مشاعر متضاربة بين الحب والغضب، وبين الراحة والعناء توريها سيدة أمريكية عن والدتها التي أقبلت على الانتحار وتخلصت من حياتها، بسبب الصراع الشديد مع المرض النفسي وإدمان الكحول، كما روتها السيدة لموقع BBC Mundo الإسبانيّ التابع لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC).
القصة الحزينة
وبحسب الموقع الإسباني، فبعد ظهيرة يوم الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 1974، ارتدَت الشاعرة الأمريكية آن سيكستون معطف الفرو القديم الذي يعود لوالدتها، وخلعت جميع الخواتم من أصابعها، وسكبت لنفسها عدّة أكواب من بعض المشروبات.
بعدها، أغلقت على نفسها مرآب المنزل، ثم أدارت محرك سيارتها ميركوري كوغار الحمراء من طراز فورد، وبدأت في استنشاق غاز ثاني أكسيد الكربون السّام الذي خرج من أنبوب العادم في السيارة.
آن ذات الخامسة والأربعين عاماً، كان لديها ابنتان، وكانت تلك محاولتها العاشرة للانتحار.. وقد كانت تلك المحاولة الناجحة.
كان هذا آخر ما فعلته في حياة اتّسمت بالمرض النفسي، ودخلٍ أنفقته على مستشفيات الأمراض النفسية، والهوس، وإدمان الكحول وحبها الجامح للشِعر.
بدأت آن كتابة الشعر في عمر التاسعة والعشرين بناءً على نصيحة طبيبها النفسي، وقد حصلت على جوائز عديدة، أهمّها جائزة بوليتزر في عام 1967 عن كتابها Live or Die، الذي كشفت فيه تفاصيل مهمة للغاية عن حياتها، مثل مشاكلها النفسية وحياتها الجنسية وقلَّة حبها لابنتيها.
كانت أكبر الفتاتين، ليندا غراي سيكستون التي وُلدت عام 1953، تبلغ من العمر 21 عاماً عندما انتحرت والدتها، وهي تعترف بأن انتحار والدتها، أخيراً، كان بمثابة راحة كبيرة بعد طفولة جحيمية عانت خلالها من إصابة والدتها بالاضطراب الثنائي القطب، وحب المشروبات الكحولية والجنس، والصراعات المنزلية التي لا تنتهي، وعدم قدرتها على رعاية ابنتيها، اللتين اعترفت عدة مرات بأنها لا تحبهما، كما أساءت معاملتهما في كثير من الأحيان.
لم تتخطّ ليندا كل ذلك فحسب، بل حاولت أيضاً منذ فترة طويلة أن تتفهم وتسامح والدتها.
والدليل موجود في “Buscando Mercy Street”، وهي مذكرات مروّعة تستحضر فيها علاقة الحب/الكراهية المعقدة التي كانت تربطها بوالدتها، وعلى الرغم من نشرها باللغة الإنجليزية في عام 1994، فإنها تُرجمت العام الماضي فقط إلى الإسبانية.
التقى موقع BBC Mundo التابع لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) الابنة التي تخبرنا كثيراً عن هذه التجربة القاسية.
في البداية.. مَن كانت آن سيكستون؟
كانت آن سيكستون من شعراء الاعتراف الأمريكيين، وكانت تكتب من عام 1957 حتى انتحارها عام 1974.
لكن، آن سيكستون كانت والدتك كذلك، كيف كان الأمر بالنسبة لكِ كابنتها؟ ماذا كانت أفضل وأسوأ ذكرياتك عنها؟
كوني ابنتَها كان أمراً معقّداً، وأفضل ذكرياتي عنها كانت عندما التحقت بالمدرسة الثانوية، حينما كنا نعمل معاً في قصائدنا في غرفة الكتابة الخاصة بها خلال فترة ما بعد الظهيرة.
كانت سخيّة وماهرة للغاية في نقدها الذي كان دائماً مهذّباً وصادقاً، وكان هذا الوقت الذي قضيناه معاً لطيفاً ويسوده الدفء.
ترجع أسوأ ذكرياتي مع أمي إلى طفولتي، عندما كانت مريضة نفسيّاً إلى حدٍّ خطير، وكانت تمكث في المستشفى لوقت طويل. كنتُ أشتاق إليها كثيراً وكان الأمر صادماً للغاية بالنسبة لي أن أبتعد عنها بهذا القدر.
خلال ذلك الوقت، تعرضتُ للإيذاء الجسديّ أيضاً، إذ كانت احتياجات الطفلة الصغيرة مرهقة للغاية بالنسبة لها.
في النهاية، أرسلوني للعيش في منزل إحدى عمّاتي، مما أبعدني عن والدتي وهو ما كان محزناً؛ لأنهم كانوا أشخاصاً ذوي مشاعر باردة للغاية، مما جعلني أشعر أنني شخص غير مرغوب فيه وغير محبوب، أردتُ أن أكون إلى جوار أمي، وفي وقت لاحق في حياتنا، كنّا قريبتين للغاية.
انتحرت والدتكِ عندما كان عمرك 21 عاماً، بعد تسع محاولات فاشلة.. هل كنتِ مستعدة لموتها؟ وكيف تعاملت مع الأمر؟
نعم، كنت مستعدّة لموتها، لم يكن فقدانها سهلاً على الإطلاق، حتى لو كان الموت حولنا طيلة الوقت.
كانت محاولاتها المتكررة للانتحار أمراً صعباً بالنسبة لنا جميعاً، وفي النهاية، شعرنا بالارتياح عندما انتحرت. لقد كان وضعاً فظيعاً وقاسياً.
