بعد ستة أشهر على آخر عملية إرهابية استهدفت دورية أمنية في قلب العاصمة تونس، في مارس/آذار الماضي، عاد الإرهاب ليضرب من جديد، لكن في ولاية سوسة شرقي البلاد.
ودهس “إرهابيون” بسيارةٍ عنصرين أمنيين، في سوسة، الأحد 6 سبتمبر/أيلول 2020، فقُتل أحدهما وأصيب الآخر، فيما قتلت قوات الأمن ثلاثة إرهابيين، بحسب وزارة الداخلية. وأفاد مصدر أمني بإلقاء القبض على رابع يشتبه في علاقته بالهجوم.
وجاء الهجوم في وقت تسير فيه تونس بخطى حذرة نحو استقرار سياسي، بعد أيام من نيل حكومة هشام المشيشي ثقة البرلمان، الأربعاء، خلفا لحكومة إلياس الفخفاخ المستقيلة.
هذا الهجوم يتشابه من حيث التوقيت مع آخر وقع في 6 مارس/آذار الماضي، حيث فجر انتحاريان جسديهما قرب دورية أمنية بمحيط السفارة الأمريكية في منطقة البحيرة بالعاصمة؛ ما أدى إلى مقتل ضابط وإصابة أربعة آخرين وامرأة.
فهو الآخر (هجوم مارس/آذار) وقع بعد أيام من نيل حكومة الفخفاخ ثقة البرلمان، في 27 فبراير/شباط الماضي.
هل الهجوم صدفة؟
وأجمع خبيران سياسيان تونسيان، في حديثين منفصلين لـ”الأناضول”، على أن هجوم سوسة، الأحد، ليس صدفة أو عملية عبثية منفردة، بل يكشف وجود أجندة سياسية للإرهاب تستهدف التجربة الديمقراطية التونسية.
وأطاحت ثورة شعبية، عام 2011، بالرئيس التونسي آنذاك، زبن العابدين بن علي. ويُنظر إلى تونس على أنها صاحبة التجربة الديمقراطية الوحيدة الناجحة بين دول عربية شهدت ما تُسمى الموجة الأولى من ثورات “الربيع العربي” بداية من أواخر 2010، وبينها مصر، وليبيا، واليمن، وسوريا.
حول دلالات هجوم سوسة، قال بولبابة سالم، كاتب صحفي ومحلل سياسي، لـ”الأناضول”، إن “الإرهاب في تونس لا يختار توقيتاً صدفة، بل له عقل سياسي وفيه نوع من الرمزيات في تواريخه بكل العمليات الإرهابية”.
وتابع: “بعد تشكيل كل حكومة تحصل عملية إرهابية، ورأينا ذلك مع حكومة الفخفاخ وحكومة المشيشي، وقبل ذلك حصلت اغتيالات سياسية، تزامناً مع أحداث سياسية معينة”.
وأضاف أن “هناك دائماً ربطاً بين التواريخ والرمزيات التي يختارها الإرهابيون، لذلك الإرهاب في تونس ليس عبثياً، هو سياسي وله عقل يدبّر، وله أهداف سياسية، وليس مجرد تحركات منفردة”.
وأردف سالم: “هناك أشخاص (لم يسمّهم) يستهدفون التجربة الديمقراطية في تونس، إضافة إلى ذلك هناك متطرفون يستغلون مناخات الحرية”.
وقال إنه “في الفترة الأخيرة بتونس تم القضاء على كثير من الإرهابيين واعتقال آخرين، في عمليات نوعية للأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بالتنسيق مع دول شقيقة وصديقة في الجانب الأمني والاستخباراتي، خاصة بالنسبة للإرهابيين العائدين من سوريا باتجاه ليبيا”.

واستطرد: “هناك أحداث كثيرة تقع على الحدود التونسية-الليبية، حيث يتصدى الجيش التونسي للإرهابيين والمهربين؛ نظراً إلى العلاقة الوطيدة بين الإرهاب والتهريب، وتمت اعتقالات والقضاء على بعضهم”.
وزاد: “وجود قرابة 1200 عنصر إرهابي في تونس قيد البحث ومحل متابعات قضائية ومطلوبون للعدالة، وهم مرتبطون ربما بشبكات داخلية وخارجية، ويشتغلون ضمن أجندات إقليمية ودولية”.
ويقول تونسيون إن دولاً عربية تقود “ثورة مضادة” تستهدف إفشال العملية الديمقراطية في تونس؛ خوفاً على مصير الأنظمة غير الديمقراطية الحاكمة في تلك الدول.
