“دول عربية خلف الهجمة”.. لماذا حلّ السودان أقدم جمعيات العمل الخيري وصادر أموال الوقف؟

يبدو أن حياة ملايين الفقراء المستفيدين في 41 دولة إفريقية ستتأثر سلباً بعد قرار حل منظمة الدعوة الإسلامية، إحدى أقدم منظمات العمل الخيري بالسودان، وهو القرار الذي لا يزال يشهد جدلاً حول أسبابه ودوافعه.

وينفي القائمون على المنظمة الاتهامات الموجهة لهم من قبل الحكومة بدعم نظام البشير، نافين اهتمامهم من الأساس بالعمل السياسي. 

وكان السودان أعلن منذ أيام إغلاق منظمة الدعوة الإسلامية ومصادرة جميع أموالها.

حل جمعية يتجذر نشاطها الخيري في المجتمع السوداني وإفريقيا منذ عدة عقود أثار العديد من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية لتلك الهجمة، ومن يقف خلفها؟  

انشقاق.. وراء الحل 

مصدر داخل الحكومة السودانية قال لـ”عربي بوست”: إن السبب الرئيسي وراء حل المنظمة في هذا التوقيت هو إبعاد تيار المصالحة داخل الحكومة الانتقالية.

وأوضح أن هناك “تياراً قوياً”، كان يسعى لعقد مصالحة تاريخية مع الإسلاميين، ويرى أن المصالحة ستُخرج البلاد من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها.

بعض المتبنين لهذا الاتجاه تواصلوا  بالفعل مع بعض القيادات المحسوبة على التيار الإسلامي، من بينهم رئيس حزب “الإصلاح الآن”، غازي صلاح الدين، ووزير الخارجية السابق علي كرتي.

إلا أن هذا التيار فشل في فرض رؤيته على الجناح الآخر الذي يمثله التيار اليساري المتشدد، وتلا ذلك مصادرة أملاك علي كرتي بعدما حاول أعضاء في الحكومة الانتقالية التواصل معه بغرض المصالحة، ومن ثم صودرت ممتلكات منظمة الدعوة الإسلامية باعتبارها واحدة من مصادر القوة الاقتصادية للإسلاميين في السودان، بحجة أن الشارع لن يقبل أي مصالحة مع النظام السابق.

ليس لها توجهات سياسية 

ممولو الجمعية والقائمون عليها رفضوا قرار اللجنة، وأكدوا أن الجمعية ليس لها نشاط سياسي، وأنها تقدم دعماً في أكثر من 41 دولة في العالم، من منطلق خيري وإنساني بحت.

الأمين العام لمنظمة الدعوة الإسلامية عطا المنان بخيت، قال لـ”عربي بوست”، إن الجهة الوحيدة التي تستطيع حل المنظمة هي مجلس الأمناء، رافضاً قرار الحل، مؤكداً أن المنظمة لم تكن سرية ولديها اتفاقية مقر مع حكومة السودان، يمكن مراجعتها أو إلغاؤها، وفقاً للقانون.

وأضاف “المنظمة التي كانت تسعد للاحتفال بذكرى 40 عاماً على تأسيسها تسلمت دعوات من 4 دول أعربت عن استعدادها لأن تكون دولة المقر الجديدة للمنظمة التي نفذت العديد من المشاريع التنموية بها في الفترة الماضية، لافتاً أنه لا يتمنى أن تجبرهم الأوضاع على هذا السيناريو، لأن خروج المنظمة من السودان يعني تأثر الكثير من البرامج التنموية التي تقدمها”.

وتعجب الأمين العام من القرار المفاجئ للحكومة السودانية، وقال لم يكن هناك أي مقدمات لتلك الخطوة، وإن الحكومة لم تحاول التواصل مع القائمين على الجمعية. 

حميد الأحمر، وهو رجل أعمال يمني، وأحد الممولين لأعمال المنظمة الخيرية، قال لـ”عربي بوست” إن المنظمة وقفية، وإن الدولة المستضيفة لا يجوز لها وفق القانون مصادرة أموالها وأصولها، لاسيما أن المنظمة تخضع للمراقبة القانونية، وجميع مشاريعها تعرض على الرأي العام.

يرى الأحمر أن قرار اللجنة “سياسي بامتياز”، مشيراً إلى أن قرار مصادرة أموال المنظمة “غير قانوني”، فهي أموال وقف، وأموال الأوقاف لا ينبغي مصادرتها، وكون مقر المنظمة بالسودان، فهذا لا يعطي الحكومة الحق في التحفظ على أموالها لأنها تخدم 41 دولة، ورجال الأعمال الذين يدعمونها من جنسيات مختلفة، فليس من صلاحيات النظام الحالي الاستيلاء على أملاك المنظمة حتى لو قرروا حلها في السودان.

