بعد الأرقام الصادمة لوضع التعليم في مصر.. خطة للنهوض وتحسين جودته بدأت نتائجها بالظهور

كانت ملك عبد الحكيم (15 عاماً)، متفوقة دراسياً قبل أن يجبرها والدها على الانقطاع عن المدرسة منذ عدة أشهر. وتعيش أسرتها في ملَّوي، وهي إحدى مدن محافظة المنيا التي تقع في جنوب مصر. ويعمل والدها حارس عقار في منطقة القاهرة الكبرى بمبنى سكني في حي المهندسين بالجيزة، ولا يكاد أجره يكفيه للإنفاق على أسرته المكونة من تسعة أفراد. 

لم يلتفت الأب إلى مناشدات أساتذة ملَك للسماح لها بإكمال تعليمها، وقرر أن الوقت قد حان لتلتزم المنزل وتساعد والدتها في الأعمال المنزلية، بحسب موقع Al-Monitor الأمريكي.

حال ملَك كحال شقيقاتها الكُبريات، فقد تركْن المَدرسة في سن أصغر كي يتزوجن، ويتعين على ملك أيضاً أن تمتثل “للأعراف الاجتماعية”، على حد قوله.

ومع أن الحد الأدنى للسن القانونية للزواج في مصر هو 18 عاماً، يشيع زواج الأطفال بمدن الصعيد المهمشة الفقيرة، حيث تتزوج الفتيات غالباً في سن مبكرة، لتخفيف الأعباء المالية على عائلاتهن، وتقوم بعض العائلات بالتحايل على القانون بتأجيل تسجيل الزيجات حتى تبلغ الفتيات سن 18 عاماً. 

صورة كئيبة للتعليم في مصر

وأظهرت إحصائية أجراها الجهاز المركزي للإحصاء CAPMAS عام 2017 في مصر، أن 15% من الفتيات المصريات تزوجن قبل بلوغ سن 16 عاماً. 

ولكن معدل زواج القاصرات آخذ في الانخفاض بالسنوات الأخيرة، ويرجع ذلك إلى حد كبير، إلى حملات التوعية بالآثار الصحية للزواج المبكر، ومن ضمنها مضاعفات الحمل والولادة، وارتفاع مخاطر العنف المنزلي.

وفي أغلب الحالات، فإن الفتيات اللائي يتزوجن مبكراً أكثر عرضة للانقطاع عن المدرسة. أما الفتيات في صعيد مصر، فديد منهن ينقطعن عن المدارس، للعمل بأجر يومي للإنفاق على عائلاتهن، ويعملن بالزراعة في كثير من الأحيان، أو يلزمن المنزل لرعاية أشقائهن. 

وغالباً ما تفضّل الأسر الفقيرة الاستثمار في تعليم الأبناء الذكور؛ على أمل أن يعيلوا أُسرهم عندما يكبرون.

وتُحرَم الفتيات من التعليم أيضاً، بسبب العنف القائم على النوع. إذ يخشى الآباء من تعرُّض بناتهم المراهقات للتحرش الجنسي في طريق ذهابهن إلى المدرسة أو العودة منها، وتنقطع بعض الفتيات عن التعليم برغبتهن؛ بعد تعرضهن للإيذاء على أيدي معلميهن.

أرقام صادمة من مؤسسات دولية

ويهدف برنامج تعليمي أطلقته منظمة CARE، وهي منظمة إنسانية دولية تعمل في مصر منذ عام 1957، إلى تغيير هذه الصورة الكئيبة وضمان توفير التعليم الآمن لجميع الأطفال، خاصةً الفتيات.

وقال حازم فهمي، المدير القُطري لمنظمة CARE، لموقع Al-Monitor: “بفضل الإرادة السياسية القوية ومساهمات الجهات المانحة، حدث تقدُّم هائل في سد الفجوة بين الجنسين بالتعليم في السنوات الأخيرة”.

ووفقاً لـ “اليونسيف”، سُجِّل في عام 2012 أكثر من 95% من الأطفال المصريين الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و18 عاماً في المدارس. ومع ذلك، ظلت جودة التعليم “تحدياً صعباً”. إذ احتلت مصر، العام الماضي، المرتبة الـ129 عالمياً من حيث جودة التعليم، وفقاً لمؤشر Spectator. 

