هل اغتالت المخابرات الأمريكية الأمين العام للأمم المتحدة، واستخدمت فيروس الإيدز ضد السود في جنوب إفريقيا؟

حين فتحت جنوب إفريقيا دفاترها للنظر في الفظائع التي وقعت بعهد نظام الفصل العنصري في فترة التسعينيات، أعادت مجموعة مثيرة من المستندات والوثائق الباهتة إشعال واحد من أسرار القارة المتأصلة.

إذ رجحت السجلات أنَّ ميليشيا من الرجال البيض، كانت تعمل بدعمٍ من وكالة الاستخبارات المركزية (C.I.A) وجهاز الاستخبارات البريطاني، دبَّرت حادثة تحطم الطائرة التي وقعت في عام 1961 وقتِلَ فيها الأمين العام للأمم المتحدة، داغ همرشولد.

وبعد 20 عاماً، شرَعَ فريقٌ من صانعي الأفلام الوثائقية في التحقيق بشأن الميليشيا الغامضة، المعروفة باسم وحدة معهد جنوب إفريقيا للبحوث البحرية، وكذلك تحديد ما إذا كانت تلك الوحدة اغتالت همرشولد حقاً. ما كَشَفوه -إذا صح هذا- كان ادعاءً صادماً بدرجةٍ أكبر.

الوثائقي الذي أعاد فتح القضية  

ففي الفيلم الوثائقي “Cold Case Hammarskjold”، الذي عرضَ السبت 26 يناير/كانون الثاني 2019، في مهرجان صاندانس السينمائي، يزعم عضوٌ سابق بالميليشيا، يدعى ألكسندر جونز، أنَّ منظمته استخدمت لقاحات مزيَّفة في التسعينيات لنشر فيروس العوز المناعي البشري، الفيروس المسبِّب لمرض الإيدز، في محاولةٍ لإبادة السود.

وقال جونز: “كنَّا في خِضَم حربٍ. كان السود بجنوب إفريقيا هم العدو”. شكَّك العلماء فوراً في هذا الادعاء، الذي وصفوه بأنَّه إشكالي من الناحية الطبية.

وقال سالم عبد الكريم، مدير مركز Caprisa، وهو مركزٌ لأبحاث الإيدز في جنوب إفريقيا: “إنَّ احتمالية أنَّهم تمكنوا من فعل هذا الأمر قريبة من الصفر”.

وأضاف عبد الكريم، وهو باحثٌ بارز بمجال الإيدز كان يعمل على هذا المرض في جنوب إفريقيا بفترة التسعينيات، أنَّ تجهيز مختبر وحده كان ستيطلَّب ملايين الدولارات وبنيةً تحتية على المستوى نفسه الذي كانت عليه مراكز مكافحة الأمراض واتقائها في أتلانتا بذلك الوقت.

وقال خبراء في مرض الإيدز، إنَّ الادعاء الذي طرِحَ بالفيلم -والذي أثيرَ في مقابلاتٍ مع عضو سابق بالميليشيا، وصف بدوره ما مارسته من أنشطةٍ على مدى عقودٍ- فتح مجالاً لنظريات المؤامرة بلا داعٍ.

وحذروا من أنَّ هذا الادعاء ربما يسفِر عن أضرارٍ جسيمة في جنوب إفريقيا، التي لديها واحدٌ من أعلى معدلات الإصابة بالمرض في العالم.

محض ادعاءات.. وتشكك في المؤسسات الطبية

لسنواتٍ عديدة، شكَّك المسؤولون بجنوب إفريقيا في العلم المثبت واستخدموا العلاج بالأعشاب لمكافحة مرض الإيدز، حتى مع اجتياح المرض بلادهم.

وفي هذا الصدد، قالت ريبيكا هوديس، مديرة وحدة أبحاث الإيدز والمجتمع في جامعة كيب تاون بجنوب إفريقيا:

«تتمثَّل إحدى النتائج الخطيرة لتلك الادعاءات، في قدرتها على زرع الشك وانعدام الثقة بالأطباء والمؤسسات الطبية، وكذلك كونها تشوِّش الناس حيال كيفية انتقال فيروس العوز المناعي».

ليس هناك توافقٌ في الرأي بين علماء الأوبئة على سبب ارتفاع نسبة العدوى بالفيروس في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء.

وأثار هذا الخلاف بدوره، مقترناً مع معدلات الإصابة المرتفعة بنحوٍ مفرط مع السود، نظريات المؤامرة، منها أنَّ المرض استُحدِثَ بهدف تحديد السكان.

إنَّ مثل هذه النظريات، رغم ما تلقاه من انتقادٍ على نطاقٍ واسع، تفاقمت في جنوب إفريقيا، حيث تعرَّض السود لفظائع وحشية على مدى نصف قرنٍ من حكم البيض المتعصِّبين.

