قصة الحارس العبقري الذي أنقذ آخر أهرامات مصر بدبابة وهمية

يسميها السكان المحليون المدفونة، وتحتوي على أقدم المقابر الملكية المعروفة في مصر، وهي أيضاً موطنٌ لواحدٍ من أقدم المباني المشيدة بالطوب اللبن في العالم، وقد شهدت عملية بطولية نفذها حارس أسواني عبقري حمى آخر أهرامات مصر.

كان علماء الآثار يعملون إلى الغرب من الأحياء السكنية، في هذه المقبرة القديمة يسميها القرويون “المدفونة”، التي تقع قرب أبيدوس بمحافظ سوهاج بجنوب البلاد التي يُعتقد أنها أقدم عواصم مصر.

بيتر هسلر الكاتب بمجلة The New Yorker، روى في مقال نشره بموقع The Daily Beast الأمريكي قصة غريبة لما حدث لهذا الموقع الأثري الهام خلال ثورة يناير.

لا أحد يعرف سبب إنشاء هذا المبنى القديم، ولكنه تعرض لخمسة آلاف عام من النهب

يعود تاريخ هذا البناء إلى حوالي عام 2660 قبل الميلاد، وله جدران ارتفاعها 40 قدماً (12 متراً) تشكل سياجاً مستطيلاً ضخماً. ولا يعرف أحد على وجه اليقين الغرض الأصلي لهذا الهيكل. ويعد الاسم العربي المحلي لهذا البناء “شونة الزبيب” لغزاً آخر.

وقد خمن الناس، في فتراتٍ زمنية مختلفة، أنَّ هذا المكان كان في السابق مستودعاً للبضائع أو الحيوانات. واقترح أوغوست مارييت، وهو عالم آثار فرنسي عمل بالمنطقة في منتصف القرن التاسع شعر، دون ذكر أي دليل أنَّ هذا الهيكل “مخفر شرطة من نوع ما”.

وتبدو هذه النظرية إسقاطاً لمخاوف مارييت بشأن النهب، الذي كان مشكلةً في أبيدوس لفترة استمرت حوالي 5 آلاف سنة.

وفجأة تم إحراق مبنى الحزب الوطني

في الثامن والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، في القاهرة، في اليوم الرابع من أيام الربيع العربي المصري، تجمع عشرات الآلاف في ميدان التحرير، وأضرم أحدهم النار في المقر الخاص بالحزب الوطني التابع للرئيس حسني مبارك بالقرب من الميدان.

أما في أبيدوس، فقد كان فريق جامعة براون قد عاد بالفعل إلى بلاده، والآن وصلت مجموعة أخرى من علماء الآثار من معهد الفنون الجميلة بجامعة نيويورك. كانت هذه المجموعة تُرمِّم أجزاءً من شونة الزبيب، أو “الشونة” كما يُطلق عادةً على هذا الهيكل،

وكان هذا الفريق يقوده عالم آثار يدعى ماثيو آدامز في الثامنة والأربعين من العمر، يتميز بالمظهر الأسمر المعتاد لأي غربي أمضى مسيرته المهنية في الصحراء. كانت أذناه وخدوده حمراء، وحدود قميصه تركت علامات احمرار دائمة عند رقبته وصدره، يشكل حرفاً هيروغليفياً على شكل حرف “V”، يميز علماء المصريات.

لقد بدأ الرجل مسيرته مع مبارك

مثلت المسيرة المهنية لآدامز في أبيدوس توازياً دقيقاً مع فترة نظام مبارك. إذ عمل هذا الأمريكي أولاً في المقبرة في خريف عام 1981، بوصفه متدرباً جامعياً. وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، بعد وقتٍ قصير من بداية موسم التنقيب الأثري، اغتيل الرئيس أنور السادات أثناء عرضٍ عسكري في القاهرة.

ورُقِّيَ مبارك، بعد الاغتيال من نائب الرئيس إلى المنصب الأعلى، وبقيت العاصمة مستقرة. وباستثناء زيادة حضور الشرطة، لم يكن ثمة تأثير ملحوظ على أبيدوس. ولما كان آدامز متدرباً، فقد أُنيطت به مهمة متواضعة تمثلت في فرز آلاف قطع الفخار القديم. وما يزال آدامز يذكر خريف عام اغتيال السادات بوصفه أكثر المواسم التي قضاها في مصر مللاً.

رفض مغادرة المكان عندما قامت الثورة

أثرت هذه التجربة على استجابة آدامز لبدايات مظاهرات التحرير. وكذا، فعندما بدأ مديرو جامعة نيويورك الحديث عن إخلاء الفريق، رفض آدامز، إذ كان يعرف أنَّ احتمالات النهب ستزداد لو غادر الأجانب المنزل الذي أقاموا فيه بموقع الحفر في منطقة المقبرة. لكن في الأول من شهر فبراير/شباط 2011، تجمع ما لا يقل عن 200 ألف شخص في التحرير.

