: نريد أن نعطي الفلسطينيين حقوقاً متساوية، هل سترفض؟”.

علينا التوصل لسلام

وُلِد الأخوان رامح ورند مسمار لعائلة وطنية؛ إذ قاتل والدهما وجدهما ضد إسرائيل.

وكان رامح، (31 عاماً)، مقاتلاً في الجناح العسكري لحركة “فتح”. وسُجِن ثلاث سنوات ثم أُطلق سراحه بموجب اتفاقية عام 2008 بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ثم استقال من فتح عام 2012.      

هو وأخوه كلاهما يائسان.

وقال رامح متحدثاً عن عملية أوسلو للسلام التي انطلقت في 1993 وتخيل أنها ستصل إلى توصية الأرض مقابل السلام: “أغلب أفراد عائلتي، يروون أنَّ اتفاقية أوسلو تموت، وأنها انتهت”.  

وأشار إلى أنه هو وعائلته كانوا في طريقهم من نابلس إلى ندوة سلمية في رام الله عام 2015 حين تعرض لضرب مبرح عند نقطة تفتيش. وما هي جريمته؟ أنه صحح لجندي إسرائيلي طريقة نطق اسمه. وقال إنه لم يدافع عن نفسه خوفاً من أن يتعرض لإطلاق النار.      

شابان فلسطنيان / نيويورك تايمز

أما رند، وهو مهندس يبلغ من العمر 35 عاماً، فيردد ما اعتاد والده قوله: “علينا إحلال السلام. هذا كل شيء. نحن نخدع أنفسنا، وهم يفعلون المثل. هم يكذبون حول التاريخ ونحن بشأن الحقيقة. فدائماً ما نقول: نحن أقوياء، ما زلنا أحياء، علينا مواصلة القتال حتى أنفاسنا الأخيرة. لا، هذا ليس صحيحاً”.     

اجتاحت الضفة الغربية انتفاضة ضد الحكم الإسرائيلي. ومنذ حينها أصبحت أهدأ، ومع ذلك لم يؤدِ تحقيق الحد الأدنى من التطوير الاقتصادي وفصل السلطات عن الإسرائيليين إلى الوصول لحل سياسي مرضٍ لكلا الطرفين.           

واشتكى الأخوان، رامح ورند، من أنَّ السلطة الفلسطينية نشرت نزعة استهلاكية كنوع من المخدّر.

وقال رامح، وهو ناشط وموظف سابق في البلدية، إنَّ شعب جنوب إفريقيا استمر في القتال ضد نظام الفصل العنصري، في حين انخرط الشعب الفلسطيني في “الاعتناء بنفسه”، وأخذ قروضاً لشراء منازل وسيارات وتأسيس أعمال، متخلياً عن الصراع القومي”.

وأضاف: “يوجد في نابلس نحو 400 مطعم. لماذا؟ ليس لدينا سياح هنا”.

وأوضح الأخوان أنَّ الفجوة بين الأثرياء والفقراء تتسع، إضافة إلى أن العائلات التابعة لحماس وتلك التابعة لفتح لا تتحدث أبداً مع بعضها. ولا يهتم الساسة سوى بأنفسهم”.       

وقال رند: “فقدنا نسيجنا الاجتماعي. ولدينا أيضاً أزمة قيم”. ويرى الأخوان أنَّه يجب على الأفراد والعائلات والمجتمعات أن تعالج أزمة القيم هذه قبل أن يتمكن الفلسطينيون من تحقيق أي شيء بوصفهم أُمة.      

بمرور الوقت ستعتاد الوضع

لم تكن دينا تيتي تعرف ما الذي ينقصها أثناء نشأتها في الأراضي الفلسطينية في ظل اتفاقية أوسلو، إلى أن وصلت إلى مدينة ديترويت الأمريكية، حين كانت طالبة تبادل ثقافي، ثم أخذتها السيارة إلى مدينة توليدو دون التعرض ولو مرة واحدة  لـ “إهانة” التوقيف عند نقطة تفتيش، أو التفتيش الذاتي أو التدقيق في بطاقة الهوية، بحسب الصحيفة الأمريكية.  

وعادت إلى توليدو للالتحاق بالجامعة حيث استمتعت بإجراء رحلات برية طويلة.  

وقالت دينا، التي ولدت عقب توقيع اتفاقية أوسلو، إنَّ السلطة الفلسطينية لقنَّت الناس “ألا يشككوا في أي شيء”، لكنها تعلمت التفكير الناقد في الولايات المتحدة.    

وحينما عادت إلى الضفة الغربية، منذ سنتين تقريباً، زالت الغشاوة من على عينيها.   

وأضافت: “في الولايات المتحدة، كنت دوماً قادرة على التخطيط للمستقبل. أما هنا فنتبع أسلوب النجاة. نحاول فقط اجتياز اليوم بسلام”.

وتابعت: “اعتدت التخطيط لكل شيء، لشهور ولأسابيع مقدماً. أما هنا فلا يمكنني حتى وضع خطط للغد. لكن في الوقت نفسه، وبكل حزن وأسف، هنا بمرور الوقت، تعتاد على الوضع”.           

ومع إدراكها لطبيعة حياتها وما تفتقده، بات والدها متيقظاً لحقيقة فشل العملية السياسية، وللمخاوف التي أصبحت محل لهفته لمستقبل أفضل.

وقال: “لا أحد يود العودة لأيام الانتفاضة”، مشيراً إلى الانتفاضة التي اشتعلت منذ عقدين مضيا. لكن حين تكون الحياة والأمل مغلولين، فهذا يدفع الناس في ذلك الاتجاه.       

وستكون هناك لحظات متأججة: ماذا سيحدث عقب وفاة أو استقالة محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية الثمانيني؟ ما الذي سيحدث إذا لم تسهم خطة سلام إدارة ترامب المُرتقبة منذ زمن إلا في تعزيز الهيمنة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

أجاب تيتي بهدوء: “سيكون هناك حمام دماء”.  

أما الكابوس الذي يراود ابنته فمختلف: “إسرائيل ستسعى لطرد الفلسطينيين جميعاً من الأرض للأبد”.   

وقالت دينا: “أخشى من المستقبل. وهذا مخيف”، ثم توقفت لبرهة وأضافت: “أتمنى لو بإمكاننا الذهاب برحلة برية. سيكون هذا رائعاً”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top