بدأ السودانيون إضراباً شاملاً في البلاد لانتزاع السلطة من يد العسكريين، فماذا ينتظرهم؟

حالة من الترقب يعيشها السودانيون ومن يهتم بثورتهم في العالم منذ أمس الأحد 9 يونيو/حزيران 2019، بسبب شروع المتظاهرون في وسيلة سلمية للضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة وهي “الإضراب الشامل” الذي تسبب في شلل الخرطوم بالكامل بحسب تقرير لصحيفة The Financial Times البريطانية.

ودخلت العاصمة السودانية حالةً من الشلل الناتج عن الخوف أمس الأحد 9 يونيو/حزيران، بعد أسبوعٍ من العنف الذي بدَّد آمال المحتجين في ثورةٍ سلمية ديمقراطية.

وبحسب الصحيفة البريطانية، فكان مركز المدينة خاوياً إلا من قوات الدعم السريع المثيرة للخوف والمتمركزة في كل ركنٍ منها، كما لو أنَّ المدينة تعرَّضت للغزو من قوة احتلال. وقالت مجموعات المعارضة إنَّ الجنود الشباب، المُسلَّحين بالقذائف الصاروخية والمدافع الرشاشة كبيرة العيار المنصوبة فوق العربات العسكرية، ظلوا يراقبون الوضع يوم الأحد، فيما واصل ضباط الأمن الآخرون عمليات الاعتقال في ضواحي المدينة.

وأدَّى القمع من جانب القوات المسلحة إلى انهيار المفاوضات بين المعارضة المدنية السودانية والقادة العسكريين، الذين استولوا على السلطة من الرئيس عمر البشير في أبريل/نيسان الماضي، الأمر الذي يترك السودانيين في حالة خوف مما قد يحدث في المستقبل.

ماذا سيحدث بعد ذلك؟

عناصر من الجيش السوداني – رويترز

بحسب الصحيفة البريطانية، يتمثَّل أحد السيناريوهات المحتملة في حدوث حالة من الجمود المُنهِك إذا ما رفض قادة الجيش التنازل عن السلطة، واستمرت المعارضة المدنية في مقاومتها. وبدأت جهودٌ للوساطة الدولية يوم الجمعة 7 يونيو/حزيران يقودها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، لكنَّ المجلس العسكري رفض على الفور شروط المعارضة لبدء حوارٍ جديد.

وحذَّر الخبراء من أنَّ أحد الاحتمالات الأخرى يتمثل في نشوب صراعٍ قد يكون أكثر خطورة، في حال بدأت عناصر من القوات المسلحة السودانية واسعة الانتشار، مثل قوات الدعم السريع، في التنافس على السلطة.

وقال حسين كرشوم، عضو وفد مفاوضات السلام السابق التابع للحكومة السودانية، إنَّ صراعاً كهذا من شأنه أن يؤدي إلى عنفٍ “أسوأ بكثير” مما شهدناه ليلة الاثنين 3 يونيو/حزيران، حين داهمت قوات الدعم السريع المقر الرئيسي لتظاهرات المعارضة في وسط الخرطوم، ما أودى بحياة أكثر من 120 شخصاً.

الاعتصام أصبح ركاماً

كان المحتجون قد سيطروا منذ أبريل/نيسان الماضي على شبكةٍ من الشوارع في المدينة، بدايةً من المنطقة الواقعة أمام وزارة الدفاع. وكان الاعتصام في ذروته يستغرق 30-40 دقيقة لاجتيازه سيراً على الأقدام، ويتكون من متاهة من الخيام والملاجئ المؤقتة التي تؤوي النشطاء والمجموعات السياسية والتجمُّعات المهنية، التي تدفع كلها باتجاه تحقيق الديمقراطية في السودان للمرة الأولى منذ عقود.

وبحلول يوم السبت 8 يونيو/حزيران، كان الاعتصام قد تحول إلى ركام. فتوجد على طول الشارع الرئيسي أكوام من الرماد في الأماكن التي كانت توجد فيها الملاجئ من قبل، وبدأت الحفَّارات في رفع الركام، وشرعت الشاحنات العسكرية المدججة بالسلاح في تسيير الدوريات. وما تبقى فقط كان الجداريات المفعمة بالألوان التي رسمها المحتجون، تُمثِّل تذكرةً بآمال الديمقراطية التي كان يحميها الاعتصام ذات يوم.

