ثمن باهظ ينتظره ترامب من السيسي وبن زايد نظير تأييده لحفتر.. والفلسطينيون هم الضحية

ليبيا أصبحت على شفا حرب شاملة قد تُكرر السيناريو السوري، والسبب هو تأييد ترامب لحفتر.

فقد تسبب التأثير المصري والإماراتي على دونالد ترامب في فوضى بالسياسة الأمريكية إزاء ليبيا في الوقت الذي تواجه فيه طرابلس هجوماً وتقف فيه البلاد على حافة حرب شاملة مرة أخرى، حسب تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

تحوُّل مفاجئ في السياسة الأمريكية عقب اجتماع ترامب مع السيسي

تحوّل موقف وزارة الخارجية من تأييد قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يطالب بوقف الأعمال العدائية وإنهاء الهجوم على العاصمة الذي يشنه اللواء خليفة حفتر القادم من شرق ليبيا، ليصير هذا الموقف تهديداً باستخدام حق النقض ضد القرار نفسه بعد أيام قليلة.

جاء التغيُّر المفاجئ في السياسة عقب اجتماع لترامب مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ومكالمة هاتفية مع ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، وهما الداعمان الرئيسيان لحفتر.

أقنع الرجلان ترامب بالتواصل مع حفتر وبعد ذلك بإصدار بيان يمتدحه فيه، وذلك حسبما قال مسؤولون ودبلوماسيون سابقون. وحسبما أوردت وكالة Bloomberg الأمريكية.

فقد عبَّر ترامب ومستشار الأمن القومي في إدارته، جون بولتون، عن دعمهما لهجوم حفتر، وهو ما يتعارض مباشرة مع بيان سابق صادر قبل أيام قليلة من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو.

طالبت وزارة الخارجية الأمريكية بوقف الأعمال العدائية في ليبيا والعودة إلى الوساطة السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لكن البيان لم يفِد كثيراً في توضيح الغموض المحيط بمبادرة ترامب الشخصية الرامية إلى دعم حفتر.

قال متحدث باسم وزارة الخارجية في بيان مرسل عبر البريد الإلكتروني الإثنين 29 أبريل/نيسان: “السلام والاستقرار الدائمان في ليبيا لن يأتيا إلا من خلال حل سياسي. ندعو جميع الأطراف للعودة بسرعة إلى الوساطة السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، والتي يعتمد نجاحها على وقف الأعمال العدائية في طرابلس وما حولها”.

لماذا يسعى ترامب لإرضاء السيسي وبن زايد لهذه الدرجة؟ فتِّش عن صفقة القرن

تضرب ليبيا أحدث مثال في قائمة طويلة من قضايا السياسة الخارجية والأمن العالمي التي قلب فيها ترامب رأساً على عقب سياسةً أمريكيةً قائمةً منذ عهد طويل، ودون استشارة تُذكر مع حلفائه أو بقية أعضاء إدارته.

وهذه المرة، قال الدبلوماسيون الأوروبيون إن ترامب تخلى عن الموقف الرسمي للولايات المتحدة الداعم للحكومة الليبية المدعومة من الأمم المتحدة والمحاصرة في طرابلس والداعي إلى وساطة أممية؛ بهدف إرضاء داعمي حفتر المصريين والإماراتيين.

يسعى الرئيس الأمريكي لحشد تأييد الدولتين أملاً في إنجاح خطة سلام إسرائيلية-فلسطينية مُؤجلة منذ عهد طويل برعاية صهره غاريد كوشنر، يُنتظر كشف النقاب عنها بنهاية رمضان في يونيو/حزيران.

ترامب هاتَف حفتر سراً، وبن زايد أقنعه بالإعلان عن المكالمة

وأفاد دبلوماسيون مطلعون على المحادثات بأن السيسي استخدم زيارة البيت الأبيض في التاسع من أبريل/نيسان ليطلب من ترامب إظهار الدعم لحفتر، بعد أن صوَّره إلى الرئيس الأمريكي بأنه يقود القتال ضد الإرهاب في ليبيا.

هاتف ترامب حفتر في 15 أبريل/نيسان، لكن البيت الأبيض أبقى على سرية المحادثة، حسبما قال مصدر، حتى شجع محمد بن زايد، ترامب ليعلن تأييده، كي يشجع الانشقاقات بين الميليشيات الليبية العديدة لصالح مسعى حفتر.

كشف البيت الأبيض جزءاً من المحادثة بين ترامب وحفتر في 19 أبريل/نيسان، إذ امتدح الرئيس الأمريكي القائدَ العسكري الليبي  لـ “دوره العظيم في مكافحة الإرهاب”.

والخارجية الأمريكية لم يكن لديها علم بالاتصال!

وقال مسؤول أمريكي سابق: “لم يكن لدى وزارة الخارجية معرفة مسبقة بالمحادثة، ولم يكن هناك نقاش حول السياسة، وليس لدى الولايات المتحدة الآن سياسة متسقة حول ليبيا؛ لأنه لم يكن هناك مراجعة للسياسة، بل مجرد سلوك قائم على المعاملات من عائلة ترامب”.

وفي الأيام اللاحقة للمكالمة، غيَّرت الولايات المتحدة موقفها إزاء ليبيا تغييراً جذرياً.

تأييد ترامب لحفتر
حفتر إلى جانب الشيخ محمد بن زايد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي/ رويترز

هددت البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة باستخدام حق النقض ضد قرار صاغته المملكة المتحدة وصدر عن مجلس الأمن، يطالب بإنهاء هجوم حفتر ووقف فوري للأعمال العدائية.