وكان رجال الشرطة يتخلون عن مواقعهم في جميع أنحاء البلاد، واجتاحت حشودٌ عدداً من السجون. وفي سجن وادي النطرون، في الصحراء الواقعة في الشمال الغربي من القاهرة، حرر المهاجمون مئات المجرمين والسجناء السياسيين والإسلاميين، بما في ذلك قائدٌ بجماعة الإخوان المسلمين يُدعى محمد مرسي (أصبح رئيساً فيما بعد).

بعد اجتياحات السجون هذه، قرر آدامز إخلاء الموقع. استغرق الأمر 3 أيام للتنسيق مع طائرة مستأجرة لنقل الفريق مباشرةً من الأقصر إلى أثينا. وفي الطريق إلى المطار، حاول علماء الآثار التوقف وشراء الطعام من ماكدونالدز، لكنَّ أحد آثار الثورة أنَّ اللحم كان قد نفد من فرع ماكدونالدز في الأقصر.

وظهر اللصوص فاتصل الحراس بالشرطة ولكن لا مجيب لنداءاتهم

وفي غضون ساعاتٍ من مغادرة الأجانب، ظهر النُّهابون في المدفونة.

كان الموقع قد وظف حراساً خصوصيين، وهؤلاء كانوا عادةً يتصلون بالسلطات في حالة وقوع مشكلة خطيرة، لكنَّ الشرطة لا تستجيب الآن.

طارد الحراس اللصوص الأوائل، وبعد ذلك بساعاتٍ قليلة، في الساعة الثانية صباحاً، وصلت عصبة أكبر من الرجال. كانت وجوههم مغطاة بالأقنعة، وكانوا يحملون أدوات الحفر. واجه اللصوص الحراس، وحذروهم من أنَّهم سوف يُقتلون إذا لم يغادروا الموقع.

ولكن هذا البطل الأسواني عرف كيف ينقذ الموقف

كان الموقع تحت إدارة شخص يُدعى أحمد رجب، وهو رجل هادئ ومؤهل في الأربعين من عمره، جاء من أسوان في أقصى الجنوب. إذ كان من الشائع في المواقع الأثرية المصرية أن يعين الأجانب مديراً من جزءٍ آخر من البلاد، ليكون حراً من الضغوط المحلية من الأسرة والقبيلة.

وقد عرف أحمد أنَّ هذه الضغوط ذاتها تمثل أيضاً أفضل آماله ضد اللصوص، الذين كان الكثير منهم يحملون البنادق، لكنَّهم ما داموا من أبيدوس، فلن يجرؤوا على إطلاق النار على حراس الموقع العزّل. ومع ذلك، فلو وصل لصوص أغراب، فربما لا يشعرون بالقيود ذاتها.

 ولم يكن يخشى سرقة القطع الأثرية بل ما يخاف على ما هو أهم

بالنسبة لأحمد، لم يكن الخوف متعلقاً إلى حدٍ كبير بسرقة القطع الأثرية. فبعد آلاف السنين من النهب، وبعد أكثر من قرنٍ من التنقيب الأثري الاحترافي، فإنَّ القطع القيمة التي يسهل العثور عليها قد استُخرجت بالفعل من المقبرة.

لكنَّ اللصوص لا يفهمون ذلك قط، ومن خلال الحفر بسرعةٍ في الظلام، كان من المرجح أن يتلفوا الهياكل القائمة تحت الأرض التي لم تُدرس بشكلٍ مناسب بعد. ولا بد أنَّ الكثير من اللصوص قد سمعوا عن التماثيل والقطع المعدنية المستخرجة حديثاً، لأنهَّم استهدفوا موقع هذه المكتشفات.

وازداد الأمر سوءاً عندما الإعلان عن تنحي مبارك

حارس أسواني بسيط حمى آخر أهرامات مصر
اعتصام شباب ثورة 25 يناير في ميدان التحرير/Reuters

وفي الحادي عشر من شهر فبراير/شباط، ظهر رئيس المخابرات العامة المصرية الأسبق عمر سليمان على شاشة التلفزيون الوطني، وأعلن أنَّ مبارك قد تنحى عن منصب الرئاسة. وفي الوقت نفسه تقريباً، بدأ لصوصٌ أغراب في الوصول إلى مقبرة “المدفونة”، وكان بعضهم متأثراً بتقاليد المعتقدات السحرية العتيقة في صعيد مصر. ففي إحدى الليالي، ألقى الحراس القبض على لصٍ صغير من نجع حمادي، وهي بلدة على بعد أكثر من ساعة إلى الجنوب، واستجوبوه.

