«إعفاء» ثري روسي من ديون قيمتها ملايين الدولارات.. لكنه سيقدم تنازلات مؤلمة لأميركا

عندما أعلنت إدراة دونالد ترامب في الشهر الماضي أنها سترفع العقوبات عن 3 شركات يسيطر عليها الروسي الأوليغارشي أوليغ ديريباسكا، اعتبرت ذلك إجراءً صارماً ضد روسيا والأوليغارشي الروسي، قائلة إن عليه تقديم تنازلات مؤلمة لرفع العقوبات.

لكن وثيقة سرية ملزمة وقَّعها الطرفان، تشير إلى أن الاتفاق الذي تفاوضت عليه الإدارة الأمريكية مع الشركات التي يسيطر عليها الأوليغارشي أوليغ ديريباسكا، ربما يقضي بعقابٍ أخف وطأة مما أُعلن عنه.

حسب صحيفة The New York Times توضح الوثيقة أن الاتفاق يحتوي على بنود تعفيه من ديون قيمتها مئات الملايين من الدولارات، وفي الوقت ذاته تترك له ولحلفائه ملكية أغلبية الأسهم في أهم شركاته.

نظراً إلى أن تحقيقات المحقق الخاص روبرت مولر حول الدور الذي لعبته روسيا في الانتخابات الرئاسية عام 2016 تواصل إلقاء ظلالها على الرئيس ترامب، فإن قرار الإدارة برفع العقوبات عن شركة ديريباسكا صارت نقطة خلاف سياسي مشتعلة. حاز الديمقراطيون في مجلس النواب على دعم جمهوري واسع النطاق خلال الأسبوع الماضي لجهودهم التي تستهدف عرقلة اتفاق تخفيف العقوبات. إلا أن مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون أعاق آمال الديمقراطيين الرامية إلى عرقلة قرار الإدارة.

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في أبريل/نيسان الماضي فرض العقوبات على ديريباسكا وستة أوليغارشيين آخرين وشركاتهم، بما في ذلك عملاقة إنتاج الألومنيوم التي يمتلكها ديريباسكا، وهي شركة Rusal، إضافة إلى الشركة القابضة التي تمتلكها، وهي شركة EN+، وشركة أخرى تسيطر عليها وهي شركة EuroSibEnergo. ومثلما هو الحال مع الأوليغارشيين الآخرين، يرتبط ديريباسكا ارتباطاً وثيقاً بالكرملين.

قال وزير الخزانة الأمريكي ستيفين منوشين إن العقوبات كانت رداً على “مجموعة من الأنشطة الخبيثة” التي تضطلع بها روسيا حول العالم.

بدأ سريان العقوبات الشخصية على ديريباسكا على الفور، لكن العقوبات التي فُرضت على الشركات تأجلت أكثر من مرة، وحملت تصريحات مونشين تجاه الشركات نبرة تصالحية. فقد أوضح أن الهدف من العقوبات كان “تغيير سلوك ديريباسكا”، و “عدم تعطيل أعمال Rusal”، نظراً إلى الدور المحوري الذي تلعبه الشركة باعتبارها مُورداً عالمياً للألومنيوم.

أشار مونشين إلى أن وزارة الخزانة قد ترغب في رفع العقوبات عن شركات ديريباسكا إذا خفَّض حصته فيها إلى أقل من 50%.

وأعلن مونشين في الشهر الماضي أن الوزارة توصلت إلى اتفاق لرفع العقوبات عن شركات ديريباسكا مقابل التزام “بتقليص كبير في ملكية ديريباسكا وإنهاء سيطرته”.

وحددت الوزارة الخطوط العريضة للاتفاقية في خطاب مرسل إلى الكونغرس الأمريكي، ونُشر للجمهور. غير أن الوثيقة السرية، التي لم تُنشر للجمهور واستعرضتها صحيفة The New York Times، تتناول الاتفاق تناولاً مفصلاً للغاية، بما في ذلك معلومات الملكية التي تتعلق بإعادة هيكلة الشركة، وأغلبها لم تُنشر أي تفاصيل عنها من قبل.

محو ديون ربما تصل إلى مئات الملايين

إذ تُظهر أن تخفيف العقوبات سوف يسمح لديريبسكا بمحو ديون ربما تصل إلى مئات الملايين من الدولارات عن طريق تحويل ملكية بعض أسهمه إلى مصرف VTB، وهو مصرف حكومي روسي يخضع لعقوبات محددة من الولايات المتحدة كان قد أقرضه مبالغ كبيرة من المال.

