تأمل مصر أن تكون خطتها الجديدة التي تتمثل في الاعتماد على احتياطياتها من القمح والإنتاج المحلي كافية لتغطية الاستهلاك المحلي من هذا المحصول الحيوي حتى عام 2023، خاصةً أنها تعد أكبر مستورد للقمح في العالم، طبقاً لما أورده موقع Middle East Eye البريطاني، الأربعاء 16 مارس/آذار 2022.
إذ تشهد مصر ارتفاعاً في أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية بعد تضرر إمدادات القمح، وذلك على خلفية تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا. ومن المعروف أن روسيا وأوكرانيا هما أكبر مصدّرَين للقمح لمصر.
كانت التصريحات الرسمية المصرية بدأت تخرج بشكل تدريجي حول تأثير الأزمة الروسية الأوكرانية على اقتصاد البلاد، وإمدادات البلاد من القمح، وبعض المواد الرئيسية الأخرى كالحديد، خاصةً أن معظم القمح المستورد من الخارج مصدره طرفا الصراع الحالي (روسيا وأوكرانيا).
على أثر ذلك، أطلقت مصر خطة للاكتفاء الذاتي في عام 2022 تنقسم إلى شقين: الأول يرتكز على تقديم الحكومة محفِّزاتٍ لمنتجي القمح المحليين؛ لتشجيعهم على بيع منتجاتهم للحكومة بدلاً من القطاع الخاص.
أما الشق الثاني فيتمثل في إصدار وزير التموين قراراً ينظم بيع المزارعين للقمح، مع اشتراط البيع بمبلغٍ معين للمشترين التابعين للحكومة. ومَن لا يمتثل لذلك يمكن أن يُعاقَب بالسجن لمدةٍ تصل إلى خمس سنوات.

بحسب هذا القرار الحكومي، باتت الجهات المشترية المحددة للقمح هي الشركة المصرية القابضة للصوامع والتخزين، والشركة العامة للصوامع والتخزين، وشركات المطاحن التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، والبنك الزراعي المصري.
حيث نصَّ القرار، الذي أُعلن الأربعاء 16 مارس/آذار، على أن من يمتلك محصول قمح لموسم حصاد 2022 يجب أن يسلم للجهات المذكورة أعلاه جزءاً من المحصول بحد أدنى 12 إردباً للفدان الواحد، على ألَّا تقل درجة نظافة القمح المُسلَّم إلى الحكومة عن 23.5 قيراط.
فيما أضاف القرار أنه في حال بيع أيِّ كمياتٍ من القمح للقطاع الخاص قبل اتخاذ القرار، يجب على المشترين تسليم الكميات المحددة في هذا القرار إلى السلطات بالشروط والأحكام نفسها التي تنطبق على أصحاب المحصول.
بينما حَظَرَ القرار بيع باقي القمح الناتج عن موسم حصاد 2022 إلى جهاتٍ خاصة دون تصريحٍ من وزارة التموين والتجارة الداخلية. ويجب أن يتضمَّن التصريح الموافقة على الكميات والغرض من الشراء، وكذلك الموافقة على أماكن التخزين.
خطة 2022
من المقرر أن يبدأ موسم حصاد القمح المصري الشهر المقبل (أبريل/نيسان)، ويستمر حتى نهاية يونيو/حزيران المقبل.
في حين تحتاج الحكومة إلى جمع نحو 10 ملايين طن من القمح؛ لضمان استمرار الإمداد بالخبز لـ72 مليون شخص مُسجَّلين في نظام الحصص الغذائية بالبلاد.

