السعودية تريد اللحاق بجيرانها، لكن قد يستغرق الأمر جيلاً كاملا.. الرياض تراهن على التكنولوجيا لبناء اقتصاد حديث

أصبحت قصةً مألوفةً أن ترى الاستثمارات الخليجية بالخارج متناثرة بمليارات الدولارات في أكثر من مكان. وبعد أن هدأت مدن دول الخليج الصغيرة في السنوات الأخيرة، تدخَّل الأخ الأكبر، السعودية، لتتعجَّل في خطواتها الآن من أجل تنويع الاقتصاد السعودي واللحاق بجيرانها بطرقٍ متعددة.

ويوضح تقرير لصحيفة The Financial Times البريطانية، أن المملكة العربية السعودية -أكبر مُصدِّر للبترول، والتي طالما كان يُنظر إليها كدولةٍ ثقيلة الحركة وشديدة الحظر- تريد الاستثمار في التكنولوجيا من أجل بناء اقتصاد حديث.

رهان جديد للسعودية على الاستثمارات الخارجية

هل تتذكَّر دبي قبل الاستثمارات التي تركتها على شفا انهيارٍ مالي؟ كيف انتشرت وسائل الاستثمار الجديدة في أبوظبي على مرِّ العقد الماضي؟ كيف أصبح صندوق قطر السيادي في وقتٍ قياسي واحداً من أقوى روَّاد الاستثمار العالمي؟

حتى الآن، لا تبدو أهدافها الاستثمارية بالخارج مثل الأهداف المعتادة لدول الخليج؛ من مبانٍ بارزة، أو خدماتٍ مالية، أو نوادي كرة قدم (ولكن يُقال إنهم يراقبون أحد فرق الدوري الإنكليزي الممتاز). وبدلاً من كل هذا، تراهن المملكة ذات الحكم المُطلَق، على التكنولوجيا رهاناً كبيراً.

من 45 مليار دولار من الاستثمارات في صندوق سوفت بنك فيجن الاستثماري، إلى 2 مليار دولار للاستثمار بشركة تسلا الأميركية، بالإضافة إلى 3.5 مليار دولار في شركة أوبر، والآن تترقَّب السعودية عوائدها وتأمل أن تغرس هذه الشراكات مع وادي السيليكون بذور الاقتصاد السعودي المعرفي. يبدو هذا منطقياً وجذاباً، ولكنه في الأغلب لن يتحقَّق.

تتفق الحالة الحالية للمملكة، كمستثمرٍ عالمي يشق طريقه في عالم التكنولوجيا، مع الصورة الشبابية العصرية التي يريد أن يصدّرها وليّ عهد المملكة وحاكمها الفعلي، محمد بن سلمان. يُولِّد ذلك الكثير من عناوين الأخبار وحفلات الاستقبال في وادي السيليكون. وهناك أيضاً عامل جذب شعبي لضخ الأموال في مجال التكنولوجيا، وهو أن الشباب السعودي الذي يمثل معظم السكان، يُعَد مستهلكاً كبيراً للخدمات الرقمية.

وكما أشار أحد المستشارين مؤخراً، فإن المستخدم السعودي يُحمِّل 3 أضعاف ما يحمِّله المستخدم الأميركي المتوسط. وفي الوقت نفسه، ببلدٍ تغيب عنه حرية التعبير، يُعتَبَر موقع تويتر المكان الذي يعبِّر فيه السعوديون عن أنفسهم.

طَموح، لكن ليس سهلاً

أمَّا إذا ما كانت الاستثمارات التكنولوجية ستُحوِّل الاقتصاد السعودي إلى اقتصاد المستقبل أم لا، فتلك مسألةٌ أخرى. يمكنني أن أتخيَّل ركناً فخماً في المملكة يتحوَّل إلى مركزٍ للتكنولوجيا، بالطريقة نفسها التي شيَّدَت بها دبي مركزاً مالياً دولياً، وعلى الرغم من ذلك أشك في أن يتوافد الأجانب إلى المملكة من أجل الابتكار.

ولكن في الغالب، قد يستغرق الأمر جيلاً على الأقل قبل أن تسمح الظروف بنوعٍ جديدٍ من الاقتصاد. فعلى الرغم من الحديث عن تنويع مصادر الدخل منذ عقود، لا يزال الاقتصاد السعودي معتمداً على النفط، ونظام المملكة التعليمي عالق في الماضي، وتحتاج قوانينها لتعديلاتٍ جذرية، ويقع قطاعها الخاص تحت رحمة الدولة.

خاصة أن الاقتصاد السعودي يرتكز في مجمله على الدولة

لا توجد أي نية لدى الدولة للتنحي جانباً، ففي الواقع هم يرون أنفسهم في صورة القيادة المُجدِّدة المُبتكِرة. يحتضن صندوق الاستثمارات العامة -الوسيلة التي تعمل عمل الصندوق السيادي- تركيز الدولة المتنامي على القوة الاقتصادية. ويسيطر الصندوق على الكثير من الأصول المحلية للحكومة. وفي العام الماضي (2017)، باسم محاربة الفساد، أُلقي القبض على عشرات من رجال الأعمال. وكان إطلاق سراحهم مشروطاً بمنح  الدولة بعض الأصول التي يملكونها. 

بالإضافة إلى ذلك، فإن السعودية ليست الإمارات أو قطر. الاقتصاد السعودي هو في الخليج، ولكنها أكثر كثافة سكانية وأفقر من جيرانها.

هناك أكثر من 20 مليون مواطن سعودي، مقارنة بـ1.4 مليون مواطن في الإمارات، ونحو 300 ألف مواطن بقطر. ومتوسط دخل الفرد فيها أقل من نصف متوسط دخل الفرد في الإمارات، وأقل حتى من متوسط دخل الفرد بالبحرين، التي تُعد واحدةً من أفقر دولتين من دول الخليج.

وحتى إن أرادت أن تنسج على منوال دول الخليج، فإنها تحتاج إلى أشياء أهم

يحتاج الشباب السعودي إلى وظائف، سواء في الوقت الراهن أو بالمستقبل؛ إذ وصلت نسبة البطالة في شهر يوليو/تموز 2018، طبقاً للأرقام الحكومية، إلى أعلى نسبة مُسجَّلة، وهي 12.9%. وتُعد البطالة مستشريةً بين الشباب؛ إذ تصل إلى 30%. وتخرج نساء المملكة الآن من الظلال؛ إذ سَمَحَ لهن القانون في شهر يوليو/تموز 2018 بقيادة السيارات، ولكن  لا تزال هناك الكثير من الوظائف التي يُمنَعن منها.

الطموح فضيلة. وقف السعوديون وقتاً طويلاً ينظرون كيف تبني دبي وأبوظبي اقتصاداتٍ أحدث، وكانوا يتساءلون لماذا تغط دولتهم في ركودٍ تام! ولكن الاستثمار بمجال التكنولوجيا ليس كافياً لتغيير السعودية.  

قد تُصدِّر بعض الشركات المعرفة والخبرة إلى المملكة، لكن ما من تركيبةٍ سحريةٍ سريعة تُنتِج خريجين مهرة مناسبين لسوق العمل، وما من حلٍّ تكنولوجي لضبابية المناخ الاستثماري، أو لصنع القرارات الاقتصادية الخاضعة للأهواء الملكية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top