ألمانيا تُعيّن أول مستشار في شؤون الإسلام.. تعرّف على مهام “الوسيط” بين الجمعيات الإسلامية والسلطات

عيّنت ألمانيا مؤخراً أول مستشار رسمي بشؤون الإسلام، ويتعلق الأمر بالمهاجر، حسين حمدان، الذي ستكون مهمته المساعدة في حل الخلافات بين الجمعيات الإسلامية في ألمانيا والسلطات المحلية، وذلك لتقريب وجهات النظر وتذويب الجليد من أجل تعايش أفضل، وفق ما جاء في تقرير لموقع “DW” الألماني، الأحد 13 أغسطس/آب 2023.

وفقاً لإحصائيات، يوجد في ألمانيا 2800 مسجد على الأقل. ومن وقت لآخر، تنشأ نقاشات أو خلافات حولها، خاصة عند ظهور مساجد ذات سمات بارزة، مثل المآذن، بشكل واضح في مشهد مدينة معينة. ورغم أن المساجد بشكل عام تخضع للوائح نفسها التي تسري على الكنائس أو الكنس اليهودية، إلا أن أموراً كثيرة تعتمد على اللوائح المحلية لكل بلدية.

مهام أول مستشار في شؤون الإسلام

يساهم حسين حمدان، وهو أول مستشار في شؤون الإسلام بألمانيا، في تجنب النزاعات بين المساجد والسلطات المحلية. يقول الباحث في الإسلام والأديان البالغ من العمر 44 عاماً: “أنا دائماً صديق للحوار الذي يتم إجراؤه بأمانة. وهذا لا يعني أن نقابل بعضنا باحترام فحسب، ولكن أيضاً أن نتحدث عن القضايا الحرجة”.

منذ 8 سنوات، يقدم حمدان استشارات بشأن الإسلام لبلديات في ولاية بادن-فورتمبيرغ بجنوب غرب ألمانيا. لا يزال يتذكر مهمته الأولى بشكل جيد: “كان ذلك في الثاني من يونيو/حزيران 2015، طلب مني مكتب تابع للولاية تقييماً لجمعية صوفية”. ولا يوجد في ألمانيا سوى عدد قليل من الجماعات الصوفية. اطلع حمدان على الموضوع بالتفصيل، وتمكن بعد ذلك عبر تقييمه من إزالة بعض الشكوك لدى المسؤولين المحليين.

الأمر المميز هو أن حمدان موظف في الكنيسة الكاثوليكية، إذ يعمل منذ عام 2012 كأول مسلم ضمن مشروع أكاديمية أبرشية روتنبورغ – شتوتغارت. ويوجد في ولاية بادن-فورتمبيرغ، التي يبلغ عدد سكانها نحو 11 مليوناً، نحو 800 ألف مسلم، يعمل حمدان من أجلهم مستشاراً للسلطات المحلية وصناع القرار. وتم بناء أول المساجد في الولاية في التسعينيات.

في البداية، كان حمدان مسؤولاً عن مشروع “شباب مسلمون شركاء”. وفي عام 2015، تولى مسؤولية مشروع أطلق حديثاً وقتها بعنوان “مسلمون شركاء في بادن-فورتمبيرغ”. وفي المشروع المدعوم من مؤسسة “روبرت بوش”، يعمل حمدان مستشاراً للبلديات وصناع القرار. 

يؤكد حمدان على ضرورة إجراء حوار ثنائي (بين القائمين على المساجد والبلديات)، وتوفير ممثلين رسميين من جمعيات المساجد كمحاورين موثوق بهم. لخّص الباحث المتخصص بالشؤون الدينية تجاربه في كتاب: “كمستشار للإسلام متنقل عبر بادن-فورتمبيرغ. تجارب – تحديات – توجيهات”.

غالباً ما يتعلق الأمر بمسائل يومية، مثل: هل المئذنة مرتفعة جداً؟ كيف يمكن تصنيف الجماعات الإسلامية؟ كيف يمكن للبلدية إدماج الشباب المسلم (في المجتمع)؟ وكيف تعوّل المساجد على اندماج الشباب؟ في معظم الأحيان، لا يمكن الإجابة على هذه الأسئلة بشكل جمعي.

فارتفاع المئذنة مثلاً يجب أن يعتمد على لوائح البناء ذات الصلة في المنطقة المحددة. لكن عادة في البلديات التي يعيش فيها مسلمون منذ عقود، قد يكون هناك انفتاح وتبادل أكثر من قبل الآخرين.