الأحمر أوضح أيضاً أن الوقف يرتبط برغبة الواقف فقط، إذا ما أراد إنهاء عمل المنظمة، مؤكداً أن “الدعوة الإسلامية” تقوم بعمل دعوي على مستوى إفريقيا، وهناك جهات لا يروق لها هذا العمل الدعوي، من بينها جهات تبشيرية، ودول عربية محسوبة على الدول الإسلامية قامت بانقلابات عدة في المنطقة العربية.

وأضاف: “ليس سراً أن هذه الدول دعمت من قبل النظام الحالي في السودان، ووقفت وراءه وأيدته، وكان لها يد في الإطاحة بنظام عمر البشير والإتيان بالنظام الحالي”.

وكان رئيس المجلس الانتقالي في السودان عبدالفتاح البرهان قد أشار بعد توليه إدارة المرحلة الانتقالية إلى تعزيز العلاقات بين السودان ودولة الإمارات، خاصة على الصعيد العسكري.

آلاف العمال.. مصيرهم مجهول

قرار الإغلاق سيؤثر بدوره على العاملين في المنظمة، فبعد الإغلاق سنجد أن مصير نحو 5 آلاف عامل (بينهم 2500 في السودان فقط) بات مهدداً في 41 دولة إفريقية تقدم فيها المنظمة خدماتها، وأكثر من 143 مليون شخص (منهم 30 مليوناً في السودان)، أصبحوا أيضاً مهددين بوقف المعونات عنهم. 

ضربة للعمل الخيري

ويمكن أن تؤثر هذه الخطوة على العمل الخيري والفقراء في السودان، إذ كانت المنظمة تستعد لبرنامج الإعانات في رمضان والذي استفادت منه العام المنصرم نحو مليون أسرة، فضلاً عن برنامج مكافحة جائحة كورونا الذي كان سيُدشن بالتعاون مع وزارة الصحة السودانية.

تقول المنظمة عبر موقعها على الإنترنت إن الامتيازات الممنوحة لها لم تكن استثنائية، لكنها حصلت عليها مثل باقي الجمعيات الخيرية في السودان، فقد شُيّد مقر المنظمة في العام 1981، على الأرض التي منحها لهم الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري، وهو أمر ليس غريباً.

وأكدت المنظمة في بيان لها أن “من حق دولة المقر التحلل من اتفاق المقر وطلب مغادرة المنظمة، إلا أن ذلك يتم وفق أعراف دبلوماسية تسمح للمنظمة بالتصرف في أصولها، مؤكدة أنها تحتفظ بحقها القانوني في مقاضاة لجنة التمكين”.

واستبعد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوداني محمد لطيف (وهو مقرب من النظام الحالي) تراجع لجنة إزالة التمكين، القاضي بحل وإلغاء تسجيل منظمة الدعوة الإسلامية بالسودان. 

وقال لطيف في حديثه لـ”عربي بوست”: “لا توجد أسباب تدفع الحكومة للتراجع عن قرارها”، زاعماً أن الحجج والأسانيد التي دافعت بها المنظمة لدرء قرار حلها (واهية).

وأضاف: منظمة الدعوة الإسلامية حسب قوانينها هي منظمة محلية بحتة، وليست إقليمية، ولا تخضع لقوانين المنظمات الدولية.

الدعوة الإسلامية.. مؤسسة عريقة خدمت القارة السوداء

تأسست منظمة الدعوة الإسلامية عام 1981 كمنظمة عالمية إنسانية تطوعية غير ربحية مستقلة، وفق قانون الهيئات التبشيرية، وباتفاقية مقر وفق قانون صادق عليه مجلس الشعب، ووقع عليه الرئيس جعفر نميري، وجُدد القانون في العام 1990.

وحددت لنفسها أهدافاً تتمثل في نشر الإسلام، وترسيخ قيم التسامح والتعايش، إلى جانب دعم وإغاثة المحتاجين، وتشجيع المبادرات المحلية في التنمية والبناء، وتتخذ من الخرطوم مقراً لها وتقدم خدماتها الإنسانية.

وتسعى المنظمة لتوفير الخدمات الضرورية لحماية الأسر والمجتمعات الفقيرة والمساعدة فى تحسين الأوضاع المعيشية لهم عبر العديد من البرامج والمشروعات في مجال قطاعات التعليم، والصحة، والتغذية، بالإضافة لتقديم الدعم والمساندة للسكان في المجتمعات المحلية.

افتتحت المنظمة عشرات المدارس والمشافي في إفريقيا، وتسعى بشكل فعال لحفر الآبار واستخراج مياه صالحة للشرب للمناطق الفقيرة في جنوب إفريقيا، فضلاً عن استصلاح الأراضي في القرى الفقيرة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top