بعد نحو عامين من إلقاء القبض على الرجل الذي انتحل صفة أمير سعودي، واستولى على 8 ملايين دولار من مستثمرين، حكمت المحكمة بسجنه 18 عاماً بتهمة الاحتيال
عاش رغد الحياة قبل اكتشاف الزيف وسجنه 18 عاماً
كان الرجل الذي أطلق على نفسه الأمير خالد آل سعود، من المملكة العربية السعودية، يحب اقتناء أفخر السلع في العالم: ساعات رولكس وأساور كارتييه، ومنزل فاخر في ميامي مزود بجرس باب نقشت عليه كلمة “سلطان”، ومقتنيات باهظة الثمن يشتريها لكلبه الشيواوا فوكسي، الذي ينشر صورَه على إنستغرام.
وقال ممثلو الادعاء إنه في بعض الأحيان كان يقود سيارته من طراز فيراري، المزودة بأرقام دبلوماسية، إلى المتاجر الأنيقة، حيث ينفق آلاف الدولارات في المرة الواحدة، لكن حياته الرغدة انهارت فجأة عام 2017 عندما أُلقي القبض عليه، ووُجهت إليه تهمة استغلال هوية مزيفة للاحتيال على المستثمرين.
واتَّضح أنه لم يكن أميراً سعودياً مطلقاً. وقد نشرت صحيفة The New York Times الأمريكية قصة كاملة عن هذا الرجل، وكيف خدع المستثمرين.
حُكم على هذا الرجل، أنتوني غينياك (48 عاماً)، يوم الجمعة 31 مايو/أيار، بالسجن لأكثر من 18 عاماً لانتحاله صفة عضو في العائلة المالكة السعودية، وتنفيذه عمليات احتيال متتالية، انتهت باحتياله على عشرات المستثمرين واستيلائه منهم على أكثر من 8 ملايين دولار، وهي الأموال التي قال ممثلو الادعاء إنه أنفقها على “حياته المترفة”.
احتيال صفة الأمير خالد لم تكن مرته الأولى!
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها غينياك، وهو يتيم كولومبي تبنَّته عائلة من ولاية ميشيغان عام 1977، اسم آل سعود، للحصول على ما يريد.
إذ قال ممثلو الادعاء يوم الجمعة إنه قضى معظم حياته منتحلاً شخصية الأمير خالد، الذي هو في الواقع أمير مكة البالغ من العمر 79 عاماً. وقالوا إن غينياك اُعتقل 11 مرة لارتكابه “عمليات احتيال بصفة الأمير”.
وقالت أريانا فاجاردو أورشان، وكيلة وزارة العدل الأمريكية في منطقة جنوب فلوريدا، في بيان: “على مدار العقود الثلاثة الماضية، انتحل أنتوني غينياك صفة أمير سعودي كي يتلاعب بعدد لا يحصى من المستثمرين من جميع أنحاء العالم ويحتال عليهم. وبصفته زعيماً لبرنامج احتيال دولي متطور يضم عدداً من الأشخاص، استخدم غينياك شخصيته المزيفة -الأمير خالد بن آل سعود- لخداع الناس”.
وقد أقرّ غينياك في مارس/آذار الماضي، بأنه مذنب بالاحتيال الإلكتروني، والتآمر لارتكاب احتيال إلكتروني، والتحايل بانتحال هوية شخص آخر، وانتحال شخصية دبلوماسي، وفقاً للوثائق القضائية. ولم يرد محاميه على رسالة تسأله التعليق يوم الجمعة.
ووفقاً لصحيفة The Miami Herald، قال غينياك للقاضية سيسيليا ألتوناغا، في إحدى محاكم الولايات المتحدة المحلية في ميامي، أثناء النطق بالحكم يوم الجمعة: “أتحمل مسؤولية هذه العملية بالكامل، وأنا أقبل ذلك”، لكنه قال إن هناك “أشخاصاً آخرين” يجب محاكمتهم معه، وقال للمحكمة: “أنا لست وحشاً”.
انتحار مدير أعماله وادَّعى تعرُّضه للخداع
بعد اعتقال غينياك، انتحر مدير أعماله كارل ويليامسون، وفقاً لمقال أوردته مجلة Vanity Fair الأمريكية العام الماضي. وقالت المجلة إن ويليامسون ادَّعى قبل وفاته أن غينياك خدعه هو أيضاً.
وقال ممثلو الادعاء إن غينياك بدأ في ارتكاب جرائم النصب بعد انتقاله إلى كاليفورنيا عام 1987، حيث حصل على بطاقة هوية حكومية باسم خالد آل سعود. وقالوا إن احتياله تسبب في إيداعه السجن في عدة ولايات منذ ذلك الحين.
