نشرت مجلة The Economist البريطانية تقريراً عن محاولات السعودية لتحويل موقع “مدائن صالح” الأثري، الذي يقع في شمال غربيّ المملكة العربية السعودية، لـ “جنة” لقضاء الإجازات أمام ملايين البشر خلال الأعوام المقبلة، لكن هناك عدة تحديات وأزمات تعترض طريق هذا المشروع، الذي ربما لن يكتب له النجاح بالرغم من أهميته الأثرية، وجميع مصادر الجذب التي يتمتَّع بها الموقع.
ما قصة “مدائن صالح”؟
يجتمع الأحياء بالأموات في موقع “مدائن صالح” الأثري، الذي يقع في شمال غربيّ المملكة العربية السعودية. وعلى جميع جوانب الوادي، بالنظر إلى الموقع الذي كان في السابق واحةً مزدحمة، يمكن رؤية المئات من المقابر الضخمة المنحوتة في الصخور البرتقالية الصفراء.
وكان الناس الذين بنوا هذه المقابر قد أتوا من مدينة بابل وبلاد الفرس واليونان القديمة وروما. وكانت مدائن صالح محطةً مهمة في طريق التجارة، الذي كان يُنقَل من خلاله البخور النفيس من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى البتراء، عاصمة المملكة النبطية عبر حدود ما يُعرَف الآن بدولة الأردن، وصولاً إلى الإمبراطورية الرومانية.
في القرن الأول الميلادي، زيَّن تجار مدائن صالح مقابرهم بنقوش صور الأسود والغزلان والأرانب والماعز الجبلية والفهود والضباع والأرانب البرية والثعالب وحتى القنافذ. وأمروا بإجراء الآلاف من الكتابات الحجرية المتقنة التي تُظهِر تسلسل تطوُّر اللغة المكتوبة في هذه المنطقة من اللغة الفينيقية إلى العربية.
لقد أنشأوا مجتمعاً سخياً. إذ تُرجع الكتابات السبب للسفر الآمن وحصاد وفير للتمور. وعلى سبيل المثل تُظهِر إحدى الكتابات عقداً بين أختين يُبيِّن أن الأخت الكبرى، وتُدعى ناجان، ستأخذ المقبرة السفلية عند موتها، وأن أختها الصغرى، ناهميا، ستأخذ المقبرة العلوية عند موتها.
وفي العصور الوسطى جذبت مدائن صالح الكثير من الرحَّالة، مثل المغامر المغربي ابن بطوطة، وبعد 500 عام قال عنها تشارلز داوتي، وهو كاتبٌ من العصر الفيكتوري: “مدائن صالح الرائعة التي أتيت من أقصى البلاد لأراها في شبه الجزيرة العربية”. وفي الوقت الحالي يقول عنها أحمد آل إمام وهو مرشد مُطَّلِع: “إن البطل هنا هي الطبيعة وليس الإنسان”.
الأمير والصحراء ومليارات الدولارات
لا يعرف مدائن صالح في هذه الأيام إلا قلة من الناس. ولا يزور هذه الأعجوبة التي تقع على مسافة ألف كيلومتر شمال غربي العاصمة السعودية الرياض إلا القليل، إلا أن هذا أصبح على وشك أن يتغيَّر.
وبعد مدة طويلة من منع دخول الموقع، وخاصة علماء الآثار، تريد السلطات الآن تحويل الأعجوبة ومنطقة العُلا المحيطة بها، بكافة النتوءات الصخرية والآلاف من القطع الأثرية الموجودة بها، إلى موقع جذب سياحي ضخم.
وفي سرد رواية كيف أصبحت المملكة السعودية مهداً للدين الإسلامي، يريدون تحويل “مدينة العُلا” الصغيرة إلى العاصمة الثقافية للسعودية كنظيرٍ لمكة كونها مركز السعودية الديني، والرياض كقلب السياسة والمال للدولة.