كانت مصر قد استوردت في عام 2021، نحو 18 مليون طن من القمح، منها ستة ملايين من قبل الحكومة، في حين استُورِدَت الكمية المتبقية من قبل القطاع الخاص.
جاء ما يقرب من 80% من هذا القمح من روسيا وأوكرانيا: 69.4% و10.7% على التوالي.
الأزمة الروسية الأوكرانية
إلا أنه عندما اندلعت الأزمة الروسية الأوكرانية في 24 فبراير/شباط، قالت الحكومة إن لديها أربعة ملايين طن من القمح في مستودعاتها. ثم قال وزير الزراعة إن الحكومة تريد شراء ستة ملايين طن من القمح من المزارعين المحليين.
وبحساب الأربعة ملايين طن المتوافرة بالفعل، وإضافة الستة ملايين طن، سيكون هناك عشرة ملايين طن من القمح، وتلك الكمية هي اللازمة لإنتاج الخبز لأولئك المُسجَّلين في نظام الحصص الغذائية.
لذلك إذا نجحت الحكومة في جمع هذه الكمية من القمح، فقد لا تحتاج إلى استيراد كميات إضافية من القمح من دول أخرى حتى نهاية العام.
فيما أشار المسؤولون الحكوميون خلال الأسابيع القليلة الماضية، إلى المحفِّزات عدة مرات، مع الاستعداد لموسم الحصاد.
من جهته، طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال اجتماعه مع مجموعة من الوزراء، يوم الأحد 13 مارس/آذار، من الحكومة تقديم محفِّزات لمنتجي القمح الذين سيبيعون إنتاجهم للحكومة.
في اليوم التالي لتصريحات السيسي، ذكر المتحدِّث الرسمي باسم مجلس الوزراء نادر سعد، أن الحكومة ستعلن عن بعض المحفزات لتشجيع منتجي القمح على بيع إنتاجهم لها، وضمن ذلك توفير الأسمدة المدعومة التي تغطي احتياجاتهم خلال موسم الصيف.
سعد أشار، في تصريح لقناةٍ تلفزيونية محلية، إلى أنه “ستكون هناك أيضاً زيادة في السعر الذي ستدفعه الحكومة لشراء القمح من المزارعين”.
تحديات تواجه القاهرة
لكن ارتفاع أسعار القمح والمحفِّزات سيزيد من الأعباء المالية على مصر في أعقاب الأزمة الأوكرانية.
إذ كشف وزير المالية محمد معيط، في 6 مارس/آذار، أن مصر ستدفع مليار دولار إضافي لواردات القمح، بسبب ارتفاع أسعار القمح في الأسواق العالمية.

خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2021، استوردت الحكومة 6.1 مليون طن من القمح، بزيادة 2.2 مليار دولار، وفقاً للهيئة الوطنية للإحصاء والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
كما أن هناك أيضاً عدداً من التحديات لخطة الحكومة في الوقت الذي تعمل فيه مصر جاهدةً على زيادة المساحة التي تزرعها بالقمح لأسبابٍ اقتصادية واجتماعية وسياسية.
فخلال هذا العام، تزرع مصر 3.7 مليون فدان من أراضيها الزراعية -التي تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 8.3 مليون فدان- بالقمح. وهذا يزيد بمقدار 415 ألف فدان عن المساحة المزروعة بالقمح في العام السابق.
في حين أطلقت حكومة السيسي أيضاً عدداً كبيراً من مشاريع استصلاح الأراضي، وضمن ذلك في صحاري مصر الشاسعة، لزيادة المساحة الصالحة للزراعة وإنتاج القمح الوطني.
“حلم بعيد المنال”
لكن رغم ذلك يبدو أن الاكتفاء الذاتي من القمح حلم بعيد المنال.
فقد نوه المختصون إلى أن ندرة المياه هي أحد التحديات التي تواجه هذا الاكتفاء الذاتي.
في هذا الإطار، قال علاء عزوز، المسؤول رفيع المستوى بوزارة الزراعة، لموقع Middle East Eye البريطاني: “لطالما كانت المياه هي التحدي الرئيسي لتحقيق الاكتفاء الذاتي من إنتاج القمح”.

