مع طيّ اليوم الثالث لعملية نجاح هروب ستة من أسرى “سجن جلبوع” العسكري، وشعور الأجهزة الأمنية الإسرائيلية باليأس من إمكانية العثور على أي معلومة حول مصير هؤلاء السجناء، بدأ الغليان في الشارع الفلسطيني يأخذ منحنى خطيراً في ظل تصعيد مصلحة السجون من خطواتها اذلانتقامية ضد باقي الأسرى الفلسطينيين.
إذ شهدت معتقلات “النقب” و”ريمون” جنوب فلسطين المحتلة، أمس الأربعاء، ما يشبه بداية إعلان “تمرد” من قبل السجناء عبر حرق غرف الزنازين الخاصة بهم، رداً على قرار مصلحة السجون بعزل أسرى حركة الجهاد الإسلامي وتفريقهم إلى معتقلات أخرى، وهو ما رفضه الأسرى الذين تصدّوا لهذه الهجمة بالاشتباك المباشر مع أجهزة الأمن الإسرائيلية التي استعانت بالجيش، كسابقة تسجّل لأول مرة في محاولة لاحتواء الوضع.
شرارة الثورة في السجون سرعان ما انتقلت إلى الشارع الذي انتقض في مسيرات حاشدة دعت إليها الفصائل الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، رداً على الهجمة الشرسة التي تعرّض لها الأسرى العزل في سجني النقب وريمون، مطالبين بضرورة التدخل العاجل لوقف مخطط التصفية التي يتعرض له الأسرى.
يأتي هذا في وقت يستعد فيه الأسرى الفلسطينيون بالسجون الإسرائيلية لاتخاذ خطوات تصعيدية جديدة ضد القرارات التعسفية ضدهم بالسجون.
معركة كسر الإرادة
كشف مصدر مقرب من حركة الأسرى في سجن النقب، الذي أخفى هويته لدواعي السلامة، لـ”عربي بوست”، أن ما جرى أمس الأربعاء في سجن النقب كان بمثابة إعلان حرب لكسر إرادة باقي الأسرى، حيث يمكن وصف التعامل الإسرائيلي مع الأسرى بأنه انتقام مبيت بنية القتل والتنكيل ضد باقي الأسرى، رداً على عملية هروب الأسرى الستة من سجن جلبوع.
وأضاف “الأسرى يتعرضون لليوم الثالث لأشرس هجمة وإجراءات لم تشهدها الحركة الأسيرة منذ ثمانينات القرن الماضي”.
وتابع أن حقيقة ما جرى هو أن مصلحة السجون اتّخذت سلسلة خطوات من بينها تقليص مساحة الحرية الممنوحة للأسرى، عبر السماح لهم بالخروج لمرة واحدة في الفورة الصباحية (الساحة الخارجية) ولمدة نصف ساعة فقط، بعد أن كانت في السابق تمر بثلاث دورات كل 4 ساعات، كما تم إغلاق الكنتين (البقالة) أمام الأسرى، وحُظر استخدام الأسرى للمغسلة، ووُضع حارس على بوابة كل زنزانة، وتشغيل كشافات السجن الداخلية والخارجية، ما تسبّب في أرق لدى الأسرى الذين لم يستطيعوا النوم بشكل جيد.
وأضاف: “ما شهِدناه على الأرض كان واضحاً بأن هنالك قراراً بعزل أسرى حركة الجهاد الإسلامي عن باقي الأسرى، وتفريقهم إلى معتقلات أخرى، أو نقلهم إلى غرف أخرى داخل السجن، كمقدمة لحل الإطار التنظيمي للحركة داخل المعتقلات، وهو ما رفضته الهيئة القيادية للأسرى، التي أصدرت قراراً بحرق كل زنزانة يجري اقتحامها”.
خطوات تصعيدية قادمة
كشف المتحدث أن قراراً يجري دراسته داخل الإطار القيادي للفصائل في السجون بالبدء بتنفيذ إضراب شامل عن الطعام، في حال لم تتوقف الهجمة بحق الأسرى، أو تتراجع مصلحة السجون عن كل القرارات التي اتخذتها في الساعات الماضية.
وأضاف: “نحن لا نمتلك أي أدوات حقيقية لمواجهة هذه الهجمة الشرسة سوى تدويل قضيتنا، من خلال تدخل الصليب الأحمر والأمم المتحدة لاحتواء الوضع والعودة للوضع السابق”.