بالإضافة إلى ذلك، يوضح حمدان للمساجد كيفية سير الأمور في البلديات، مثل: “كيف تعمل البلدية؟ وإلى من يمكن التوجه؟”. يشدد حمدان مراراً وتكراراً على ضرورة إجراء حوار مشترك، مؤكداً أنه من المهم للغاية أن يتوفر للمساجد ممثلون رسميون متاحون كمحاورين ذوي مصداقية.

تقديم المشورة في نحو 50 بلدية

تمت الاستفادة من خدمات حمدان الاستشارية من قبل نحو 50 بلدية في جميع أنحاء بادن-فورتمبيرغ منذ عام 2015. يقول: “أحياناً يكون الأمر محادثة لساعة أو ساعتين فقط، وفي حالات أخرى يمكن أن يتطلب موعدين أو ثلاثة”، مشيراً إلى أنه في حالات قليلة، تكون هناك متابعة أطول للعملية، ويشمل ذلك أيضاً محادثات مع جميع المعنيين في مجموعات صغيرة وفي إطار سري. 

يؤكد حمدان: “الأمر لا يتعلق بحلول جاهزة، بل بتوصيات للعمل”. ويعرف حمدان جيداً وجهات النظر المختلفة حول بناء المساجد في ألمانيا، ويوضح أن البعض يعتبرها عملية “أسلمة”، بينما يرى آخرون في المساجد المفتوحة، التي غالباً ما تحل مكان “مساجد الفناء الخلفي” (المخفية أو السرية)، انفتاحاً على المجتمع.

يشمل عمله أيضاً تقديم المشورة لبلدية يسكن فيها 8 آلاف شخص، رفض مجلسها في النهاية (منح رخصة) بناء مئذنة لمسجد. يقول حمدان إنهم تمكنوا على الأقل من إقناع الطرفين بمواصلة المحادثات. بالعادة لا يذكر حمدان أسماء أماكن محددة لأن السرية جزء من عمله. وحتى في كتابه نادراً ما تظهر أسماء أماكن محددة.

وجهات نظر حسين حمدان

يشرح حمدان وجهات النظر المختلفة حول بناء المساجد في ألمانيا، بينما يصنف في الوقت نفسه الجماعات الإسلامية التي يراقب مكتب حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) بعضها. يشرح الباحث في شؤون الإسلام ذلك بالتفصيل ويوضح بالتالي حدود التعاون. 

لكنه يحذّر أيضاً من تقييم جميع جمعيات المساجد التي تنتمي إلى الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية “ديتيب”، أكبر رابطة إسلامية في ألمانيا، بالطريقة نفسها. ويقول لـ DW: “علينا دائماً أن ننظر إلى جمعيات المساجد في عين المكان، لأن الجمعيات يمكن أن تعمل بشكل مختلف بالفعل في مدن مختلفة”. 

بينما تتعرض جمعيات “ديتيب” في ألمانيا على وجه الخصوص للانتقاد أو تخضع للمراقبة لأنها تابعة مباشرة للسلطات الدينية التركية، وبالتالي يمكن أن تؤثر بشكل موجّه من الخارج.

لكن حمدان يرى أن لجمعيات “ديتيب” أيضاً الحق في معاملة متباينة، إلا أنه يؤكد أن على تلك الجمعيات أيضاً أن تطرح أسئلة جادة على نفسها. 

يشدد الباحث على أن “الصدق في الحوار يعني أيضاً معالجة القضايا الحاسمة”، موصياً البلديات والمساجد بتبادل الآراء أكثر، ويضيف: “يحتاج الأمر إلى تناول الطعام معاً، وشرب القهوة معاً، والاحتفال معاً. لكنه يحتاج أيضاً إلى التحدث عن كيفية تعاملنا مع القضايا الحرجة، والتي تعد بالطبع مهمة أيضاً لتعايشنا في هذه البلديات”.

يوضح عمل حمدان حدود وإمكانيات مشورته، ويولي أهمية كبيرة لإشراك المسلمين، وخاصة الشباب، في المشاريع المجتمعية.

فيما أشاد ميشائيل بلومه، مفوض شؤون معاداة السامية في حكومة ولاية بادن-فورتمبيرغ، بجهود حمدان. وقال بلومه لـDW: “يظهر حسين حمدان أن التعايش بين الأديان يتم تحديده في البلديات على وجه التحديد”، مشدداً على أن “الدول التي لا تريد أن تشهد أية اشتباكات، مثل تلك التي في فرنسا، يجب أن تستثمر الآن في الحوار وتقديم المشورة بشأن الإسلام على مستوى البلديات”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top