وشدد على أن “هؤلاء (الإرهابيين) يستغلون أحياناً فترات الارتخاء الأمني أو الاشتباك السياسي، حين يكون الصراع السياسي حاداً في تونس، فيجدون المكان مفتوحاً للعبث واستهداف الدولة والتجربة الديمقراطية”.
وقلَّل سالم من شأن هجوم سوسة، واصفاً إياه بـ”العملية اليائسة، فالأجهزة الأمنية التونسية قوية جداً، والجانب العسكري والاستخباراتي قوي جداً، وهناك نجاحات كثيرة حققتها قوات الأمن والجيش ضد الإرهابيين، حيث تم القضاء على كثير منهم واعتقال كثيرين”.
وشدد على أن “التعامل مع عملية سوسة الأخيرة تم بسرعة قياسية والقضاء عليهم (الإرهابيين)، وهذا يؤكد جاهزية القوات الأمنية، خاصةً وحدات طلائع الحرس الوطني (الدرك)، وهي من أرقى الفرق الأمنية في العالم، وأكثرها احترافية ومهنية”.
أطراف إقليمية
متفقاً مع بولبابة، قال طارق الكحلاوي، أكاديمي وناشط سياسي، لـ”الأناضول”، إن “اختيار الإرهابيين لهذا التوقيت ليس صدفة، وهو نفس ما حصل بعد تنصيب الحكومة السابقة (برئاسة الفخفاخ) في أيام عملها الأولى، والأمر نفسه حصل الأحد، بعد تنصيب حكومة المشيشي”.
واستدرك: “ربما العملية السابقة (مارس/آذار الماضي) تم التحضير لها بشكل أفضل من المرة الحالية، لكن التوقيت هو نفسه.. بعد أيام قليلة من بداية عمل الحكومة الجديدة”.
واعتبر الكحلاوي أن “هذا التوقيت يعكس أجندة سياسية للإرهاب، وهي عموماً بمعزل عن كل الصراعات السياسية في تونس التي تبقى صراعات تحت مظلة الديمقراطية والدستور”.
وشدد على أن “الإرهاب خارج هذه المظلة، وهو معنيٌّ بضرب التجربة الديمقراطية التونسية، وهذه دلالة توقيت العملية”.
وعن دلالة مكان الهجوم، أجاب الكحلاوي بأنه “حدث على ضفاف المنطقة السياحية، في أحد مفترقات الطرق القريبة من إحدى أهم المناطق السياحية في تونس (القنطاوي سوسة)، لكن خارج الموسم السياحي”.

وتابع: “رغم استشهاد أحد أعوان الحرس (عنصر أمني) خلال العملية، فإن الأجهزة الأمنية أظهرت استعدادها وفرقة قوات التدخل السريع في سوسة أبلت البلاء الحسن وقضت بسرعة على ثلاثة عناصر إرهابية، وألقت القبض على رابع في ظرف وجيز جداً، وهو ما يوحي بجاهزية كبيرة للأمن”.
ودعا الكحلاوي الحكومة الجديدة إلى أن “تولي كل ملفٍ ما يستحقه، خاصةً الأمني منه والاقتصادي والاجتماعي، وعدم الانجرار وراء أجندة الإرهاب، لأنه أصبحت لنا اليوم خبرة كافية على المستوى السياسي، بغض النظر عن الخلفيات السياسية لأي حكومة، للتعامل بشكل ناجع مع الإرهاب بما يحدّ من تأثيره”.
وحول الأطراف التي تقف وراء الإرهاب، رأى الكحلاوي أنها “أطراف تستهدف التجربة الديمقراطية، وهم أولاً أجندة الإرهاب الداعشي وإرهاب القاعدة، وهم ضد تجربة الانتقال الديمقراطي، ورؤيتهم التخريبية تتقاطع مع أطراف أخرى إقليمية معنية أيضاً بضرب التجربة”.
واستطرد: “لا يمكن الجزم بوجود تعاون بين هذين الطرفين، لكن هناك تقاطع في الأهداف ولا يجب الاستهانة بمكوّن الإرهاب الداعشي الذي له رؤيته واستراتيجيته وتصوّره وتكتيكاته”.
ومن حين إلى آخر، تشهد تونس، منذ مايو/أيار 2011، أعمالاً إرهابية تصاعدت وتيرتها بدءاً من 2013، وراح ضحيتها عشرات من عناصر الجيش وأجهزة الأمن وسائحين أجانب.