قطر تنجح في فرض هدنة بين غزة وإسرائيل.. وتل أبيب تريد من القاهرة دوراً أكبر

نجحت الوساطة القطرية في وقف الحرب بين فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وإسرائيل بعد يومين داميين خلَّفا أكثر من 20 ضحية فلسطينية وعدداً من القتلى الإسرائيليين.

وقال مصدر خاص لـ “عربي بوست”، الإثنين 6 مايو/أيار 2019، إن قطر والاستخبارات العامة المصرية والمبعوث الأممي لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، لعبوا دوراً لوقف القتال، إذ دفعوا الفصائل في غزة والجيش الإسرائيلي إلى وقف العملية العسكرية بشكل مؤقت.

لكن إسرائيل ترى أن وقف إطلاق النار بهذه الصيغة ليس كافياً؛ إذ تريد من القاهرة لعب دور أكبر من ذلك، بحسب تحليل كتبه تسفي برئيل، محلل شؤون الشرق الأوسط بصحيفة Haaretz الإسرائيلية.

وقضى رئيس المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، ثلاثة أيام مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في غزة يحيى السنوار، والأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة، من أجل التوصل إلى هدنة بين غزة وإسرائيل والتي تم الاتفاق عليها بالفعل بوساطة قطرية ودور مصري، لكن دون أن تحدد ملامحها.

وكانت رحلة كامل تهدف إلى دفع حماس والجهاد الإسلامي إلى التنسيق والالتزام بالاتفاقات التي توصلتا إليها قبل ثلاثة أشهر والوقف الفوري لإطلاق النار على إسرائيل، والحد من مسيرات الاحتجاج على طول السياج الحدودي، ووضع أسس المرحلة المقبلة من التهدئة الأطول أجلاً وإعادة التأهيل الاقتصادي لغزة، بحسب الصحيفة الإسرائيلية.

أما على الجانب الآخر، يتعين على مصر أن تتعامل مع تراجع إسرائيل عن –أو عدم التزامها الكامل بتطبيق- الاتفاقات، واستئناف توصيل المعونات الخارجية لقطاع غزة، والعودة إلى حدود الـ15 ميلاً (24 كيلومتراً تقريباً) لمنطقة الصيد وتخفيف الحصار بصورة كبيرة.

لكن بحسب الصحيفة الإسرائيلية، فإن المجال الزمني أمام إسرائيل ضيق. فهناك مناسبات مقبلة تتمثَّل في ذكرى قيام إسرائيل، وهو الذي يوافق ذكرى النكبة (للفلسطينيين)، ناهيك عن مسابقة يوروفيجن الغنائية المرتقب إقامتها في إسرائيل والتي تحاول الفصائل الفلسطينية استغلالهما لتحقيق تنازلات من قبل تل أبيب.

فمصر تحاول أيضاً تحقيق هدف أكبر: مصالحة بين حركتي فتح وحماس من شأنها السماح بعمل حكومة توافق فلسطينية في غزة، حكومة يمكن أن تدير المعابر الحدودية وتولي مسؤوليات الإدارة المشتركة لغزة والضفة الغربية واستقبال المساعدات الأجنبية الضرورية للمساعدة في إعادة تأهيل غزة.

مصر في موقف صعب!

عودة اليهود إلى البلدان العربية
السيسي قال إنه سيبني كُنُساً جديدة إذا عاد يهود البلاد/ رويترز

وبحسب الصحيفة الإسرائيلة، فهنا يكمن وجه الصعوبة الرئيسي الذي يعترض مصر؛ إذ يتعارض هذا الهدف مع السياسة الإسرائيلية، التي عملت طوال سنوات لفصل غزة عن الضفة الغربية بُغية إحباط عملية السلام اعتماداً على أساس أنَّ السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس لا يُمثِّلان كل الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية، وبالتالي لا يمكن أن يكون طرفاً في المفاوضات. وأثناء زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الأخيرة إلى واشنطن، قدَّم خطةً للوحدة الفلسطينية باعتبارها عنصراً ضرورياً لدفع “صفقة القرن”، التي يعتزم ترامب طرحها بعد شهر رمضان، في حين أنَّ إسرائيل مهتمة بإبقاء الانقسام الفلسطيني باعتباره عقبة في طريق الخطة المرتقبة.

لا تؤثر الفجوة الاستراتيجية بين مصر وإسرائيل بخصوص مسألة المصالحة الفلسطينية على قدرة مصر على الوساطة حالياً والتي انتهت بفرض التهدئة العسكرية، ولا تُقدِّم هذه الوساطة كشرط من أجل موافقة إسرائيل على المصالحة الفلسطينية. إذ يخدم الهدوء في غزة مصالح مصر، ويسمح باستمرار التعاون العسكري بين مصر وإسرائيل، الذي تضطلع فيه حماس بدور مهم في الحفاظ على الحدود بين القطاع ومصر، وليس فقط بين القطاع وإسرائيل.

وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، يُعَد الحوار بين مصر وحماس ضرورياً أيضاً لوقف محاولات إيران إعادة حماس إلى مجال نفوذها وتجديد تعاون الحركة مع حزب الله. وقام صالح العاروري، نائب إسماعيل هنية، بتلميحاتٍ في هذا الاتجاه، فالتقى مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في بيروت في مارس/آذار الماضي. وليس واضحاً ما إن كانت التلميحات ستؤتي ثمارها أم لا، وما إن كان هنية والسنوار سيوافقان عليها، لكنَّها جدَّدت القلق بشأن تدخُّل إيران، التي تدعم حركة الجهاد الإسلامي وقطعت صلاتها مع حركة حماس منذ الحرب الأهلية في سوريا.

حماس تفهم دورهاً جيداً

مبادرة اسماعيل هنية لانهاء الانقسام
رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية/رويترز

ويُعزِّز طيف إيران و” صفقة القرن” وضعية حماس باعتبارها حركة تلعب دور الدولة بخطوات سياسية أهم بكثير من إطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل. تدرك مصر هذه الوضعية وأسهمت بصورة كبيرة في صقلها لأنَّها، شأنها شأن إسرائيل، تضع مصالحها الأمنية مُقدَّمةً على كل الاتفاقات الأخرى، وهي تماماً مثل إسرائيل مهتمة باتخاذ خطوات مع فاعلٍ واحد مسؤول وليس مجموعة كاملة من التنظيمات. لكنَّها بحاجة إلى قليل من العملة الاقتصادية للحفاظ على مكانة حماس السياسية وقدرة مصر على التمتُّع بنفوذ عليها. ولدى حماس والقطاع بادرات ومساعدات إنسانية أكثر من كافية، بحسب الصحيفة الإسرائيلية.

وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، تطالب حماس بترجمة المسؤولية التي تمنحها لها مصر وإسرائيل إلى رفع الحصار عن قطاع غزة، والسماح بإدخال مواد البناء، وإنشاء محطة وقود ومحطات توليد طاقة وميناء بحري، وجلب استثمارات أجنبية لبناء مصانع، فهذا هو الأساس الذي قد يسمح لحماس بتحقيق إنجازات، وكذلك لمواجهة الرأي العام الذي أظهر بالفعل استعداده للاحتجاج في الشوارع، حتى في الأوقات العصيبة. وتحمل مصر نفس هذا التصور، والدافع وراء هذا الموقف لا يتمثَّل فقط في التداعيات السياسية والاقتصادية لهذا.

معضلة إسرائيل مع مصر

وتتضمَّن الاتفاقات التي توصلت إليها مصر وحماس وإسرائيل تأسيس مناطق صناعية في سيناء سيكون الغزيون قادرين على العمل فيها، وبالتالي ضمان وظائف لسكان سيناء. وستُوفِّر إعادة تأهيل غزة عملاً للشركات المصرية وسيؤدي تخفيف الحصار –وبالطبع رفعه- إلى تحويل غزة إلى مركز تجاري للبضائع المصرية. لكنَّ الجهد الدبلوماسي المصري يهدف لإقناع إسرائيل بالعلاقة الوثيقة بين التنمية الاقتصادية وتقديم ضمانات للتهدئة الأمنية، وفي الوقت نفسه لا تستطيع مصر ضمان أن تؤدي هذه المعادلة إلى منع إطلاق النار تماماً.

وهنا تكمن المعضلة الإسرائيلية؛ إذ يُنظَر إلى مصر باعتبارها شريكاً وليس مجرد وسيط. وهذه الفكرة تفرض على مصر مسؤوليات لا تريد ولا تستطيع تحقيقها. إنَّ الضغط على حماس والجهاد الإسلامي شيء مهم، لكنَّ ضمان الهدوء سيتطلَّب من مصر أن تصبح أكثر انخراطاً في غزة، وربما إغلاق معبر رفح والظهور بمظهر الشريكة لإسرائيل في الحصار. غير أنَّ وضعية مصر كطرف وسيط يتطلَّب منها تحقيق نتائج لإسرائيل وحماس، وهو ما سيمنحها القدرة والنفوذ لدفع الخطوات التالية، لاسيما التهدئة طويلة الأجل، بحسب الصحيفة الإسرائيلية.

إنَّ الأطراف الثلاثة الآن –مصر وإسرائيل وحماس- على أعتاب دخول مرحلة جديدة، وكلٌ منها مدعوم بفرضية أنَّ أيَّاً من الأطراف الثلاثة، خصوصاً إسرائيل، لا مصلحة له في نشوب حرب شاملة. ولا يملك أيٌ من الأطراف الثلاثة القدرة على تقييم متى قد يتسبَّب الإحباط واليأس والغضب في غزة وإسرائيل في تحطيم بوابات الفرضيات المتفائلة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top