خيارات مصر محدودة جداً الآن في أزمة السد.. ما الذي سيحدث؟

حين حذَّرتُ في مارس/آذار من احتمالية اندلاع حرب بين مصر وإثيوبيا إذا لم تتوصلا إلى اتفاق حول السد الذي تشيده هذه الأخيرة على مجرى النيل، اتهمتني وزارة الخارجية الأإثيوبية في تغريدة على حسابها الرسمي على تويتر بأنني “أثير المخاوف وغير دقيق”. واليوم، وصلت المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا إلى المرحلة الدبلوماسية الأخيرة، وباتت الحرب بلا شك السيناريو الوحيد المحتمل، حتى لو استخف العالم بقرع طبولها.

وانتهت المحادثات بين الدول الثلاث حول سد النهضة الإثيوبي الكبير، التي يرعاها الاتحاد الإفريقي، إلى طريق مسدود يوم الاثنين 13 يوليو/تموز. وتخشى مصر من أنَّ حصتها من مياه النيل ستتضرر بقوة إذا بدأت إثيوبيا ملء خزان السد الذي يسع 74 مليار متر مكعب من دون الوصول إلى اتفاق أولاً مع دولتي المصب، مصر والسودان. وترغب القاهرة في تأمين حصتها السنوية من المياه خلال فترات الجفاف القاسية.    

لكن إثيوبيا ترى أنَّ ملء السد وتشغيله هو حق سيادي لها، وترفض الدعوات التي تنادي بالوصول لاتفاق لا ينص على ترتيبات جديدة بشأن حصتها “العادلة” أيضاً. وتقول إنها ستشرع منفردة في ملء السد خلال الأسابيع القليلة المقبلة، بغض النظر عن نتائج المناقشات.  

وأظهرت صورٌ ملتقطة بالأقمار الصناعية، يوم الاثنين 13 يوليو/تموز، بدء امتلاء خزان السد بالفعل، ربما نتيجة موسم الأمطار. لكن إذا نفَّذت إثيوبيا تهديداتها فعلاً، فستتخذ الأزمة على الأرجح منعطفاً جديداً.

من جانبهم، يتهم المسؤولون المصريون الحكومة الإثيوبية باتباع سلسلة من الألاعيب الاستعلائية الدبلوماسية منذ توقيع إعلان المبادئ في 2015، الذي ينص على وجوب توصل جميع الأطراف إلى اتفاق أولاً قبل ملء خزان السد. لكن يبدو أنَّ فريق المفاوضات الإثيوبي استلهم أسلوبه من الحنكة الدبلوماسية التي أظهرتها كوريا الشمالية في مفاوضاتها القصيرة مع الولايات المتحدة بشأن نزع سلاحها النووي. ومنذ البيان المشترك الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب والزعيم كيم جونغ-أون في 2018 في سنغافورة، أظهرت كوريا الشمالية حذراً شديداً في إضاعة الوقت والمماطلة في تنفيذ التزاماتها. ووصلت المفاوضات حالياً إلى مرحلة الجمود، ويبدو الطرفان بعيدين تماماً عن إتمام الاتفاق. ومن خلال اتباع قواعد اللعبة نفسها، والمماطلة، يبدو أنَّ إثيوبيا دفعت المصريين إلى طريقٍ مسدود.

ويعني هذا الجمود أنَّ مصر لم يعد أمامها الكثير من الخيارات المتاحة. وفي أثناء اجتماع مجلس الأمن الدولي الأخير لمناقشة محطة الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا، أثار وزير الخارجية المصري سامح شكري المسألة. ووصف السد بأنه “تهديد ذو أبعاد وجودية محتملة”، وفي لحظة استعراض للقوة هدَّد بأنَّ “مصر ستحفظ وتؤمن المصالح الحيوية لشعبها. الحفاظ على حق البقاء ليس اختياراً، ولكنه طبيعة البشر”. ورد مندوب إثيوبيا لدى الأمم المتحدة، تاي أسقي سلاسي، قائلاً إنَّ توفير موارد المياه لشعب بلاده “ضرورة وجودية”.

