اشتدت الهجمة الروسية على أوكرانيا، ومع محاولة القوات الروسية حصار العاصمة الأوكرانية كييف والمدينة الشرقية خاركيف، وبينما يخوض الجيش الروسي معارك ضارية للسيطرة على جميع المدن الواقعة على بحر آزوف والبحر الأسود يقبع آلاف الأوكرانيين في الملاجئ، لكن العلاقات والروابط التاريخية بين البلدين لا تخفى على أحد، فقد كانوا أشبه بدولة واحدة؛ يتاجرون، ويتزوجون، فكيف أثرت الحرب على هذه العلاقات؟
في ملجأ يقبع بمحطة مترو بالقرب من وسط العاصمة كييف، يجلس “نيكاتا” على الأرض، يداعب رأس الكلب الخاص الذي يقول إنه أول شيء فكر فيه حين اشتد القصف، يقول لـ”عربي بوست”: “استيقظت على صوت القصف ولم أكن أصدق في البداية أن الروس سيفعلونها ويقصفون أوكرانيا، لم أكن أقتنع أبداً أن المزحة ستتحول إلى حقيقة، لي أصدقاء روس كثيرون جداً، درست في روسيا وأقمت هناك لفترة طويلة، ولم أكن أتخيل هذا العدوان الغاشم على بلدي”.
لقد اتصلت بصديقي الروسي، الأقرب إليَّ، كان من المهم جداً بالنسبة لي أن أعرف رأيه فيما يحدث، هل فعلاً سيتبنى الرواية الرسمية ويقول إن روسيا تحمي أمنها القومي، أم سيتعاطف معنا ويرفض هذا الهجوم؟ كان جوابه شافياً لي: قال إنه يخجل من الاتصال بي منذ أول ساعات الحرب، كان خائفاً من ردة فعلي وكرر: “ليس لي ذنب فيما يحدث، نحن أهل والعدوان عليكم مرفوض”.
مئات الآلاف من المهاجرين
قدَّرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، في 27 فبراير/شباط، بأن نحو 368 ألف شخص غادروا أوكرانيا منذ بداية الحرب، في حين قدر جانيز ليناركيتش، المفوض الأوروبي للمساعدات الإنسانية وإدارة الأزمات، عدد النازحين الأوكرانيين بنحو 142 ألف شخص.
نيكتا لم يختلف حاله عن حال أنطون، وعن حال كثير من الأوكرانيين، تجمعه علاقات صداقة مع مواطنين روس، في ملجأ مجاور قابلنا أنطون، وهو مرتبط بفتاة روسية تعرَّف عليها في مدينة سان بطرسبرغ الروسية واتفقا على الزواج.
عاش أنطون في روسيا هو الآخر وهناك عمِل في السياحة، يقول إنه اتصل بناتاشا صديقته، لم يكن لديه شك في موقفها تجاه الأزمة أو أنها ستؤيد الهجمة أو الحرب على أوكرانيا، لكنه كان متخوفاً مما ستؤولُ إليه الأمور لاحقاً.
يقول لـ”عربي بوست: “أعرف أنه لا ذنب لها وأحبها جداً، لكن هل سيكون هناك قطيعة بين الدولتين، هل سأضطر بعد الحرب لأن أخوض رحلة طويلة في حال ما أغلقت الحدود لاحقاً حتى أعود إلى بلدي؟ على أي حال هناك الكثير من التساؤلات في رأسي لكن كل ما أفكر فيه حالياً هو أن تنتهي هذه الحرب، وأن يعم السلام ويتوقف بوتين عن هذا الجنون”.
روابط تاريخية
يعود التراث المشترك بين البلدين إلى أكثر من ألف عام إلى الوقت الذي كانت فيه كييف عاصمة أوكرانيا الآن.
في منتصف القرن التاسع، احتل الفايكينغ، وهم من الشعوب الإسكندنافية المدينة التي تحولت إلى مستعمرة للشعوب السلافية الشرقية، وإلى محطة تجارية أساسية بين إسكندنافيا (السويد، النرويج، فنلندا، الدنمارك) وإسطنبول التركية (القسطنطينية سابقاً).
وعمد الفايكينغ إلى توسيع المدينة، مُطلقين عليها اسم “كييفان روس”، التي تُعتبر أوكرانيا وروسيا وبيلاروسيا الحالية، بمثابة “مهد الشعوب الروسية”، ولها قيمة كبيرة في الثقافة الروسية تاريخياً. وبعد انتهاء عصر الفايكينغ، سقطت المدينة أمام غزوات المغول في عام 1240، وتمّ تدميرها بالكامل.
وعلى مدى القرون العشرة الماضية، تم تقسيم أوكرانيا مراراً وتكراراً من قِبَل القوى المتنافسة، غزا المحاربون المغول من الشرق كييفان روس في القرن الثالث عشر. في القرن السادس عشر، غزت الجيوش البولندية والليتوانية من الغرب. في القرن السابع عشر، أدت الحرب بين الكومنولث البولندي الليتواني وقصر روسيا القيصري إلى إخضاع الأراضي الواقعة شرق نهر دنيبر للسيطرة الإمبراطورية الروسية. أصبح الشرق يعرف باسم “الضفة اليسرى” أوكرانيا؛ كانت الأراضي الواقعة إلى الغرب من نهر الدنيبر ، أو “الضفة اليمنى”، تحكمها بولندا.
بعد أكثر من قرن، في عام 1793، ضمت الإمبراطورية الروسية الضفة اليمنى (الغربية) أوكرانيا. على مدى السنوات التي تلت ذلك، حظرت السياسة المعروفة باسم استخدام اللغة الأوكرانية ودراستها، وتم الضغط على الناس للحديث بالروسية واعتمادها كلغة رسمية.
عانت أوكرانيا من بعض أكبر الصدمات خلال القرن العشرين. بعد الثورة الشيوعية عام 1917، كانت أوكرانيا واحداً من العديد من البلدان التي خاضت حرباً أهلية وحشية قبل أن يتم استيعابها بالكامل في الاتحاد السوفييتي في عام 1922.
خلقت هذه الموروثات من التاريخ خطوط صدع دائمة؛ نظراً لأن شرق أوكرانيا كان خاضعاً للحكم الروسي في وقت أبكر بكثير من غرب أوكرانيا، فالناس في الشرق لديهم علاقات أقوى مع روسيا وكانوا أكثر ميلاً لدعم القادة ذوي الميول الروسية. على النقيض من ذلك، أمضى غرب أوكرانيا قروناً تحت السيطرة المتغيرة للقوى الأوروبية مثل بولندا والإمبراطورية النمساوية المجرية، وهو أحد الأسباب التي جعلت الأوكرانيين في الغرب يميلون إلى دعم السياسيين ذوي الميول الغربية.
مع انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، أصبحت أوكرانيا دولة مستقلة لكن توحيد البلاد أثبت أنه مهمة صعبة.
في العام 2014 كان التدخل الروسي، عبر ضمّ شبه جزيرة القرم سبباً في اندلاع الحرب بين انفصاليي الشرق في لوغانسك ودونيتسك وبين الحكومة الشرعية، حوّل كييف إلى موقع متقدم في مواجهة موسكو، إلى درجة أنها شهدت انفصالاً تاريخياً للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في عام 2018.
وبعد 24 فبراير/شباط، باتت العاصمة الأوكرانية رمزاً للمقاومة ضد القوات الروسية، في ظلّ المعارك الدائرة حولها؛ لأن سقوط المدينة التي يقطنها نحو 3 ملايين شخص أو صمودها سيُغيّر من طبيعة الحرب الجارية.