وقبل 5 سنوات، خلص تقرير صادر عن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى أن طالباً واحداً من بين كل خمسة طلاب مصريين في الصف الثالث الابتدائي لا يستطيع قراءة كلمة واحدة، وأن 50% من طلاب الصف الخامس أُميون من الناحية العملية.

ضغوط لإصلاح منظومة التعليم

وعلى خلفية هذه الإحصاءات، تواجه الحكومة المصرية ضغوطاً لإصلاح منظومة التعليم. ويعد الاكتظاظ وضعف مهارات التدريس، والعنف في المدارس من بين المشكلات التي تعالجها الحكومة في خطتها الشاملة لإصلاح المنظومة.

وقال فهمي: “لقد تحوَّل التركيز الآن من الكم إلى نوعية التعليم. نريد أن نضمن استفادة جميع الطلاب من الالتحاق بالمدارس، ونريد إعدادهم للوظائف والفرص الوظيفية”.

وقد تبنَّت منظمة CARE نهجاً متعدد الجوانب، لتحسين بيئة التعلم وتعزيز التغيرات السلوكية في محافظات بني سويف والمنيا وأسيوط بصعيد مصر. ويهدف البرنامج، الذي بدأ عام 2016، إلى تطوير البنية التحتية للمدارس، وتنمية قدرات المعلمين، وإحراز تقدُّم في محو الأمية بـ32 مدرسة ابتدائية. وإشراك المجتمع المحلي في التعليم جزء من المبادرة الطموحة أيضاً.

ومدرسة الزيتون الابتدائية في محافظة بني سويف، التي تقع على بُعد 145 كيلومتراً من جنوب القاهرة، واحدة من 10 مدارس في المحافظة خضعت للتجديد بتمويل من مؤسسة دبي العطاء الخيرية التي تتخذ من دبي مقراً لها، والتي تعمل على تحسين جودة التعليم الابتدائي في البلدان النامية. 

وشملت عمليات التجديد تحديث شبكة الكهرباء في مدرسة، وتغيير النوافذ وتجهيزات الإضاءة، وإصلاح أنابيب المياه، وطلاء الجدران والأسقف بألوان زاهية. وشُيد  سور حول المدرسة، للحدّ من تغيُّب التلاميذ وحماية الطلاب من المتطفلين.

وقال فهمي: “الأشياء البسيطة مثل تركيب أبواب حمام مناسبة يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً، وتجعل من المدرسة مكاناً محبباً للطلاب، وتوفر بيئة تعليمية آمنة لهم، لا سيما الفتيات”.

وأضاف: “شيَّدنا أيضاً مطابخ صغيرة في بعض المدارس، لضمان حصول الطلاب على وجبات صحية”.

خطوات مهمة لتدارُك الأمر

ومن بين التلاميذ الـ1100 (نصفهم من الفتيات) الذين تضمُّهم مدرسة الزيتون، حدد المعلمون 109 طلاب على أنهم يعانون صعوبات في التعلم. وهم يُحضرون مجموعة تقوية بعد انتهاء اليوم الدراسي، لتحسين مهاراتهم في القراءة والكتابة. 

واختار الآباء مقر جمعية تنمية المجتمع، وهي منظمة محلية غير حكومية، لاستضافة هذه الصفوف، لأنهم يرونه مكاناً مناسباً؛ نظراً إلى موقعه المركزي وقربه من منازل عديد من الطلاب. 

وهذه الصفوف جزء من دورة مكونة من 36 حصة، وتُستخدم فيها مواد للقراءة وأنشطة ممتعة لتنمية قدرات القراءة لدى طلاب الصفين الثالث والرابع. وتُخصَّص كل حصة لتعليم حرف من حروف الأبجدية وهجاء الكلمات التي تبدأ أو تنتهي بهذا الحرف.

فتهتف نعمة عليّ عمر (11 عاماً)، مردِّدة حرف “الجيم” وهي تحمل كرة سلة بيد واحدة، وتستعد لإلقائها في السلة. 