قال الشاب الصغير إنَّ شيخاً في قريته قد تنبأ وأعلن أنَّ كنزاً يمكن العثور عليه في أبيدوس. حاول أحمد التواصل مع الشرطة، لكنَّها لم تكن تستجب، لذا فقد أطلق الحراس سراح اللص.

وبالإضافة إلى امتلاك أحمد لمهاراتٍ إدارية، فقد كان يجيد استعمال المطرقة والمنشار. فقرر أنَّ ثمة شيئاً أخيراً يمكنه عمله للدفاع عن الموقع. فجمع بعض الخشب في، وبعض المسامير والطلاء، وبدء العمل.

عمل من شأنه إنقاذ واحد من أهم آثار مصر.

الحضارة التي نشأت على حافة أكبر صحراء في العالم

قسم المصريون القدماء بلادهم أول الأمر إلى قسمٍ علوي وقسمٍ سفلي، وهو تصنيف يربك المعاصرين الذين يوجهون أنفسهم باستخدام البوصلة لا النهر. فوفقاً لتقسيم القدماء، الجنوب في الأعلى، والشمال في الأسفل: وكذا، فقد كان ينبغي إعادة ضبط الخيال في هذا الجزء من البلاد.

حتى المصطلحات الأساسية في الجغرافيا المصرية صعبة الفهم. ففي صعيد مصر، نحت النيل ممراً ضيقاً وصولاً إلى هضبة إفريقيا الشمالية، وفيه يستقر 30 مليون شخص، أي  أكثر من عدد سكان لبنان والأردن وإسرائيل وليبيا مجتمعين. لكنَّ جميع أولئك المصريين من أهل الصعيد يتركزون في وادٍ يبلغ عرضه في معظم الأماكن أقل من 10 أميال.

وهذا النطاق الأخضر، الذي يشبه واحة نحيفة ممتدة، محاطٌ بصحراء شاسعة إلى درجة أنَّها تبدو لا نهائية.

لذا في أبيدوس، لو بدأت من ضفاف النيل وتوجهت غرباً، فسوف يكون النهر التالي الذي تواجهه في جنوب فلوريدا (كناية لعدم وجود أنهار في الصحراء الكبرى باستثناء النيل).

هناك تبدأ الحياة الآخرة

تمثل المدفونة أول خطوة في هذا الفراغ الشاسع. إذ تقع على منحدر صخري عريض بعد الأرض المزروعة مباشرة، حيث يبدو الانتقال من الطين إلى الرمال واضحاً كما لو كان حدوداً مرسومةً على خريطة. ليست هناك أي قرى في المدفونة، وتقريباً لا شيء ينمو هناك.

وتستمر رقعة الرمال والحصى لتشغل ما يقترب من ميل، حتى الجدار الغربي للممر الضيق. يرتفع هذا المنحدر 500 قدم، ويكسره أخدودٌ واحد، يسمى الوادي، ينتهي إلى هضبة إفريقيا الشمالية. وقد كان يُعتقد، في العصور القديمة، أنَّ هذا الوادي هو مدخل الحياة الآخرة: إذ كانت الأرواح تتبع الأخدود وصولاً إلى مغرب الشمس الغامض.

 بنت السلالة الأولى من الملوك الذين وحدوا مصر مقابرهم بالقرب من فم الوادي. وكانت أقدم الكلمات المكتوبة المعروفة في مصر، التي تعود إلى حوالي العام 3300 قبل الميلاد، قد اكتُشفت في هذه القبور، إذ نُقشت الهيروغليفية على ألواح صنعت من العاج، لأنَّ الأفيال في تلك الأيام كانت ما تزال تجوب المرتفعات المصرية.

وبحلول بداية الأسرة الأولى، حوالي سنة 3000 قبل الميلاد، كان الملوك يحكمون بالفعل من مكانٍ قريب من القاهرة الحالية، حيث كان من الأسهل التحكم في كلٍ من مصر العليا والسفلى. لكنَّهم عادوا إلى تشييد المقابر وتنفيذ الشعائر في أبيدوس، التي يُعتقد أنَّها كانت موطن أجدادهم.