ولكن نادراً ما كان يدِّعي أي شخصٍ معرفةً مباشرة بتلك الحملة المدبَّرة لنشر الفيروس.

قال جونز، الذي لا صلة له بنصير نظرية المؤامرة الأميركي المشهور على نحو سيئ أليكس جونز، إنَّه زارَ منشأة بحثية وكان متأكداً من أنَّ الميليشيا تدير عياداتها بهدفٍ واحد: “إبادة السود”.

ثمَّة سببٌ طبي يجعلنا متشككين للغاية في رواية جونز؛ ففيروس العوز المناعي يصعب عزله، والتعامل معه، وزرعه في المختبر.

إذ إنَّ وضع الفيروس في محلول، والإبقاء عليه في حالة صالحة للاستخدام، ومن ثمَّ نشره عن طريق الحقن، سيشكل ذلك تحدياً حتى في وقتنا الحالي.

صُنّاع الوثائقي يصرون على أنه الحقيقة.. وشارَكوا الوثائق

في أوائل التسعينيات، كان عددٌ قليلٌ فحسب من المختبرات تملك القدرة على إجراء تجارب فيروس نقص المناعة المتطور، حسبما قال عبد الكريم، الباحث في مرض الإيدز.

ورغم أنَّ صنَّاع الفيلم يقدِّمون جونز بصفته الواشِي الواثق بنفسه، تعكس ملاحظاتهم من خلال عدِّة مقابلات أُجريت معه قبل التسجيل النهائي، أنَّه نفى مراراً أن تكون مجموعته متورطة في مهمة نشر وباء الإيدز.

ومع الوصول لمرحلة متقدمة في إجراء المقابلات الشخصية لأجل الفيلم، طَرَحَ صُنّاعه أسئلةً إضافية، قدَّمت إجاباتها تفاصيلَ عن الأنشطة المحتملة للميليشيا.

تطوَّرت إجابات جونز، في الوقت الذي جلس فيه لإجراء المقابلة النهائية، وأعلن كذلك عن معرفته المباشرة بالأشخاص والأحداث، التي بدا مسبقاً أنَّه لم يعلم بشأنها سوى من صناع الفيلم.

قدَّم صناع الفيلم الوثائقَ لصحيفة The New York Times الأميركية، وعرضوا كذلك التعاون في إعداد التقارير. حقَّقت الصحيفة بتلك الادعاءات، ولكنها لم تدخل في مثل هذه الشراكة. وحين سُئِلَ صناع الفيلم عن التناقضات في رواية جونز، أقرُّوا بأنَّه ليس بمقدورهم تأكيد ما سرده من أحداثٍ، وأنَّ خطة نشر الوباء التي وصفها جونز ربما لم تكن ممكنةً من الناحية الطبية. وهو ما شجَّع الصحفيين على إجراء مزيدٍ من التحقيق في الأمر.

قال بيتر إنجل، وهو منتجٌ دنماركي وأحد صنَّاع الفيلم: “ينبغي للصحفيين الذين يقدمون التقارير عن الفيلم أن يهتموا بوضع الادعاءات في سياقها. ولتذكير القرَّاء، حتى لو ثبتت صحة تلك الادعاءات، فلا يوجد سببٌ للابتعاد عن العيادات الطبية الحديثة، التي أصبحت منظمة بطرقٍ لم تكن موجودة في ثمانينيات القرن الماضي، بنهاية عصر نظام الفصل العنصري”.

يُذكر أنَّ مثل تلك الملاحظة التحذيرية لم تُدرَج في نسخة الفيلم التي تنظر فيها صحيفة The New York Times.

https://www.youtube.com/watch?v=eFTtuZmcojc

تريلر الوثائقي عن قضية همرشولد

مِن نشر الفيروس إلى اغتيال همرشولد

يضيف الفيلم الوثائقي تفاصيلَ جديدة ويثير تساؤلاتٍ إضافية عن وفاة همرشولد، وهو دبلوماسي سويدي لم تفسَّر حادثة تحطم الطائرة التي كان على متنها بالكامل، إذ خلصت لجنة لتقصي الحقائق تابعة للأمم المتحدة إلى أنَّ هناك “أدلة مقنعة تثبت أنَّ الطائرة تعرضت لشكلٍ من أشكال الهجوم أو التهديد”.

ولكن على الأرجح، ستثير المزاعم المتعلقة بنشر الإيدز أكبر قدرٍ من الاهتمام. ورغم أنًّه ليس بمقدورنا تأكيد صحة رواية جونز، فإنَّ هناك تأييداً للفكرة القائلة بأنَّ الميليشيا كانت على الأقل مهتمة بأبحاث الإيدز.

إذ إنَّ امرأةً شابة، تدعى داغمار فايل، تُوفيت أمام منزلها في عام 1990، وأخبرت أمُّها سلطات جنوب إفريقيا بأنَّها كانت تجري أبحاثاً عن الإيدز لمصلحة الميليشيا وقتئذ، وفقاً لوثائق معاصرة.

