في تطور مفاجئ لحادثة موت صحافي تونسي حرقا بمدينة القصرين جنوب تونس، ذكرت مصادر أمنية أن الحادث قد يكون جريمة قتل متعمدة، بطلها شخص أضرم النار في جسد المصور الصحافي عبد الرزاق زرقي.
وحسب تقارير إعلامية تونسية، فإن المشتبه فيه اعترف خلال التحقيقات معه، بأنه أشعل ولاعة بالقرب من المصور الصحافي “دون قصد”، وهو ما نفته مصادر أمنية مطلعة، في تصريح لموقع إذاعة “موزاييك” التونسية، الأربعاء 26 ديسمبر/كانون الأول 2018.
وأوضحت المصادر ذاتها، أن المشتبه فيه كان مضطرباً ومتضارباً بأقواله، التي أشار في أحدها إلى أنه “استعمل ولاعته بالقرب من الفقيد زرقي، من أجل إشعال سيجارة، وفق أقواله في الأبحاث الأمنية الأولية”.
من جهة أخرى، كشف وزير الداخلية التونسي، هشام الفوراتي، أن الأجهزة الأمنية ضبطت سيارة “كانت توزع بطاقات شحن للهواتف النقالة وأموالاً على بعض المحتجين بمنطقة فوسانة في ولاية القصرين عقبت موت صحافي تونسي حرقا “.
ووصف وزير الداخلية التونسي، الأربعاء 26 ديسمبر/كانون الأول 2018، الحادثة بالخطيرة، وشدد على أن الأبحاث ستتواصل، لمعرفة من يقف وراء هذه الممارسات، وأضاف أن “الاحتجاجات السلمية تؤطرها وزارة الداخلية وتحميها”.
احتجاجات واعتقالات لمتظاهرين بسبب موت صحافي تونسي حرقا
واندلعت احتجاجات في مناطق تونسية إثر “انتحار” مصور صحافي حرقاً بمدينة القصرين غرب البلاد، وتزامنت هذه الأحداث مع اقتراب إحياء الذكرى الثامنة لـ”ثورة الحرية والكرامة” في 2011، التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.
وتُوفي المصور الصحافي عبد الرزاق زُرقي، مساء الإثنين 24 ديسمبر/كانون الأول 2018، بعد أن أضرم النار بنفسه في اليوم ذاته؛ احتجاجاً على البطالة والأوضاع المتردية بولاية القصرين (وسط غربي).
وقال زرقي في مقطع فيديو سجَّله بنفسه قبل وفاته: “من أجل أبناء القصرين الذين لا يملكون مورد رزق (…)، اليوم سأقوم بثورة، سأضرم النار في نفسي”.
https://www.youtube.com/watch?v=HKdGzqQDc74
وبدأت الاحتجاجات في أحياء وسط مدينة القصرين بعد موت صحافي تونسي حرقا منذ ليل الإثنين/الثلاثاء، وتواصلت بصفة متقطعة إلى ليل الثلاثاء/الأربعاء.
وذكر مراسل وكالة الأنباء الفرنسية أن الاشتباكات تجددت ليل الثلاثاء/الأربعاء في عدد من أحياء المدينة. ورشق المحتجون بالحجارة قوات الأمن، التي ردَّت باستعمال الغاز المسيل للدموع. ولم يردد المحتجون هتافات ولم يرفعوا شعارات محددة.
وقال وزير الداخلية هشام الفراتي، في تصريحات للصحافيين، الأربعاء 26 ديسمبر/كانون الأول 2018، إنه تم توقيف 13 شخصاً في القصرين، وإن “التحركات الليلية تسعى للمسّ بالممتلاكات العامة والخاصة، واستهدفت الكاميرات الخاصة بوزارة الداخلية… وسيتم متابعة كل مخرب”، مشيراً إلى إمكانية توظيف المحتجين.