وفيما يحفظ جنود قوات الدعم السريع الأمن في المدينة، صرَّح بعض قادة المعارضة يوم الأحد لصحيفة Financial Times البريطانية بأنَّهم لا يمكنهم أن يجتمعوا بصفةٍ شخصية، وأنَّهم مترددون في الكشف عن مواقع وجودهم خوفاً من التعرُّض للاحتجاز.

ووفقاً لتجمُّع المهنيين السودانيين، الذي يقود حركة المعارضة، اعتُقِلت شخصيتان معارضتان يوم الجمعة 7 يونيو/حزيران بعد اجتماعٍ من أجل مباحثات وساطة، واستمرت المضايقات في عطلة نهاية الأسبوع.

الحل في الإضراب

صورة لمشاهد ما بعد فض الاعتصام في السودان/ رويترز
صورة لمشاهد ما بعد فض الاعتصام في السودان/ رويترز

لكنَّ المجموعة لم يردعها ما حدث، ودعت إلى إضرابٍ عام لأجلٍ غير مسمى، وأُغلِقَت الشركات والمحال أمس الأحد في عموم المدينة.

وقال التجمُّع: “إزاء هذه التطورات الكارثية والقمعية، نهيب بالعاملين في كل المؤسسات والمرافق.. ممارسة أدوات العصيان المدني الشامل والإضراب السياسي العام والتمسك بها”. وأضاف: “كما نحيي صمود الثوار وتماسكهم”.

وقال سكانٌ بالخرطوم إنَّهم لم يروا مدينتهم بهذا القدر من العسكرة قط، حتى في ظل عيشهم 30 عاماً تحت حكم ديكتاتورية البشير.

ولا يزال الكثيرون في حالة صدمة. فقال سليمان أسامة، وهو جرَّاح عظام يبلغ من العمر 27 عاماً، وكان في الصفوف الأولى للاحتجاجات منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي: “الوصف لن ينقل لك الحقيقة الكاملة أبداً. لقد كانت مذبحة”.

كان أسامة واحداً من بين مئات العاملين في المجال الطبي الذين اضطلعوا بدورٍ محوري في الثورة السودانية الوليدة؛ إذ شاركوا في التظاهرات وعالجوا الضحايا. ومنذ أبريل/نيسان الماضي، كان أسامة يتوجه إلى الاعتصام لمعالجة الجرحى بعدما يُنهي دوام عمله، الذي يستمر 12 ساعة في المستشفى.

وقال أسامة إنَّه شهد ليلة الاثنين مشاهد مروّعة لن ينساها أبداً: رجالٌ مسلحون يُلقون أكثر من 12 جثة من فوق أحد الجسور في مياه النيل، وجنودٌ يطلقون النار في ساحة انتظار غرفة الطواري بأحد المستشفيات، ومريضٌ ينزف نتيجة جرح طلقة نارية في المعدة فيما كانت سيارة الإسعاف تشق طريقها عبر المدينة.

جثث ملقاة في النيل!

وقال: “كان صوت إطلاق النار عالياً جداً لدرجة أنَّه يمكنك أن تتصوُّر أنَّك كنت بمنطقة حرب”.

جريح أثناء الاحتجاجات / أرشيف
نقل جريح أثناء الاحتجاجات في السودان في 15 مايو / رويترز

وبعد مرور خمسة أيام، كان أسامة لا يزال يعالج ضحايا ليلة الاثنين. وتحدَّث لصحيفة Financial Times يوم السبت بعدما انتهى من جراحة عمودٍ فقري مكسور امتدت ست ساعات. وأضاف أنَّ المريض، وهو رجل في الثلاثينيات من عمره، كان قد تعرَّض للضرب بالهراوات والكرابيج على يد خمسة من أفراد قوات الدعم السريع.

وأوضح كرشوم أنَّ قوات الدعم السريع، التي باتت جزءاً من القوات المسلحة عام 2013 باعتبارها مجموعة شبه عسكرية، تُعَد قوات عديمة الرحمة لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها. وقال إنَّ تلك القوات يقودها الفريق أول محمد حمدان دقلو، الرجل الثاني في المجلس العسكري الانتقالي بالسودان، وإنَّ معظم مقاتليها هم من الرجال اليافعين للغاية، الذين أصقلتهم المعارك واستُقدِموا من ميليشياتٍ مختلفة من أنحاء البلاد، بحسب الصحيفة البريطانية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top