تعرض كذلك هذه الوثيقة السرية، التي عُنونت بـ “بنود الرفع” (Terms of Removal)، أن الاتفاقية قد تسمح لحلفاء ديريباسكا وحلفاء الكرملين بالحصول على نسبة كبيرة من أسهم شركاته. وتحمل الوثيقة توقيع مسؤولين تنفيذيين يمثلون الشركات الثلاث إضافة إلى توقيع مسؤول وزارة الخزانة الذي يشرف على القسم المنوط به التعامل مع المفاوضات.

يمكن أن تكون المعلومات الجديدة بمثابة ذخيرة للانتقادات التي تقول إن إدارة ترامب إما سمحت عن علم بتملص  أوليغارشي متحالفٍ مع الكرملين من العقوبات، أو أنها هُزمت عن طريق حملة ضغط قانونية معقدة مولتها شركاته.

جذب ديريباسكا اهتماماً خاصاً؛ لأنه كان شخصية ثانوية في سطور الأخبار المعنية بالتحقيقات حول التدخل الروسي التي يقودها المحقق الخاص روبرت مولر. اجتمع ديريباسكا في علاقة عمل مع بول مانافورت، المدير السابق لحملة ترامب. وقد أُدين مانافورت واعترف بالذنب في الاتهامات التي وجهها إليه فريق مولر.

ورداً على التساؤلات التي تتعلق بالتفاصيل الواردة في الوثيقة السرية، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية بياناً يدافع عن الاتفاق بصورة عامة، ويذكر البنود التي تمنع ديريباسكا وحلفاءه من السيطرة على حق التصويت الذي تكفله لهم بعض أسهمهم.

وجاء في البيان: “ينهي هذا الشطب سيطرة ديريباسكا على هذه الكيانات، ولم يعد يستطيع استخدامها في أنشطة غير مشروعة نيابة عن الكرملين. تعهدت شركات En+، وRusal، وEuroSibEnergo بتقديم مستوى غير مسبوق من الشفافية إلى وزارة الخزانة فيما يتعلق بمعاملاتهم لضمان أن ديريباسكا لا يعيد فرض سيطرته. وسوف تكون وزارة الخزانة يقظة للتأكد من الوفاء بهذه التعهدات، والفشل في الامتثال سوف يجلب عواقب سريعة، بما فيها إعادة فرض العقوبات”.

بيد أن شركاء ديريباسكا عبروا سراً عن رضاهم عن الاتفاق. وأشار ممثلون عن شركة EN+ إلى أن الشركة لم تكن ستفكر في البيع إلى مستثمر مستقل إلا باعتباره خياراً احتياطياً إذا لم توافق وزارة الخزانة على اتفاق إعادة الهيكلة.

جاء في الخطاب المرسل إلى الكونغرس والمتاح للاضطلاع العام أنه بموجب اتفاقية رفع العقوبات عن الشركات، سوف يخفض ديريباسكا حصة ملكيته في شركة EN+ من حوالي 70% إلى 44.95%. قد يشمل ذلك” عملية إعادة هيكلة” مع شركة تعدين سويسرية عمل معها عن كثب، وهي شركة Glencore، ونقل كمية من أسهمه في شركة EN+ إلى مصرف VTB ونقل كمية أخرى إلى جمعية خيرية.

لم يحدد الخطاب عدد الأسهم المنقولة ولم يحدد اسم الجمعية. وأكد أن “العمليات المُنفذة بموجب الاتفاقية لن تسمح لديريباسكا بالحصول على أموال نقدية لا مقابل أسهمه ولا مقابل توزيعات الأرباح المستقبلية” التي تصدرها شركاته”، والتي “سوف تودَع في حساب مصرفي مُجمَد”.

لكن الوثيقة السرية غير المعلنة تحتوي على أرقام أولية، وأسماء، وتفاصيل أخرى تثير تساؤلات حول ماهية درجة العقوبة التي تفرضها الاتفاقية على ديريباسكا.

تُعرّف الوثيقة الجمعية باسم جمعية Volnoe Delo، التي أسسها ومولها ديريباسكا. وتدعم برامج تتراوح بين إنقاذ الكلاب الضالة والحفريات الأثرية ومعارض الكتب. سوف تحصل الجمعية بموجب الاتفاقية على حوالي 21 مليون سهم من أسهم شركة EN+، وهو ما يعادل حوالي 3.22% من ملكية الشركة.

وتكشف الوثيقة السرية عن أن شركة Glencore السويسرية، التي تعتبر من أكبر عملاء Rusal في مجال الألومنيوم، سوف تحصل على 67.4 مليون سهم، وهو ما يوازي 10.55% من ملكية الشركة.

أما مصرف VTB، الذي يملك فعلياً حسب التقارير ما يصل إلى 10% من EN+، فسوف يحصل على حوالي 92 مليون سهم آخر، ليصل إجمالي حصة ملكيته إلى حوالي 24%.