بسبب الوضعية الاجتماعية الصعبة التي تعيشها المناطق الداخلية
وكتبت صحيفة “لوكوتيديان” الناطقة بالفرنسية، الأربعاء، أن موت صحافي تونسي حرقا “تعبير عن رفض لواقع كارثي، وانخرام التوازن بين الجهات، وارتفاع منسوب البطالة لدى الشباب، والبؤس الذي يعيشه مواطنونا في المناطق الداخلية”.
وتابعت الصحيفة: “ليس بإمكان أحدٍ نكران أن المسؤولين في البلاد غير مسؤولين. مسؤولون عن الفوضى ويأس الشباب وإحباطهم.. اليوم كلمة (يشعل) تستمد معناها من شبابنا”.
وقال مسعود الرمضاني، رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لـ “فرانس برس”: “هناك قطيعة بين السياسيين، والشباب الذين يعيشون الفقر في المناطق الداخلية والذين يرون ضبابية مستقبلهم في غياب خطاب سياسي مطمئن”.
ويشتكي سكان المناطق الداخلية التونسية من “الاحتقار” الذي عانوه منذ عهد أول رئيس لتونس الحبيب بورقيبة (1956-1987)، مروراً بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي (1987-2011)، ووصولاً للحكومات التي تعاقبت على السلطة منذ 2011.
وتوقع الرمضاني أن تتسع رقعة الاحتجاجات وتشمل مناطق أخرى، “في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية تعكف على المشاغل الحقيقية للتونسيين”.
“أحداث شغب” في مجموعة من الولايات التونسية
وأكدت وزارة الداخلية في بيان، أن قوات الأمن تدخلت الثلاثاء 25 ديسمبر/كانون الأول 2018، “لإعادة الأوضاع إلى نصابها في بعض الأحياء من القصرين وجبنيانة (ولاية صفاقس-وسط شرقي) وطبربة (ولاية منوبة- شمال)”.
وتحدثت عن “أحداث شغب، تمثلت في إشعال العجلات وغلق الطرقات والرشق بالحجارة، دون تسجيل إصابات”.
وقال الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للأمن الوطني وليد حكيمة، إن المواجهات أسفرت عن إصابة رجل أمن في جبنيانة، وتوقيف 5 أشخاص في طبربة.
وأوضحت الداخلية أن الهدوء عاد تدريجياً إلى هذه المناطق، التي لا تزال الوحدات الأمنية متمركزة فيها لمراقبة الأوضاع.
بينما نقابة الصحافيين التونسيين تعلن عن إضراب عام
وأعلنت نقابة الصحافيين التونسيين، الثلاثاء، إضراباً عاماً في المؤسسات الإعلامية يوم 14 يناير/كانون الثاني 2019، الذي يتزامن والذكرى الثامنة لاندلاع ثورة 2011.
وقالت النقابة في بيان، إن الإضراب يأتي على خلفية “الوضع المتردي الذي بات عليه الإعلام، لا سيّما في القطاع الخاص، من وضعيات هشة وانعدام الرقابة على المؤسسات التي لا تحترمُ الحقوق المهنية للصحافيين”.
واندلعت ثورة 2011 في منطقة سيدي بوزيد (وسط غرب)، إثر إقدام البائع المتجول محمد بوعزيزي على إحراق نفسه والموت، احتجاجاً على الفقر وهرسلة الأمنيين له، وسرعان ما انتشرت الاحتجاجات لتشمل عدداً كبيراً من المدن التونسية وأسقطت حكم نظام بن علي.
ومرت إثر ذلك تونس إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي بتنظيم انتخابات حرة، ولكن الوضع السياسي في البلاد بقي يشهد تجاذبات على حساب الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور.
ويؤجج التضخم، الذي يغذيه خصوصاً تراجع قيمة الدينار، والبطالة التي ما زالت فوق 15%، التململ الاجتماعي الذي أدى إلى أعمال شغب في يناير/كانون الثاني 2018، بكثير من المدن التونسية.
ويختم الرمضاني بقوله: “نحن اليوم في حروب حزبية وصراع… والعيون تحلم بالانتخابات التشريعية والرئاسية في 2019 لا غير”.