شكَّل التهديد صدمة لحلفاء الولايات المتحدة، نظراً لأنه لم تمر إلا أيام قليلة على تشجيع وزارة الخارجية الأمريكية للمملكة المتحدة من أجل صياغة القرار، إضافة إلى أن بومبيو قد أصدر بياناً رسمياً يرفض فيه انتزاع حفتر للسلطة.

وأصبح الموقف الأمريكي أكثر تأييداً لحفتر من روسيا

وقال دبلوماسي أوروبي: “لقد جاء الضوء الأخضر من مسؤول كبير في الدولة. وكان هناك تحوُّل كُلي في غضون أسبوع. انتقلوا من منحه (القرار) الضوء الأخضر إلى معارضته كلياً. لم يكونوا يقولون: نعتقد أنها فكرة سيئة. بل قالوا: سوف نستخدم حق النقض معه. لا نريد لأي قرار أن يمضي قدماً”.

وأضاف الدبلوماسي أن الولايات المتحدة كانت أكثر تصلباً في موقفها من روسيا، التي طلبت تعديلات ليكون القرار أكثر “اتزاناً” وأقل صراحة في معاداة حفتر، لكنها لم تصل إلى حد التلويح باستخدام حق الفيتو.

ومجلس الأمن القومي لم يعد يعرف ماهية السياسة الأمريكية تجاه ليبيا

وعندما سُئل مجلس الأمن القومي الأمريكي عن السياسة الخارجية للإدارة، الإثنين، أحال الأمر إلى وزارة الخارجية وأصدر بياناً يعرب مجدداً عن تأييد وقف الأعمال العدائية.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية، في بيان مرسل عبر البريد الإلكتروني: “السلام والاستقرار الدائمان في ليبيا لن يأتيا إلا من خلال حل سياسي. ندعو جميع الأطراف للعودة بسرعة إلى الوساطة السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، التي يعتمد نجاحها على وقف الأعمال العدائية في طرابلس وما حولها”.

غير أنه لم يكن هناك تفسير لمعارضة الولايات المتحدة لأي قرار صادر عن الأمم المتحدة، أو دعم ترامب الصريح لحفتر، الذي حصل على الجنسية الأمريكية بعد قضاء وقت في منفاه خلال عهد الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، والذي اُتهم بارتكاب جرائم حرب.

إنه قذافي جديد وليس لينكولن.. حفتر يُفسد مؤتمراً للمصالحة تقوده الأمم المتحدة

استبق حفتر بهجومه مؤتمراً كان سيُعقد بوساطة من الأمم المتحدة وعرقله، بعد أن نظمه مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، وكان من المنتظر عقده في مدينة غدامس.

وحذر سلامة خلال زيارته باريس من دعم بلاد غربية لحفتر.

وفي حُكمٍ قويٍ على الرجل وعلى غير المعتاد بالنسبة لوسيط للأمم المتحدة، قال سلامة: “إنه ليس إبراهام لينكولن، وليس ديمقراطياً إلى حدٍّ كبير… برؤية تصرفاته، يمكننا أن نقلق من أساليبه، لأنه لا يحكم بلين في الأماكن التي يحكمها، بل بقبضة حديدية”.

يعتقد دبلوماسيون قليلون أن من شأن قرار من الأمم المتحدة أن يساهم كثيراً في وقف القتال على الأرض، لكنَّ كثيرين يعربون عن قلقهم من أن غياب رسالة قوية من المجتمع الدولي، بجانب الدعم الواضح من ترامب، يمكن أن يؤديا إلى انشقاقات للانضمام إلى صفوف حفتر والتعجيل بسقوط طرابلس.

والآن ليبيا توشك على تكرار السيناريو السوري مع تأييد ترامب لحفتر

قال فولفغانغ بوستاي، وهو ملحق عسكري نمساوي سابق لدى ليبيا ويعمل الآن مستشاراً أمنياً خاصاً، إن المعركة للسيطرة على العاصمة كانت متوازنة توازناً دقيقاً.

وأضاف بوستاي، الذي يرأس لجنة استشارية للمجلس القومي حول العلاقات الأمريكية-الليبية: “إنها نقطة حرجة”، مضيفاً أن قوات حفتر كانت تتقدم في جبهة من جبهات ضواحي طرابلس، لكنها كانت معطلة في جبهة أخرى وتصدت لها ميليشيا متمركزة في مصراتة في جبهة ثالثة.

قوات حفتر لجأت إلى محاولات القيام بإنزالات بحرية
المواجهات العسكرية تجعل الأوضاع في ليبيا ماساوية/ رويترز

قال جوناثان واينر، وهو مبعوث أمريكي خاص سابق إلى ليبيا، إن آثاراً كارثية قد تنتج عن تحوُّل سياسة أمريكا نحو دعم حفتر؛ إيماناً بأنه قد يُمسي حليفاً موثوقاً في مساعي مكافحة الإرهاب.

وأضاف واينر: “الخطر هنا أن يؤول المطاف بليبيا لتجد نفسها في وضع أشبه بسوريا مع توسع الصراع المدني، وفرار عدد كبير من الأشخاص، وحدوث أزمة إنسانية، وعودة الإرهاب مرة أخرى. نحتاج حلاً سياسياً، وليس حلاً عسكرياً”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top