الضغط يزداد على بينيت
أفاد موقع “0404” العبري المقرّب من الجيش بأن مظاهرة انطلقت صباح اليوم الخميس أمام سجن عوفر، كان قد دعا إليها عائلات القتلى من المستوطنين للمطالبة بوقف ما سمّوه حياة الدلال والرفاه التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون في السجون.
وتشعر الحكومة الإسرائيلية بأن ضغطاً سياسياً وأمنياً بدأ يزداد حول مصيرها، جراء عدم قدرتها على احتواء الموقف أمام الشارع الإسرائيلي، الذي بدأ يشعر بأن جيشه لم يعد قادراً على توفير الحماية له، نظراً لوجود احتمال لدى جهازَي الشاباك والشرطة الإسرائيلية بأن الأسرى الهاربين لا يزالون داخل الخط الأخضر.
في المقابل رفعت الفصائل الفلسطينية من سقف التحدي، حيث شارك آلاف المواطنين في مظاهرات حاشدة جابت شوارع غزة والضفة والقدس، أسفرت عن إصابة ما يزيد عن 100 متظاهر، معظمهم بالرصاص الحي، جراء صدّ قوات الجيش الإسرائيلي لهذه المظاهرات التي كانت تخشى من أن تؤثر على عمليات البحث والمطاردة لبقية الأسرى.
محمد الشقاقي، المتحدث باسم مؤسسة مهجة القدس للشهداء والأسرى، التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، قال لـ”عربي بوست”: “نحن في خضمّ معركة تقرير المصير بشأن مستقبل أسرانا، نرفض أي محاولات لتغيير الوضع القائم داخل السجون، ونعتبر أي مساس بحياة الأسرى الهاربين أو محاولة الانتقام من الأسرى العزّل داخل السجون سيكون إعلان حرب بالنسبة لنا، لدى قيادة الحركة في السجون أوراق ضغط لم نكشف عنها بعد، والميدان وطبيعة التعامل الإسرائيلي هي من ستحدد إلى أين ستؤول الأمور”.
وأضاف: “رفعنا حالة الجهوزية والاستعداد لكل السيناريوهات، ما يجري داخل السجون من مساس بحرية الأسرى في حال لم يتوقف سنعلن عن مفاجآت لن تتوقعها إسرائيل، أوصلنا رسائل للأطراف المعنية بأن خياراتنا ستكون أبعد من أي تقدير إسرائيلي بشأن رد الفعل في حال تعرَّض أحد أسرانا للقتل، غزة والضفة والقدس ستكون ميداناً مناصراً للمعركة الجارية الآن داخل السجون، بما فيها اللجوء للخيار العسكري، بغضّ النظر عن أي اعتبارات سياسية”.
حلّ الإطار التنظيمي داخل السجون
يمكن قراءة السلوك الإسرائيلي في ضوء الهجمة الشرسة التي بدأتها داخل السجون، بأن إسرائيل تسعى لترسيخ معادلة جديدة تقوم على مبدأ حلّ الإطار التنظيمي للفصائل داخل السجون، وهو ما يُعرف بـ “التمثيل الاعتقالي”، التي تُمكنها من التعامل بشكل فردي مع كل أسير على حدة، دون أن تكون هنالك مرجعية للأسير.
تعتبر إسرائيل أن وجود إطار تنظيمي داخل سجونها هو الشرارة التي فجّرت الوضع وأدّت إلى هذه المرحلة من فقدان السيطرة على الأسرى، ولذلك بدأت بإجراءات التنقل لأسرى حركة الجهاد الإسلامي، كخطوة أولى لتنفيذ هذه الرؤية الجديدة.
أحمد الفليت، مدير مركز لدراسات شؤون الأسرى قال لـ”عربي بوست”، إن “إقدام إسرائيل على خطوة كهذه سينعكس عليها بشكل سلبي، فالأسرى يستطيعون التواصل اليومي وتدبير أمورهم بشكل فردي دون وجود إطار تنظيمي، حتى في حالات الشغب لا يمكن لمصلحة السجون أن تتعامل مع حالات تمرد وعصيان دون وجود مرجعية يمكن التفاوض معها”.