أطلق وليّ العهد محمد بن سلمان المبادرة عام 2016 كجزءٍ من دعوةٍ لتنويع الاقتصاد. وبحلول عام 2030 يكون الهدف هو مضاعفة إنفاق الأسر على الثقافة والترفيه إلى جانب مضاعفة عدد مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو (السعودية تمتلك خمسة بالفعل وفي مقدمتها مدائن صالح). وتستهدف الخطة إنشاء أكبر متحف إسلامي في العالم، وخلق فرص عمل للشباب في مجال السياحة في بلدٍ يبلغ ثلثا سكانه أقل من 30 عاماً.
ويُقال إن الأمير محمد بن سلمان يقضي عطلاته الأسبوعية في الصحراء في مدينة العُلا، حيث يمكنك الاستلقاء ليلاً على الرمال والتأمل في مجرة درب التبانة دون الانزعاج بالتلوث الضوئي أو الضوضاء، كما أنه يتابع المشروع عن كثب.
وشكَّلَت الحكومة اللجنة الملكية لمدينة العُلا، التي تتولَّى مهمة الإشراف على التخطيط في المنطقة، التي تعدل مساحتها تقريباً مساحة بلجيكا. ويتولَّى رئاسة اللجنة الأمير بدر بن عبد الله الذي عُيِّن مؤخراً وزيراً للثقافة أيضاً.
وقال عمرو المدني، وهو مهندسٌ كهربائي تدرَّب في الولايات المتحدة ويشغل منصب المدير التنفيذي للجنة: “تخيَّل العُلا كمتحفٍ حي. كلُّ صخرةٍ هناك لها شكلٌ خاص، وكل طريق شاهد على وجود التجارة. ولا أعتقد أنه يوجد في العالم بقعة كهذه تجمع العديد من الحضارات في مكانٍ واحد”.
ومن ناحية أخرى، بعد أن أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مأدبة عشاء للأمير محمد بن سلمان في متحف اللوفر في مطلع هذا العام، وقَّعَت كلتا الحكومتين اتفاقاً لتطوير مدينة العُلا، يُحتَمَل أن تبلغ قيمته مليارات الدولارات لصالح الشركات الفرنسية.
ويتضمَّن الاتفاق الذي تبلغ مدته 10 سنوات إنشاء وكالة فرنسية جديدة بقيمة 300 مليون يورو (340 مليون دولار) تُموِّلها السعودية لتطوير مدينة العُلا، ومن المفترض أن تتعاون السعودية مع الوكالة في البنية التحتية الحضرية والقضايا البيئية، وكذلك في شؤون السياحة والآثار، بالإضافة إلى إنشاء مقر جديد للمعهد الفرنسي الذي يُروِّج للغة والثقافة الفرنسيَّتين.
ويشمل الاتفاق أيضاً إنشاء صندوق خاص لدعم المتاحف الفرنسية ومجموعاتها، فيما طلبت فرنسا من أجله تمويلاً إضافياً بقيمة 1.2 مليار يورو (1.36 مليار دولار).
التقدم هزيل، والخطط ما زالت حبراً على ورق
لإرضاء قادته الأمراء، يمضي المدني قُدُماً على عدة جبهاتٍ في آنٍ واحد. ولكن التقدُّم هزيل. وقد استقال بالفعل عضوان من لجنةٍ استشاريةٍ دوليةٍ متألفةٍ من مديري المتاحف والأكاديميين ومسؤولي السياحة التنفيذيين. ويقول أحد المستشارين: “الأمر تعمُّه الفوضى. لا توجد خطة. مجرد اندفاع، واندفاع، واندفاع”.
على سبيل المثال، أعلنت الهيئة الملكية لمحافظة العلا حديثاً عن مخططٍ لتحويل المحافظة إلى وجهةٍ لمستلِّقي الجبال، وأسندت عدة أعمالٍ فنيةٍ خارجيةٍ كبيرة الحجم إلى بعض أرقى الفنانين الغربيين، من دون رؤيةٍ واضحةٍ لدور تلك الزينات.