وفي نهاية المطاف، أصبحت المقبرة موقعاً للحج، إذ كان الناس يأتون من جميع أنحاء مصر للمشاركة في مهرجانٍ للإله أوزيريس كان يُعقد سنوياً لأكثر من ألف عام. ودعا المصريون القدماء هذا المكان “شرفة الإله العظيم”. كان المكان معزولاً لكن يمكن الوصول إليه، وغامضاً، لكنَّه ظاهر، وخالٍ من الحياة، لكنَّه مزين بزخارف ملكية وسماوية تبث فيه الحياة. ويصفه ماثيو آدامز بأنَّه مسرح من نوع ما، والمدفونة هي خشبة المسرح، والمنحدر الصخري هو الخلفية، والقرى هي الجمهور. والممثلون الأوائل الذين اعتلوا هذا المسرح هم الملوك الذين حددوا جوهر السلطة السياسية.

قصة الصندوق الغامض.. حارس أسواني بسيط حمى آخر أهرامات مصر

وفي الأسبوع الذي أُجبر فيه مبارك على ترك منصبه، بنى أحمد صندوقاً خشبياً مستطيلاً كبيراً في باحة الموقع. كان طول الصندوق 13 قدماً (4 أمتار) وارتفاعه 6 أقدام (1.8 متر)، وترك جزءه السفلي مفتوحاً باستثناء سلسلةٍ من الدعامات الداخلية. وكانت الجوانب ملساء. ودهن أحمد الصندوق باللون الأزرق الداكن الضارب إلى السواد.

في الوقت ذاته تجرأت مجموعة من النهاب إلى درجة أنَّهم قادوا جرافةً إلى المدفونة.

هنا توجد بقايا آخر هرم ملكي مصري، في الطرف الجنوبي من الموقع، كان لصوص الجرافة قد حفروا خندقاً بعمق 10 أقدام أمام الأثر المخرب.

وذهبت مجموعة أخرى من اللصوص إلى قاعدة المنحدرات الغربية، وحفروا نفقاً أسفلها مباشرة بعمق 12 قدماً، على الرغم من أنَّهم لم يكونوا قريبين من أي قبر، لكن ربما أخبرهم أحد المشايخ أنَّهم سوف يجدون كنزاً تحت المنحدرات.

ثم استخدام أضواء شرطة مزيفة ليحصل على نتيجة مدهشة

يقع مركز البلينا بمحافظة سوهاج على بعد حوالي 6 أميال شرق أبيدوس، وهناك ذهب أحمد لشراء شبكة تُركَّب على السقف بها أضواء شرطة مزيفة. نصب أحمد الأنوار على قمة صندوقه الخشبي، مع صافرة إنذار، وساعده الحراس الآخرون على رفع الصندوق فوق سيارته الدايهاتسو ذات الدفع الرباعي.

في الظلام، كانت العربة تقليداً جيداً على نحوٍ مذهل لناقلة جنود مصفحة من تلك الموجودة دوماً في أي موقع سياحي مصري.

وكل ليلة كان أحمد والحراس يقودون ناقلة الجنود المصفحة المزيفة حول المدفونة، مع وميض الأضواء وصفارات الإنذار. وسرعان ما سمعوا شائعاتٍ في القرية بأنَّ الشرطة أصبحت نشطة مرة أخرى. أثناء النهار، كان أحمد يخفي الإطار الخشبي لناقلة الجند بين أسوار الشونة، ليحقق بهذا، أخيراً، نظرية أوغوست مارييت بأنَّ هذا الهيكل الطيني كان مركزاً للشرطة.

أصبح لديه عربة مدرعة مزيفة تمنع اللصوص من اقتحام الموقع

لم تكن ثمة مقترحات أخرى لحماية الموقع. كل مساء كان يتكرر الأمر ذاته: القيادة إلى المدفونة، دق صافرات الإنذار، ودوران الأضواء، وترك ناقلة الجند المصفحة المزيفة في الشونة قبل الفجر. بعد غروب الشمس، يتكرر الأمر كله مرة أخرى. بعد ذلك بشهور، كان الكثير من المصريين الذين كانوا فاعلين في الموجة الأولى من الربيع العربي يصفنون تجاربهم بعباراتٍ مشابهة.

بدا وكأنَّه لا وجود سوى للحاضر: لا وقت للخطط، ولا وقت للذكريات. لكن في نهاية المطاف استُعيد شعور النظام. ففي القاهرة أنشأ مجلس من ضباط الجيش حكومة انتقالية، ووعدوا بإجراء انتخاباتٍ ديمقراطية لانتخاب برلمانٍ جديد ورئيسٍ جديد. واحتفل التحرير، وانتهت اشتباكات الشوارع، وبحلول نهاية شهر مارس/آذار، كانت الشرطة الحقيقية تقوم بدورياتٍ في أبيدوس. وما إن مرت كثافة اللحظة، عاد الزمن لطبيعته، وفكر الناس فيما حدث للتو وما قد يحدث بعد ذلك.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top