كرّم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، قيادات متقاعدة في الجيش الجزائري، بمناسبة اليوم الوطني للجيش الموافق 4 أغسطس/آب 2022.
ومن بين هذه القيادات الرئيس الأسبق اليمين زروال، ووزير الدفاع الأسبق الجنرال خالد نزار، ورئيس جهاز المخابرات السابق محمد مدين، والمدير المركزي لأمن الجيش الأسبق محمد بتشين، والجنرال حسين بن حديد.
وتعرف القيادات المكرمة بأعمدة الدولة العميقة، بالنظر إلى المدة الطويلة التي قضوها في مناصبهم العليا بالمؤسسة العسكرية، ومدى نفوذهم فيها رغم تقاعدهم.
وقبل انتخاب تبون رئيساً للجزائر، نهاية 2019، كان الجنرال نزار فاراً في إسبانيا ومطلوباً لدى القضاء العسكري، بينما كان الجنرال مدين يقبع في السجن العسكري بالبليدة يقضي عقوبة 15 سنة سجناً نافذاً بتهمة المساس بسلطة الدولة والجيش.
ووفق اللواء مبروك سبع، المدير المركزي للإعلام والاتصال والتوجيه، الذي قدم حفل التكريمات فإن التكريم جاء نظير جهادهم في جيش التحرير ضد الاستعمار الفرنسي.
ولم يحضر أي من الجنرالات الذين تم تكريمهم بسبب المرض حسب المتحدث عينه.

الدولة العميقة
انتشر مصطلح الدولة العميقة في الجزائر نهاية 2015، وبالضبط بعد إقالة الجنرال محمد مدين المدعو توفيق والقيادات التي كانت تساعده في إحكام سيطرته على جهاز المخابرات طيلة 25 سنة كاملة.
وعمل تحالف الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وقائد أركان الجيش السابق قايد صالح على تفكيك جهاز المخابرات وإعادة هيكلته للقضاء على ما كان يسمى وقتها بـ”فلول المخابرات”.
وفعلاً نجح الرجلان في ذلك، وقاما بإعادة الهيكلة؛ حيث تم ضم قيادتها للرئاسة وإلحاق مديرياتها الجديدة بقيادة أركان الجيش.
وكان أمام قيادات الجنرال مدين وقتها خياران؛ إما السجن أو التقاعد، ومن بين أبرز المسجونين تلكم الفترة الجنرال عبد القادر آيت وعرابي الذي كان اليد اليمنى للجنرال مدين.
واختفت الدولة العميقة ورجالاتها 4 سنوات كاملة عن الساحة حتى اندلاع الحراك الشعبي شهر فبراير/شباط 2019، ليعود الجنرال محمد مدين لعقد لقاءات مع شقيق الرئيس السابق ومستشاره سعيد بوتفليقة وبعض القيادات الأمنية والسياسية، في محاولة لإيجاد حل للأزمة السياسية التي دخلت فيها البلاد، وهو ما أغضب قيادة الجيش التي تحركت لاعتقاله هو وأتباعه وإحالتهم إلى المحكمة العسكرية.
واستطاع بعض القيادات الفرار خارج أرض الوطن، وعلى رأسهم وزير الدفاع الأسبق خالد نزار.
وبعد انتخاب تبون رئيساً للبلاد والوفاة المفاجئة للرجل القوي في المؤسسة العسكرية الفريق أحمد قايد صالح؛ بدأت القيادة الجديدة في العودة تدريجياً باستغلال خلافات تبون والقيادات التي تركها قايد صالح، وعلى رأسها مدير الأمن الداخلي الجنرال واسيني بوعزة.
وفعلاً نجحت الدولة العميقة في الإطاحة بتركة قايد صالح، وعاد الكثير من قياداتها لتتبوأ مناصب عليا على غرار الجنرال جبار مهنة، الذي عاد لقيادة جهاز مكافحة الإرهاب، والجنرال كحال مجدوب الذي يقود مديرية الأمن الداخلي، وغيرهما.

هل عادت فعلاً؟
لم يكن الحديث عن عودة الدولة العميقة للسيطرة على الأجهزة الأمنية جديداً، لكن تكريم تبون للمخضرمين منها مؤخراً جعلها حديث الساعة.
وقالت مصادر مطلعة لـ”عربي بوست” إن الحديث عن عودة الدول العميقة أخذ أكثر من حجمه وليس بالصورة التي يتخيلها البعض.
وأضافت المصادر ذاتها، أن التكريمات الأخيرة لا تعدو أن تكون مجرد تكريمات من مؤسسة إلى مسؤولين سابقين كانوا قادتها من قبل، لاسيما أن المحكمة العسكرية برّأتهم من مختلف التهم التي كانت موجهة إليهم.
ووفق المصادر عينها فإن الجنرالات المتقاعدين لم يعد لهم تأثير لا على المؤسسة العسكرية ولا جهاز الاستخبارات، لكن يتم اللجوء إليهم في ملفات معينة لأخذ استشارات بالنظر إلى خبرتهم الطويلة.
وكان موقع جزائري قد تحدث قبل أسابيع، نقلاً عن مصادر مقربة من وزير الدفاع الأسبق خالد نزار، قوله إنه يشتكي من الوحدة والتهميش ولا يرغب في البقاء بالجزائر.
تصحيح أم انقلاب؟
يرى الكثير من المتابعين للشأن الجزائري أن تكريم جنرالات الدولة العميقة يندرج في مساعي لم الشمل التي أطلقها الرئيس تبون للمصالحة الوطنية الشاملة.
وقال المحلل السياسي علي رضوان إن الدولة تسعى إلى تصحيح كل ما حدث خلال السنوات الثلاث الماضية، وإغلاق ملفات الصراع داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية باعتبارها العمود الفقري للدولة.
وأضاف المحلل الذي تحدث لـ”عربي بوست” أن التحديات التي تواجه البلاد خارجياً تستدعي ترتيب البيت الداخلي وتوحيده، وهو ما يسعى تبون إليه من خلال مبادرة لم الشمل التي تنكشف معالمها يوماً بعد يوم.
