على الرغم من أننا نسمع قصص نجاح كثيرة، فإن الأدلة تُشير إلى أنَّ أكثر من نصف الشركات لا تستمر لأكثر من 5 سنوات.
لكن بالإضافة إلى ذلك، هناك أنواع أخرى من الاستثمارات التي لا تتعلق بالأعمال التجارية، لكنها تشترك مع الأخيرة في أنَّها تدمرك وتخرّب حياتك.
يُمكن أن يكون الاستثمار في أموالك في حياتك المهنية، أو في منزل أوحتى في علاقة لن تنجح.
إنَّها خدعةٌ أو فخٌ من نوع ما يُطلق عليه الاقتصاديون “مغالطة التكلفة الغارقة” أو “مغالطة الخسائر التي لا يمكن تعويضها”، والتي تجعل الشخص يواصل محاولة استعادة ما فقد، حتى لو كان ذلك منافياً للعقل.
ولكن كيف تخرج من هذا الفخ الذي ينصبه لك عقلك؟
“لقد كنت أغرق في الديون”
يقول سبنسر كريستيان، المقدّم السابق لبرنامج تلفزيوني أمريكي ومؤلف كتاب Apuestas tu Vida (أرهن حياتك): “في صباح أحد الأيام، استيقظت على مكالمة من أحد عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، أخبرني أنَّ الوكالة كانت تتحرى عنّي لمدة عام بسبب احتيال مصرفي محتمل نتيجة لنشاط مشبوه”.
تابع محققو مكتب التحقيقات الفيدرالي عمليات السحب والإيداع المتكررة لمبالغ كبيرة من المال. والحقيقة وراء الأمر هي أنَّ كريستيان كان مدمناً للقمار، وكان الأمر خارجاً عن سيطرته.
على الرغم من عدم وجود أي احتيال، كانت المكالمة بمثابة جرس إنذار للتوقف عن لعب القمار. ومع ذلك، لم يستطع المذيع السيطرة على نفسه.
يقول كريستيان: “ظللت أراهن لأني أردت تعويض خسائري”.. لكنّ هذه اللحظة لم تأتِ أبداً.
ويعترف كريستيان قائلاً: “لم أكن أريد أن يعلم أحد أنني غارق في الدين”. ومعها ارتفعت خسائره إلى حوالي 3.5 مليون دولار، حتى دفعته ابنته المتدينة إلى أخذ موقف.
كيف تعمل “مغالطة التكلفة الغارقة”
دعنا نقول إنَّك في مطعم وطلبت حلوى كبيرة مليئة بالآيس كريم والشوكولاته. وبعد تناول قليل منها تدرك أنَّك لا تريد المزيد، وأنَّك شَبِعٌ، وأنَّه إذا تابعت الأكل فمن المحتمل أن تؤلمك معدتك.
إذا أكلت الحلوى، لأنك طلبتها بالفعل وستدفع ثمنها فإنك تتخذ قرارات اقتصادية بانحياز.
وإذا استطعت ألا تتناولها فهذا يعني أن لديك القدرة على تحمل هذه “التكلفة الغارقة” والتخلي عنها.
هذا ما أوضحته واندي براوني دي براون، الأستاذة في كلية إدارة الأعمال بجامعة ليدز، بالمملكة المتحدة.
تقول براوني: “معظم الناس يختارون تناول الحلوى”، موضحة: “هذا السلوك يؤثر على عملية صنع القرار عندما تستثمر وقتاً أو مالاً، فهو يُعتبر بمثابة تكيّف مع التكلفة”.
“نحن نرتكب أخطاءً كثيرة”
مَرَّ رجل الأعمال الماليزي، دين يونغ، بهذه التجربة، إذ يقول: “كنا نظن أننا على استعداد لإنشاء مقهى صغير، ولكن لم يكن الأمر جيداً”.
يتابع: “لقد ارتكبنا عدة أخطاء”، مضيفاً: “كنت أعلم أننا نفقد المال كل يوم، لكنني لم أكن متأكداً من المبلغ، ولأنني لم أستطع تعيين موظفين، بدأت العمل في المقهى، وشعرت أنني محاصر جسدياً وعقلياً”.
كان الأمر واضحاً من البداية، لكن الأمر استغرق حوالي عامين لإغلاق المقهى.
يشرح يونج قائلاً: “هناك دائماً صوت في عقلك يخبرك إذا استسلمت الآن، فستضيع كل جهودك سدى”.
السؤال الرئيسي لوضع حد للخسائر
تقول براوني: “المفتاح هو التمييز عندما يمكن أن يؤدي الانخراط في شيء ما إلى نتيجة جيّدة أو عندما يؤدي إلى تحوّل الأمور من سيئ إلى أسوأ”.
ومع مرور السنين، تصبح التجربة عاملاً يسهم في اتخاذ قرارات أفضل ومواجهة الخسائر.
تقول الخبيرة إنَّ هناك حكمة تساعد على التمييز بين المثالية والأشياء الجيّدة، مضيفة: “الحياة قصيرة للغاية لمواصلة الاستثمار في شيء لا يجعلك سعيداً”.
غير أنَّه في هذه اللحظة، لا شك أنَّ تحمّل الخسائر لا يكون سهلاً، حتى عندما يصرخ بك المنطق كي تفعل ذلك.
إذا سبق لك أن شاهدت فيلماً لم يعجبك، أو استمررت في ارتداء أحذية صغيرة للغاية لأنك اشتريتها بسعر مخفض، فهذا يرجع إلى سقوطك في مغالطة التكلفة الغارقة.
يحدث الشيء نفسه عند محاولة إصلاح الاستثمار، عندما لا تكون هناك طريقة لاستعادة الأموال.
إذا وجدت نفسك في مثل هذا الموقف، فأفضل سؤال يمكنك طرحه على نفسك، وفقاً للخبيرة، هو: ما حجم المال الذي قد أكون مستعداً لخسارته أكثر من ذلك؟