في عام 1991، أطلقت عليه صحيفة Los Angeles Times لقب “أمير الاحتيال”، بعد إقراره أنه احتال على إحدى شركات تأجير سيارات الليموزين، وفندق ريجنت بيفرلي ويلشاير، وحصل منهما على أكثر من 10 آلاف دولار.
لكنَّه واصل الاحتيال في ميشيغان، حيث أقرَّ عام 2006 بأنه مذنب بانتحال شخصية دبلوماسي ومحاولة النصب على أحد المصارف. وقال ممثلو الادعاء إنَّه استغلَّ شخصيته الملكية الزائفة لإنفاق 28 ألف دولار في متجري ساكس فيفث أفنيو ونيمان ماركوس، مستخدماً حساباً ملكياً سعودياً حقيقياً. وحاول أيضاً سحب 3.9 مليون دولار من حساب وهمي في مصرف سيتي بنك.
من مستشفيات الأمراض العقلية إلى الاقتراب من العائلة المالكة
وكتبت محامية غينياك في ذلك الوقت، كارين ديفيس روبرتس، في مذكرة الحكم الصادرة عام 2007، أن سلوكه كان ناجماً جزئياً عن صدمة تعرَّض لها وهو طفل متشرد في كولومبيا، وعن طلاق والديه بالتبنّي. وقضى غينياك أكثر من عام ونصف العام في مستشفيات الأمراض العقلية، ثم هرب من المنزل في سن 17 عاماً.
وزعم غينياك في جلسة نطق بالحكم عام 2007 أنه اقترب من أفراد من العائلة المالكة السعودية في سن السابعة عشرة، وكانوا ينفقون عليه، ولكنهم انقطعوا عن الإنفاق، لكن المحكمة لم تتأثر.
ووفقاً لإحدى الوثائق، قال غينياك: “هذه واحدة من أقوى العائلات في العالم، ويتسم أفرادها بالتكتم، لا توجد معلومات حول هؤلاء الأشخاص على الإنترنت، ولديهم شؤون خاصة، مَن الذي يمكنني التأثير عليه دون مساعدتهم، إنني شديد القرب منهم”.
وقضى غينياك بعضَ الوقت في السجن الفيدرالي، وأنهى فترة الإفراج الخاضع للمراقبة في فبراير/شباط عام 2017، لكنه بحلول ذلك الوقت كان ينتحل بالفعل شخصية الأمير خالد في جنوب فلوريدا، وفقاً لما قالته وزارة العدل.
اشترى لوحات دبلوماسية مزيفة لسياراته ليتلقّى الهدايا الباهظة
قال ممثلو الادّعاء إنه اشترى لوحات ترخيص دبلوماسية مزيفة لسياراته، وشارات زائفة لدائرة الأمن الدبلوماسي لحرّاسه الشخصيّين، وسلَّم بطاقات عمل يشير فيها إلى نفسه باسم “الأمير”، و “صاحب السمو الملكي”، و “السلطان”. وعندما كان يلتقي بالمستثمرين كان يطلب هدايا باهظة الثمن، ووصف ذلك بأنه بروتوكول ملكي.
وامتدَّ الخداع إلى إنستغرام، حيث نشر صوراً لكلبه تتخللها صور لسلع فاخرة ووجبات باهظة الثمن ومبالغ نقدية طائلة وصور لأفراد من العائلة المالكة السعودية، تصحبها تعليقات مثل “والدي”.
وقال ممثلو الادعاء إن غينياك استغلَّ شخصيته الملكية لجذب المستثمرين إلى مشاريع وهمية في مختلف أنحاء العالم، ومنها شركة أدوية في أيرلندا وكازينو في مالطا.
وعرض أيضاً فرصة لشراء حصة في شركة النفط السعودية أرامكو المملوكة للدولة السعودية، التي علقت اكتتابها العام الأكبر العام الماضي. ولم يرد ممثلو السفارة السعودية في واشنطن على هواتفهم يوم الجمعة.
وقال ممثلو الادعاء إن الخطة بدأت في الانهيار في مارس/آذار عام 2017، عندما قرَّر غينياك شراء فندق فاخر في ميامي.
وقال ممثلو الادعاء إنه عرض على المالكين 440 مليون دولار، وحجز إقامة في الفندق باستخدام بطاقة ائتمان تحمل اسم الأمير خالد، وأظهر لهم مستنداتٍ مزورة من بنك دبي، تفيد بأنَّ البنك مَنَحه قرضاً بقيمة 600 مليون دولار.
لكنهم قالوا إن تصرفاته كانت مثيرة للريبة، ولذا استأجر أصحاب الفندق مجموعة أمنية خاصة للتحقق من شريكهم التجاري المحتمل. وسرعان ما علم المحققون الحقيقة، وبدأ التحقيق الفيدرالي بعد ذلك بوقت قصير.