وحينما تخطئ هدفها، تتقدم رحمة فرَّاج (10 سنوات)، وتبدأ تنطيط الكرة في حين تهتف بالكلمات التي تبدأ بهذا الحرف. وقد نجحت في إصابة الهدف وإدخال الكرة بالسلة، وهو ما أسعد الأطفال الآخرين الذين هللوا وصفقوا.

وقال محمد عبد الفضيل، وهو مدرس لغة عربية في المدرسة، لموقع Al- Monitor: “تساعد مثل هذه الأنشطة في تعزيز ثقة الأطفال بأنفسهم، وتُعلِّمهم روح التعاون إلى جانب تحسين مهاراتهم في القراءة. 

كان بعض الأطفال يشعرون بالخجل الشديد، وكان يصعب عليهم قراءة أو تهجئة الكلمات قبل حضور هذه الفصول لتحسين القراءة. والآن يأتون إلى مكتبة المدرسة؛ بحثاً عن الكتب الجديدة ليقرأوها”.

أساليب ومهارات حديثة بعيداً عن العنف

وقالت منى قطب، المشرفة الميدانية ببرنامج CARE التعليمي في بني سويف، لموقع Al-Monitor: “إلى جانب تعريف المعلمين بعديد من الأساليب والأدوات لتحسين مهارات الأطفال في القراءة، قدَّمنا لهم أيضاً نصائح حول كيفية تطوير مهاراتهم التعليمية”.

وقالت: “ننصحهم بعدم استخدام العنف بأي شكل من الأشكال لمعاقبة الطلاب”.

وفي بعض مدن الصعيد النائية التي ينهشها الفقر، يُعرف بعض المعلمين بلجوئهم إلى استخدام العنف وغيره من الوسائل التأديبية المبالغ فيها، وضمن ذلك ضرب الأطفال بالعصيّ، لمعاقبتهم. وفي إحدى الحالات، قصَّ مُعلم في الأقصر شعر فتاتين تبلغان من العمر 12 عاماً، لمعاقبتهما على عدم ارتدائهما الحجاب في المدرسة.

وقال علي خلف، المدير العام لمديرية ناصر التعليمية في محافظة بني سويف: “إنشاء لجان لحماية الطفل في المدارس حقق تقدماً كبيراً في كبح التنمر وغيره من أشكال العنف بالمدارس المنشودة”. وتتعاون المديرية، وهي فرع محلي لوزارة التربية والتعليم، مع منظمة CARE في تنفيذ البرنامج.

ويساعد تنشيط الاتحادات الطلابية في بعض المدارس المنشودة أيضاً في تغيير السلوك بتعزيز احترام الطلاب لذاتهم.

وقال خلف: “لقد شهدنا بشكل مباشر، التأثير الذي أحدثته الاتحادات الطلابية على بعض الطلاب، ومنحهم فرصة للتعبير عن أنفسهم وإيصال احتياجاتهم إلى المعلمين ومديري المدارس، إلى جانب مساعدتهم في تطوير مهاراتهم القيادية”.

وميشيل نان، رئيسة منظمة CARE ومديرتها التنفيذية، على ثقة بأن إصلاحات التعليم في مصر ستكون لها آثار بعيدة المدى على المجتمع بأَسره.

وقالت لموقع Al-Monitor، بعد جولة تفقدية أجرتها مؤخراً في بعض مشروعات المنظمة بالقاهرة والمنيا وأسيوط: “تعليم الفتيات جزء من تمكين المرأة. إذ بإمكان الفتيات زيادة دخل أُسرهن بنسبة تصل إلى 20% سنوياً بعد حصولهن على التعليم. وعندما تحصل النساء على التعليم، فهن يحققن إنتاجية ورفاهية أكبر من منظور صحي”.

وأضافت: “أتعشم أن تتمكن الفتيات والنساء من إدراك جميع إمكاناتهن، وأن يتمتعن بالقدرة على الشعور بقوتهن في التعليم والصحة والفرص الاقتصادية. لا يزال هناك كثير من الإمكانات؛ وإذا أُدركت، فمن الممكن أن تغيّر المجتمع بأَسره تغيراً جذرياً”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top