وقد اكتسب كثيرٌ من العاملين بالوكالة الفرنسية خبرتهم من بناء متحف اللوفر أبوظبي، وهو مشروعٌ ضخمٌ حوَّل دولة الإمارات إلى مركزٍ ثقافيٍّ منذ افتتاحه قبل عامٍ مضى. ولكن مع أن السعودية قد دفعت 20 مليون يورو (نحو 23 مليون دولار)، وهي الدفعة الأولى للوكالة، يبدو أنهم قد قرَّروا إقصاء الفرنسيين.
إذ بعد ثمانية أشهرٍ من توقيع الاتفاقية، لم يجرِ التفاوض حتى الآن على البنود التي ستحكُم تطبيق الاتفاقية، مثل المتاحف المقترحة للحضارتَين قبل الإسلامية والإسلامية.
وبعيداً عن التشويش البيروقراطي، فعلى الرغم من جميع مصادر الجذب التي يتمتَّع بها الموقع، يواجه السعوديون وشركاؤهم عدة تحدياتٍ في محاولة جعله وجهةً سياحيةً عالميةً. أول العوامل هو هشاشته. تقع محافظة العلا، ومدائن صالح بالأخص، في خطرٍ من التلوُّث والتآكل إذا تكدَّس بها عددٌ زائدٌ من الناس.
لقد زار أكثر من 400 ألف شخصٍ مدينة البتراء الأردنية العام الماضي، ويهدف السعوديون إلى استضافة مليونيّ سائحٍ سنوياً في العلا بحلول عام 2035. ومن المُتوقَّع أن يكون نصفهم من السياحة الداخلية ومعظم البقية من خارج المنطقة.
وسيتطلَّب استيعابهم مطاراً جديداً وآلافاً من غرف الفنادق. ويَعِي المدني بحجم الخطر. ويعترف بأن المكان “هادئٌ وبسيطٌ”، لدرجة أنه “(قد يكون) من الأفضل عدم المساس به”. ولكنه يتعهَّد بأن العلا “لن تتحوَّل إلى ديزني لاند الثقافة”.
الفردوس المفقود
ثم هناك مسألة كيفية جذب السياح الأجانب إلى السعودية. ما هي التنازلات التي ستقدِّمها السلطات لاستدراجهم؟ تختلف العوائق المحتملة من توافر التأشيرات وحتى قواعد اللباس: إذ ستشعر النساء بالاحترار من قضاء أسبوعٍ في التجوال أو مشاهدة المعالم السياحية في عباءةٍ كاملةٍ. وقد تشكِّل السباحة العائلية مشكلةً كذلك، تبعاً لأعمار السابحين وأجناسهم.
لطالما كان من المُرجَّح أن يكون تشييد “جنةٍ” للإجازات في ظلِّ نظامٍ “استبداديٍّ ذي ثقافة وهابية متشدِّدةٍ” مهمةً عسيرةً. وما زاد الطين بلةً هو جريمة القتل “الشنعاء” في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، للصحافي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية بإسطنبول، بأمرٍ من الأمير محمد بن سلمان نفسه، وفقاً “للشائعات”.
لربما كان الزائرون على استعدادٍ لقبول الطباع الاجتماعية المتشدِّدة كثمنٍ مستحقٍّ نظير مشاهدة أحد أبهى المواقع الأثرية في الشرق الأوسط.
وستقل درجة إقبالهم على السعودية كثيراً إذا فسدت محافظة العلا بفعل التخطيط السيئ والتطوير المفرط، أو إذا عجزت الدولة عن محو سمعتها “الوحشية والمعادية للديمقراطية والدموية”، كما وصفها أحد مستشاري الهيئة الملكية لمحافظة العلا.