يُذكَّر أنَّ المياه ليست المصلحة الحيوية الوحيدة التي أصبحت على المحك: إذ يقاتل الرئيس المصري والمشير السابق عبد الفتاح السيسي من أجل الحفاظ على شرعيته أيضاً. منذ توليه السلطة في عام 2014، قدَّم السيسي رواية شعبوية/قومية تقوم على غرس الكثير من التفاخر الشعبي بالقوة العسكرية ورفع توقعات الناس بشأن قدرته على حماية “أمن مصر القومي ومصالحها”. ويفهم السيسي أنه بخسارة المعركة الدبلوماسية حول ملء السد والاستسلام لضغوط إثيوبيا، فإنه بذلك يخاطر بإشعال اضطرابات شعبية، وربما حتى انقلاب عسكري.

وأخبرني مصدر من القاهرة هذا الأسبوع أنَّ مصر شهدت مؤخراً “تغيراً في التركيز” على إستراتيجيتها للتعامل مع صراع سد النهضة، وأنَّ “السيسي يشعر بخيبة أمل كبيرة من إستراتيجية إثيوبيا التصعيدية”. ومن المفارقة أنَّ القيود الداخلية التي تفرضها إثيوبيا على منح الكثير من التنازلات لمصر والسودان لا تختلف كثيراً عن المصرية.

وينشغل الإثيوبيون بالصراع بنفس الدرجة التي ينشغل بها المصريون؛ إذ يرون السد دلالة على النهضة ومدعاة للفخر القومي. وغُطيِ جزء كبير من تكلفة السد البالغة 4.8 مليار دولار من خلال رواتب موظفي الدولة الإثيوبيين وكذلك تبرعات أخرى من الناس العاديين والفقراء.

ويواجه رئيس الوزراء الإثيوبي الحائز على جائزة نوبل، آبي أحمد، اضطرابات سياسية وعرقية في الداخل. وفي الشهر الماضي، قطعت الحكومة خدمات الإنترنت وأرسلت قوات إلى الشوارع لقمع أعمال الشغب، في أعقاب مقتل مغني شهير من قبيلة الأورومو التي تعاني من الاضطهاد منذ فترة طويلة. إضافة إلى ذلك، بدأ الكثيرون في التشكيك في شرعية الحكومة بعد أن اضطرت إلى تأجيل الانتخابات البرلمانية لهذا العام بسبب جائحة “كوفيد-19”. وقوضت الاضطرابات، المندلعة منذ وصول أحمد إلى منصبه في 2018، سلطة رئيس الوزراء واستقرار حكومته.

بيَّد أنَّ سد النهضة الكبير هو أكبر مسألة سياسية يمكن أن يحتشد خلفها الإثيوبيون، ويمكن أن توفر الوحدة الوطنية التي يحتاجها آبي أحمد باستماتة. غير أنه إذا قدم الكثير من التنازلات، يمكن أن تسقط حكومته على يد الشعب أو الجنرالات الغاضبون من إصلاحاته الديمقراطية، التي يراها الكثيرون طائشة. 

وتعد إثيوبيا شريكاً أساسياً للولايات المتحدة أيضاً. وعلى الرغم من اعتماد السيسي على علاقته الشخصية الودية مع ترامب، لكنه لا يستطيع تجاهل الأهمية الإستراتيجية التي تمثلها إثيوبيا للولايات المتحدة بوصفها حصناً ضد الإرهاب في منطقة شرق إفريقيا، ولا حقيقة أنها شريكٌ في المسعى الأمريكي لموازنة استثمارات الصين ونفوذها المتزايد في إثيوبيا ومنطقة القرن الإفريقي.

وهذا لا يترك مجالاً لمصر للمناورة. وعلى غرار التعثر الأمريكي في التفاوض بشأن نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية، فإنَّ فشل دونالد ترامب في التوسط في صراع السد وضغوط انتخاباته الرئاسية المقبلة هي أسباب كافية دفعته لفقدان الاهتمام بالمسألة.

وهذا يمكن أن يدفع مصر إلى القيام بعمل عسكري لإثبات وجهة نظرها، ولفت انتباه المجتمع الدولي نحو الصراع وفرضه على جدول أعمال الرئيس الأمريكي الذي سيُنتخَب في لاحق من هذا العام. وهي نفس الاستراتيجية التي استخدمها الرئيس محمد أنور السادات لكسر الجمود الدبلوماسي حول وضع “لا سلام.. لا حرب” مع إسرائيل عام 1973. وانتهى ذلك بإثارة صراع عسكري أُخمِدَت ناره بالتوقيع على معاهدة سلام دائمة بين البلدين في عام 1979. وهي لا تبدو استراتيجية “مُقلِّقة” على الإطلاق.

  • هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top