تنطلق الأربعاء 5 مايو/أيار 2021 في القاهرة أول محادثات بين مسؤولين كبار في وزارتي الخارجية التركية والمصرية بعد سنوات من القطيعة التي أعقبت الانقلاب العسكري والإطاحة بالرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي، في خطوة جديدة من أجل تطبيع العلاقات بين البلدين.
فقد أعلنت وزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء 4 مايو/أيار، في بيان، أن “مشاورات سياسية بين مصر وتركيا” تبدأ الأربعاء وستستمر الخميس “برئاسة نائب وزير الخارجية المصري حمدي سند لوزا ونظيره التركي سادات أونال”.
كما أوضحت أن هذه “المشاورات الاستكشافية ستركز على الخطوات الضرورية التي قد تؤدي إلى تطبيع العلاقات بين البلدين على الصعيد الثنائي وفي السياق الإقليمي”.
بوادر “مرحلة جديدة” بين تركيا ومصر
في منتصف نيسان/أبريل الماضي، أعلن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو أنه “عقب دعوة من القاهرة إلى أنقرة، سيذهب وفد إلى هناك في بداية أيار/مايو”.
أكد أوغلو أن العلاقات بين أنقرة والقاهرة دخلت “مرحلة جديدة” من الانفراج بعد سنوات من التوتر. وتقوم أنقرة منذ بضعة أشهر بحملة لاستئناف التواصل مع القاهرة.
تعقيباً على المساعي التركية، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري، الشهر الماضي، أن الاتصالات بين القاهرة وأنقرة استؤنفت، ولكن “الأقوال وحدها لا تكفي” لاستعادة كامل الروابط بين البلدين.
قال الوزير الذي أوردت كلامه صحيفة “أخبار اليوم” الرسمية: “لو وجدنا أن هناك تغيراً في السياسة والمنهج والأهداف التركية لتتوافق مع سياسات القاهرة ومع ما يعيد العلاقات الطبيعية لمصلحة المنطقة، من الممكن أن تكون هذه أرضية لاستعادة الأوضاع الطبيعية”.
كانت العلاقات بين البلدين قد تدهورت بشكل حاد منذ إقالة أول رئيس منتخب ديمقراطياً لمصر محمد مرسي الذي كان ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين ويلقى دعم تركيا، في 2013.
ملفات إقليمية على طاولة المحادثات
اختلفت القوتان الإقليميتان في السنوات الأخيرة حول العديد من القضايا، خصوصاً حول ليبيا، حيث دعم كل منهما معسكراً.
إذ تسعى أنقرة إلى الخروج من عزلتها الدبلوماسية في شرق المتوسط، حيث أدى اكتشاف احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي في السنوات الأخيرة إلى تقاسم بين الدول الواقعة على البحر شعرت تركيا بأنها استبعدت منه.
في إطار مساعيها لتحسين العلاقات مع القاهرة، طلبت أنقرة من وسائل الإعلام المصرية المعارضة العاملة ضمن أراضيها تخفيف حدة الانتقادات للقاهرة. وأعلن اثنان من مقدمي البرامج المصريين، المعروفان بانتقاداتهما الحادة للقاهرة وقف برنامجيهما بعد ذلك.
بينما أصبحت إسطنبول في السنوات الأخيرة “عاصمة” وسائل الإعلام العربية المنتقدة لحكوماتها، خصوصاً تلك التي شهدت ثورات “الربيع العربي” مثل مصر وسوريا واليمن وليبيا.
إذ تشكّل العاصمة التركية موطناً لمكاتب ثلاث محطات تلفزيونية معارضة هي: “قناة الشرق” الليبرالية، و”وطن” التابعة للإخوان المسلمين، و”مكملين” وهي محطة مستقلة مقربة من الحركة الإسلامية. كما أن عدداً من المعارضين المصريين المؤيدين للإخوان المسلمين وجدوا ملاذاً في تركيا، حيث انتقدوا علناً السلطة القائمة في القاهرة.
الاقتصاد حاضر دائماً
فرغم وجود مشاكل مثل الحواجز الجمركية واللوائح البيروقراطية، والإجراءات الطويلة للحصول على تأشيرة دخول بين تركيا ومصر في السنوات السبع الماضية، فإن عجلة العلاقات الاقتصادية لم تتوقف عن الدوران بين البلدين.
بل على النقيض من ذلك، ظلت القاهرة أحد أهم الشركاء التجاريين لتركيا في شمال إفريقيا.
بحسب بيانات معهد الإحصاء ووزارة التجارة التركيين، بلغ حجم الصادرات التركية إلى مصر 21.9 مليار دولار بين عامي 2014-2020، بينما بلغت الواردات من مصر 12.1 مليار دولار في نفس الفترة.
بالنظر إلى فترة السبع سنوات المذكورة، يتبين أن تركيا التي تصدر ما قيمته 3 مليارات دولار سنوياً إلى القاهرة، حرصت على المحافظة على علاقاتها الاقتصادية مع القاهرة.
كما أن منتجات الحديد والصلب والسيارات والبلاستيك والمنتجات والزيوت البترولية شكلت سمة الصادرات التركية إلى مصر خلال الفترة المذكورة.
بينما تتمتع الشركات التركية باستثمارات مباشرة في العديد من المجالات في مصر، مثل السيارات والبنوك وصناعة الزجاج والبناء والطاقة.
فيما تشير التوقعات إلى أن هذه الاستثمارات ستشهد زيادة ملحوظة في الفترة المقبلة، خاصة بالنسبة للقاهرة التي تعاني من مشكلة في التشغيل وفائض سكاني من الشباب.
مصر شريك قديم لتركيا
حسب تقرير لوكالة الأناضول التركية، تعد القاهرة اليوم واحداً من أكثر الاقتصادات أهمية في المنطقة، ويتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، وتمر منها طرق التجارة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، فضلاً عن الفرص التي تحتويها البلاد في مجالات استثمارات الطاقة والسياحة.
يعود تاريخ الشراكة الاستراتيجية بين مصر ومنطقة الأناضول إلى عصور قديمة؛ ففي الفترات الرومانية والبيزنطية والعثمانية، شكلت مصر دائماً واحدة من أهم الأسواق لمنتجات الأناضول.
لطالما حرصت تركيا على إقامة علاقات اقتصادية وثيقة مع القاهرة، التي أصبحت واحدة من أكثر الدول استقراراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لقدرتها على استخدام إمكاناتها الجغرافية وشراكاتها الاقتصادية.
في واقع الأمر، فإن موقع مصر الاستراتيجي وعلاقاتها التاريخية والاقتصادية والأهمية التي تشكلها بالنسبة لتركيا، جعل من هذا البلد أحد البلدان المهمة أيضاً بالنسبة للتجارة العالمية الراهنة.
إضافة إلى ما سبق، فإن القاهرة تملك سوقاً تجارية كبيرة في إفريقيا، إلى جانب النمو السكاني الكبير في هذا البلد، وامتلاكها أيضاً بوابات جديدة للمصدرين الأتراك للانفتاح على إفريقيا والدول العربية الأخرى.
في وقت تستطيع فيه القاهرة توفير المواد الخام والبضائع الوسيطة التي تحتاجها الصناعة المصرية عبر استيرادها من تركيا، يمكن أيضاً استخدام القوة العاملة المؤهلة الموجودة في البلدين لتنفيذ مشاريع واستثمارات مشتركة.