يشار إلى أن مصر، التي تبلغ حصتها السنوية من المياه 55.5 مليار متر مكعب من نهر النيل، المصدر الوحيد للمياه العذبة في البلاد، تعاني من فقرٍ في المياه بالفعل، لا سيَّما بالنظر إلى تزايد عدد سكانها البالغ 102 مليون نسمة.
فيما تغطي حصة مصر من مياه النيل أقل من 50% من احتياجاتها، وكان يتعيَّن على البلاد الاعتماد على المياه الجوفية والمياه المعالجة لتوفير الكمية المتبقية، وفقاً للحكومة.
كذلك تواجه مصر مشكلة عندما يتعلق الأمر بسعتها التخزينية للقمح. في عام 2014، كانت مصر قادرةً على تخزين 1.5 مليون طن من القمح. لكن المستودعات المتاحة في ذلك الوقت كانت قديمة وتسببت في خسارة فادحة للمحصول.
تنويع مصادر إمدادات القمح
كانت مصر اتخذت سلسلة من الإجراءات في أعقاب الأزمة الأوكرانية لضمان توفير إمدادات كافية من الغذاء لشعبها. وتضمَّنت الإجراءات حظر تصدير عدد من المواد الغذائية، من بينها القمح والفول والعدس والمعكرونة.
أيضاً أوضحت الحكومة أنها ستعمل على تنويع مصادر إمدادات القمح. وقال سعد، المتحدث باسم مجلس الوزراء، في 23 فبراير/شباط: “لدينا قائمة بـ14 مورداً، يمكننا الحصول منها على قمحنا”.
في حين وصلت عشرات الآلاف من الأطنان من القمح إلى مصر في الأيام القليلة الماضية، من روسيا وأوكرانيا ورومانيا، مِمَّا يدل على قدرة الحكومة على الحفاظ على الإمداد المستمر للحبوب الأساسية من السوق الدولية.
إلا أن الافتقار إلى خطة واضحة يبدو مُقلِقاً لبعض الخبراء المحليين الذين يدعون الحكومة إلى تحديد قائمتها للمورِّدين البديلين.
أسعار الخبز السياحي
في غضون ذلك، قفزت أسعار الخبز السياحي غير المدعم في مصر بنسبة 50% خلال الأيام الماضية، بعد أن قفز سعر طن الدقيق لأعلى مستوى له.
كذلك، ارتفع بيع رغيف الخبز الصغير من 50 قرشاً إلى 75 قرشاً، بينما ارتفع سعر رغيف الخبز الكبير من 1 جنيه إلى 1.5 جنيه.
نتيجة لذلك، وجّه السيسي الحكومة بتسعير رغيف الخبز الحر غير المدعم للحد من ارتفاع ثمنه، مشدّداً على أهمية قيام مباحث التموين بالتثبت من تنفيذ التسعيرة الجديدة.

جاء ذلك خلال اجتماع السيسي قبل أيام مع رئيس الوزراء ووزير الدفاع والإنتاج الحربي ووزير التموين ووزير الداخلية ورئيس المخابرات العامة.
وحتى قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، وبعد ارتفاع الأسعار بنسبة 80% بين أبريل/نيسان عام 2020 وديسمبر/كانون الأول عام 2021، قالت الحكومة المصرية إنها تخطط لرفع تكلفة الخبز المدعوم لأول مرة منذ عقود.
كان آخر تحريك لسعر الرغيف عام 1988، وتم رفعه إلى 5 قروش، وكانت تكلفة رغيف الخبز حينها 17 قرشاً، بينما اليوم تكلفة الرغيف على الدولة 65 قرشاً، بحسب رئيس الحكومة المصرية مصطفى مدبولي.
تأتي هذه الارتباكات في إمدادات القمح العالمية لمصر، مع قرب حلول شهر رمضان، الذي يشهد بعض العادات التي قد تؤثر بالزيادة على طلب القمح والدقيق.
يشار إلى أن مصر تعتبر أكبر مستورد للقمح في العالم بمتوسط سنوي 13.8 مليون طن، بينما يبلغ الاستهلاك المحلي قرابة 22 مليون طن سنوياً.