في كتابك، تعترفين أنك كنت تتمنين انتحار والدتك بقدر ما كان يُفزعك ذلك. هل يمكن أن تشرحي لنا ذلك أكثر؟ هل كانت وفاة والدتك بمثابة راحة أم عبء ثقيل؟
كان انتحارها بمثابة راحة وعبء. لا أحد منا كان يريد أن يفقدها، وتمنينا أن تتمتع بصحة جيدة بما يكفي كي تعيش.
لكن في نهاية حياتها كانت أمي مدمنة للكحول، وجعلت كلَّ من حولها يشعرون بالسوء بسبب مرضها وسلوكها وشربها ومحاولاتها المتكررة للانتحار.
عندما كنتُ طفلةً، كان التفكير في موتها أمراً مخيفاً، لكن عندما كنتُ في الحادية والعشرين، أردتُ فقط أن أتوقف عن رؤيتها تعاني.
شعرت بمشاعر مزدوجة عند الخوض في تفاصيل دقيقة في كتابي “Buscando Mercy Street” وفي رحلتي لمسامحتها.
تعرَّضَت والدتكِ إلى أول مرحلة اكتئاب حادٍّ لها بعد أن جاءت بكِ إلى العالم، واعترفت لمعالجها أنها حاولت إغراقكِ، أنتِ، ابنتها، وضربتكِ وكرهتكِ. كيف أثّر عليكِ اكتشاف كل هذا؟ هل شعرتِ بالذنب فيما يتعلق بمشاكلها؟
كان الأمر بالغَ الصعوبة عندما اكتشفت هذه الأشياء. أردتُ فقط أن أشعر في طفولتي أن أمّي تحبني، وليس أنها تكرهني. لكن بمرور الوقت، تقبّلتُ حقيقة أن مرضها هو الذي دفعها للإقدام على فعل هذه الأشياء.
مع مرور الوقت أصبحت علاقتنا حميمة وعاطفية بصورة كبيرة، وفي الوقت نفسه احتضنتني وجعلتني سعيدة. شعرت أن علاقتي معها قد تجدَّدت.
لذلك، بعد انتحارها، كان اكتشافي للمشقّة التي واجهَتها في رعايتي أمراً مؤلماً للغاية. لكن رغم ذلك تمكنتُ من تخطِّي الأمر، والكتابة عن كل ذلك في مذكراتي .
لماذا بدأتِ في الكتابة؟ هل أصبحتِ ناقدةً أدبيةً لوالدتك لأنك كنتِ تبحثين عن دعمها.. وحبِّها؟
بدأت الكتابة لأنني رأيتُ والدتي تكتب، ولاحظت كيف أن ذلك جعلها تشعر بالرضا والسعادة. أردت أن أشعر بذلك أيضاً، لذلك بدأت في كتابة الشعر خلال مراهقتي، ووجدته أمراً مرضياً من عدّة جوانب.
بعد الكلية بدأت في نشر القصص والكتب الخيالية، ووجدتُ متعةً كبيرة في ذلك. نشرتُ قصتين وأربع روايات وثلاث مذكرات. أحبُّ الكتابة وأتوق لها كل يوم.
أودّ أن أضيف أنني تعلَّمتُ أن أنتقد أعمال والدتي، بالطريقة نفسها التي انتقدت بها أعمالي. كانت تقول دائماً إنني كنتُ أفضل ناقد لها، لا أعرف ما إذا كانت مزحة أو أنها كانت تعني ذلك، على أي حال، شعرت بالفخر لذلك دائماً.
لست متأكدة من أنني كنت أبحثُ عن دعمها؛ لقد عملتُ دائماً بجدٍّ على كتاباتي، وفعل ذلك معها كان شرفاً لي.
بعد وفاة والدتكِ، أصبحتِ الوصيّ الأدبيّ على أعمالها، وبالتالي تمكنتِ من الوصول إلى عالمها الأكثر عمقاً. أتصور أنك قرأتِ أشياء مؤلمة للغاية كتبتها عنكِ، ولكن أيضاً هناك أشياء جميلة للغاية.
نعم، أنا الوصيّ الأدبي لأمي. لقد كانت رحلة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لي، وأنا حالياً أكتبُ مذكراتٍ عن تلك الرحلة والعمل الذي أنجزْته حتى الآن.
كان من الصعب بالفعل قراءة الأشياء المؤلمة التي كتبتها عني، لكن كانت هناك أيضاً ذكريات أخرى جميلة ومفعمة بالحب، وتلك هي ما أركز عليه.
هل استطعتِ أن تغفري لها؟
نعم، كانت مسامحتي إياها شيئاً مهماً في حياتي. لقد أحببت أمي، وفقدانها جعلني أشعر بالغضب والراحة. الغضب لأنه أبعدني عنها، والغضب كذلك لأنها دائماً تؤذي نفسها أمامنا دون الاهتمام بمشاعرنا.
ومع ذلك، أعتقد أيضاً أن لها الحق في إنهاء ألمها الرهيب. أعتقد أن كلَّ إنسان له الحق في إنهاء حياته عندما تصبح الأمور بهذا السوء. هي الآن في سلام، أنا على يقين من ذلك.
أبنائي هم نور حياتي، لا أستطيع أن أتخيل العيش في هذا العالم دونهم. أعتقد أنني كوَّنت أسرةً متقاربة للغاية، جميعنا ندعم بعضنا البعض، ونحن دائماً معاً عندما تتعقد الأمور.