تعرض الوثيقة أن ديريباسكا سوف يُعفى من الديون المستحقة عليه إلى مصرف VTB مقابل الأسهم الإضافية التي ستنتقل ملكيتها إلى المصرف، إذ بلغت قيمة هذه الأسهم حوالي 800 مليون دولار حسب سعر الإغلاق يوم الجمعة 18 يناير/كانون الثاني في بورصة موسكو. وقد حصل ديريباسكا على القروض بضمان الأسهم في إحدى شركاته قبل الإعلان عن العقوبات. تراجعت أسعار أسهم Rusal وEN+ بعد الإعلان عن العقوبات في العام الماضي، لكنها صعدت مرة أخرى مع الأخبار التي تشير إلى التوصل لاتفاق لرفعها، وهو ما سمح فعلياً لديريباسكا بالحصول على مزيد من القروض أكثر مما كان سيتمكن من الحصول عليه إذا لم يجري التوصل إلى اتفاق مع الإدارة الأمريكية.

مصرف VTB سيكون قادراً على الحصول على توزيعات الأرباح

الجدير بالذكر أن مصرف VTB سيكون قادراً على الحصول على توزيعات الأرباح من أسهمه في شركة EN+، حسبما تشير الوثيقة، بالرغم من أن المصرف يخضع لعقوبات أمريكية محددة.

يملك أوليغارشي آخر أيضاً، وهو فيكتور فيكسيلبيرغ، حصةً في إمبراطورية ديريباسكا من خلال شركة تسمى SUAL Partners Limited. إذ يخضع فيكسيلبيرغ لعقوبات فرضتها الولايات المتحدة وجذب اهتمام المحققين في فريق مولر. يُضاف مستثمر آخر في شركة SUAL Partners، وهو لين بلافاتنيك، الملياردير ذو الأصول الأوكرانية الذي يحمل الجنسيتين البريطانية والأمريكية. تبرع بلافاتنيك بمليون دولار من خلال شركة أخرى يسيطر عليها إلى اللجنة التي مولت احتفالات تنصيب ترامب، التي حضرها فيكسيلبيرغ ودُعي إليها بلافاتنيك.

تشير الوثيقة السرية إلى أنه بموجب اتفاقية إعادة الهيكلة التي وافقت عليها وزارة الخزانة الأمريكية، سوف تمتلك شركة SUAL نسبة 22.5% من شركة Rusal، فيما سوف تمتلك EN+ نسبة 56.88% من شركة Rusal.

تحدد الوثيقة بدقة حصص الملكية في شركة EN+، التي تعود إلى كيانات وأشخاص تربطهم علاقات شخصية بديريباسكا. يتضمن ذلك أسهماً تمتلكها زوجته السابقة بولينا يوماشيفا، ابنة رئيس الإدارة الرئاسية للرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن التي حظيت بتعليم بريطاني. تملك يوماشيفا 5.19% من أسهم شركة EN+، فيما يملك والدها فالنتين يوماشيف 1.57%، إضافة إلى شركة تشير تقارير إلى أنها مرتبطة بالعائلة، وهي شركة Orandy Capital Limited التي تملك 1.78%، حسب الوثيقة.

سيتضح أن القيمة الإجمالية لمجموع ما يملكه ديريباسكا، وجمعيته، وزوجته السابقة، وأبوها، وشركة Orandy Capital، تصل إلى حوالي 57% من شركة EN+ بموجب الاتفاقية.

أكدت وزارة الخزانة الأمريكية في خطابها المرسل إلى الكونغرس حول الصفقة، أن أوصياءً لا تربطهم “علاقات شخصية ولا مهنية” بديرباسكا سوف يسيطرون على لجنة التصويت التابعة لشركة EN+ فيما يتعلق بالأسهم التي تملكها جمعية ديريباسكا، وزوجته السابقة، وأبوها، والشركة المرتبطة بالعائلة Orandy Capital، إضافة إلى الأسهم المنقولة إلى VTB.

تقضي الصفقة أيضاً بأن يسلم ديريباسكا سلطة التصويت على 10% من أسهمه إلى “اتحاد تصويت يلتزم بالتصويت بنفس طريقة غالبية الأسهم المملوكة لحاملي الأسهم الآخرين بخلاف ديريباسكا”.

أشار نقاد الصفقة إلى أن أسهم Rusal وEN+ ارتفعت للغاية بعد إعلان وزارة الخزانة، وهو ما يمثل دفعةً كبيرةً لمَحافظ الأسهم التي يملكها ديريباسكا، وعائلته، ومصرف VTB.

فقد نشر مايكل ماكفول، سفير الولايات المتحدة السابق لدى روسيا، تغريدة قال فيها: “اعتبروا ذلك فوزاً لبوتين”، مشيراً إلى ارتفاع سعر سهم Rusal.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top