لا يُعرَف الكثير عن تلك الميليشيا، ومن الصعب فصل الحقيقة عن الأحداث المتخيلة، إذ زَعَم قائد الميليشيا كيث ماكسويل، أنَّها كانت متأصلة في تقاليد الأميرالية البريطانية وتعود إلى أوائل الثمانينيات.

وحين ظهرت وثائق تخص حادثة همرشولد في أواخر التسعينيات، احتار المسؤولون الحكوميون والخبراء فيما يفعلونه بها. فقد رفض بعضهم الميليشيا باعتبارها جماعة مزوِّرة أو نتاجاً لحملة التضليل السوفييتية.

الجماعة الغامضة

أياً كان ما تمثله هذه الجماعة المسلحة في تلك الحقبة، فبحلول الثمانينيات وأوائل التعسينيات بدا أنَّها جماعة من المرتزقة. كانت الجماعات شبه العسكرية والتشكيلات العسكرية الخاصة شائعةً إبان حقبة الفصل العنصري.

وكذلك، جرى الإعلان عن الجماعة، المعروفة اختصاراً بـ “سايمر/Saimar”، باعتبارهم رجالاً مدرَّبين عسكرياً بهدف الخدمة في عملياتٍ عسكرية أجنبية غير محددة.

إلى جانب ذلك، أدارَ ماكسويل، الذي تُوفي عام 2006، عياداتٍ طبية من هذا القبيل بجنوب إفريقيا، رغم أنَّه لم يكن طبيباً. وكذلك ادَّعى علناً أنَّ الإيدز سيكون في نهاية المطاف نافعاً للبشرية، وسيَهلك بسببه السكانُ السود في جنوب إفريقيا.

لكنَّ اهتمامه بمرض الإيدز أبعد ما يكون عن كونه برهاناً على وجود حملة حرب جرثومية ناجحة. ومع كون ماكسويل شخصية غريبة الأطوار أصرَّ على تلقيب نفسه بـ “القائد”، فقد امتلأت كتاباته بالخرَف والأحداث المختلَقة.

وصفه أدريان هادلاند، الذي أجرى معه مقابلة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي لمصلحة المجلة الساخرة The Laughing Stock، قائلاً:

“كان ماكسويل مهرِّجاً بعض الشيء، لكنَّه يأخذ نفسه على محمل الجد”. وكذلك حذَّر هادلاند، الذي يعمل أستاذاً في جامعة سترلينغ بأسكتلندا في الوقت الحالي، من أخذ أيٍّ من ادعاءات ماكسويل على محملها الظاهر. وأضاف: “سأكون حذراً للغاية حيال وضع الأشياء على المحك بخصوص كل ما يتعلَّق بهذا الرجل”.

صانع الفيلم.. تساؤلات وتحذيرات

إنَّ بطل الفيلم ومُخرجه هو مادس بروجر، وهو صحفيٌّ دنماركي كان يتظاهر بكونه مغامراً أوروبياً وشقَّ طريقه في وسط إفريقيا بفيلمه “The Ambassador” في عام 2012.

وجَّه البعض انتقاداتٍ إلى الفيلم وكذلك إلى بطله بوصفه عنصرياً، لكنَّه يرى أنَّه يؤدي دوراً ليكشف الحقائق المخفية. وكتبَ الناقد السينمائي أنتوني سكوت في صحيفة The New York Times، متسائلاً عما إذا كان بروجر شخصاً جديراً بالثقة.

تعتبر قصة نظريات مؤامرة الإيدز متجذِّرةً في مكايد الحرب الباردة، تماماً مثل لغز مقتل همرشولد.

إذ بدأت في صورة تضليلٍ سوفييتي، من خلال ضباط الاستخبارات السوفييتية الذين شرعوا في نشر المقالات بالصحف، قائلين إنَّ القوات المسلحة الأميركية صنَّعت المرض، بحسب نيكولي ناتراس، مؤلفة كتاب The AIDS Conspiracy.

وسرعان ما شقَّت تلك التقارير الكاذبة طريقها إلى إفريقيا، حيث اتَّخذَ سكان جنوب إفريقيا منها ما يوافقهم، والذي غالباً ما ينطوي على حكومة نظام الفصل العنصري.

ذكرت نيكولي في كتابها، أنَّ استخدام نظام القمع بحكومة البيض المتعصبين، التي كانت تملك بالفعل برنامجاً للأسلحة النووية، جعل أسطورة الإيدز قابلةً للتصديق لدى كثير من السود.

حذَّرت ريبيكا كذلك من تصديق الاستنتاجات الواردة في الفيلم الوثائقي Hammarskjold، وقالت: “ينبغي فحص كل عنصر في هذا الادعاء الغريب من خلال دراسة دقيقة ومتأنية، والتحقّق من الوقائع المذكورة”.

ـ هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top