لعنة التحليق فوق الشرق الأوسط.. النزاع في المنطقة يكلّف شركات الطيران ملايين الدولارات شهرياً

لم يصل التوتر الكبير في الشرق الأوسط بين إيران وأمريكا إلى حد الخصومة السياسية فقط بل الأمر تحول إلى كابوس اقتصادي لشركات الطيران التي شرعت في البحث عن مسارات أخرى بعيدة عن هذا الصراع مما كلف هذه الشركات المزيد من الأموال.

وبحسب شبكة CNN الأمريكية يُصعِّب تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران على شركات الطيران تسيير طائراتها فوق منطقة الشرق الأوسط، التي تعد مزدحمةً بشدة بعد حظر استخدام أجزاء كبيرة من مجالها الجوي بالفعل بسبب التنافس السياسي أو الحروب.

إذ نشبت أحدث مشكلة لقطاع الطيران العالمي يوم الخميس الماضي 20 يونيو/حزيران حين أسقطت إيران طائرة استطلاع أمريكية، مما دفع إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية إلى منع شركات الطيران الأمريكية من تسيير طائراتها فوق أجزاء من خليج عمان والخليج العربي.

وذكرت الوكالة الأمريكية في تقريرٍ لها إنها تشعر بالقلق من “تصاعد الأنشطة العسكرية وزيادة التوترات السياسية” في المنطقة بعدما استخدمت إيران صاروخ أرض جو لإسقاط الطائرة “في أثناء تحليقها بالقرب من مساراتٍ جوية مدنية”.

البحث عن مسارات بديلة!

بوينغ تُجري تعديلات كبيرة في إدارة وحدتها الهندسية

ومن جانبها اتخذت بعض شركات الطيران ردود فعل سريعة. إذ ألغت شركة يونايتد إيرلاينز رحلاتها بين الهند ونيويورك حتى الأول من سبتمبر/أيلول المقبل، بينما ذكرت شركاتٌ أخرى مثل كانتاس، وشركة الخطوط الجوية البريطانية، وشركة كيه إل إم، وشركة لوفتهانزا إنها ستلتزم بالقيود، مما يعني إجراء تغييرات في مسار بعض الرحلات الجوية المتجهة إلى مطارات رئيسية في دبي والدوحة وأبوظبي، وكذلك بعض الطائرات التي تعبر المنطقة عبر مساراتٍ آتية من آسيا ومتجهة إليها.

بيد أنَّ الوضع صار أشد تعقيداً بشكلٍ خاص على شركات طيران الإمارات والاتحاد للطيران والخطوط الجوية القطرية، التي تُسيِّر عدداً كبيراً من الرحلات الجوية الطويلة من هذه المطارات الرئيسية إلى جميع أنحاء منطقة الخليج. وقد قالت شركة طيران الإمارات يوم الجمعة الماضي 21 يونيو/حزيران إنَّها تعيد توجيه جميع الرحلات الجوية بعيداً عن “مناطق النزاع المحتمل”، مضيفةً أنَّها ستجري تغييرات إضافية إذا لزم الأمر. فيما قالت شركة الاتحاد إنَّ السلامة هي أهم شيء، مضيفةً أنَّ الشركة “وافقت على تغيير عدد من مسارات الرحلات الجوية التي نُسيِّرها من الخليج العربي وإليه”.

ارتفاع التكاليف والمخاطر

أمَّا بالنسبة لشركات الطيران التجارية وشركات الشحن الجوي، فإنَّ قيود الطيران تسفر عن قطع مساراتٍ أطول، مما يكلفها المزيد من الوقت والأموال. وليس هناك مكان أكثر اضطراباً به العديد من القيود من الشرق الأوسط.

يُذكَر أنَّ شركات الطيران تجنَّبت تسيير طائراتها فوق سوريا في السنوات الأخيرة، وأبقت نفسها بعيدةً عن المجال الجوي السوري الذي تجوبه الطائرات العسكرية باستمرار. لكنَّها اضطرت كذلك إلى تجنُّب التحليق فوق أجزاء من إيران والعراق في العديد من الأوقات. وفي السياق نفسه، أسفرت الحرب الأهلية الجارية في اليمن عن حظر استخدام مجالها الجوي منذ عام 2015، وقد أصاب صاروخٌ أطلقه المتمردون الحوثيون قاعة الوصول في أحد مطارات المملكة العربية السعودية في الشهر الجاري. وكذلك تتجنب شركات الطيران منطقة شمال سيناء، حيث تقاتل السلطات المصرية مقاتلين إسلاميين.

وقال مارك زي، مؤسِّس منظمة OpsGroup التي تراقب المجال الجوي من أجل شركات الطيران وأبراج المراقبة المشتركة في عضويتها: “لم يكن الشرق الأوسط أشد تعقيداً من الآن على شركات الطائرات. ولقد ازداد الوضع تعقيداً على مرِّ الأشهر الستة الماضية. ومهما كان المسار الذي تسلكه، فقد قُطِع الطريق أمامك”.

ومع ذلك، ما زال هناك عددٌ كبير من الرحلات الجوية من مطارات مثل لندن وأمستردام وفرانكفورت تعبر منطقة الشرق الأوسط في طريقها إلى وجهاتٍ آسيوية مثل بانكوك وسنغافورة.

وفي هذا الصدد، قال زي: “هذه كمية هائلة من الحركة الجوية. وليس هناك الكثير من البدائل”.

جديرٌ بالذكر أنَّ الأميال الإضافية التي تقطعها الطائرات لتجنُّب مناطق الاضطراب تُسفر عن ارتفاع تكاليف التي تتحملها شركات الطيران التي تنفق 180 مليار دولار سنوياً على وقود الطائرات. فقضاء نصف ساعة إضافية في الهواء يتكرر طوال عامٍ كامل يعني زيادة التكاليف بملايين الدولارات. فضلاً عن الوقت الإضافي الذي يتعين على المسافرين الآن تحمله في رحلاتهم.

وضرب زي مثالاً بالرحلات الجوية بين أمستردام ونيودلهي لتوضيح التأثير. إذ عادةً ما تمر الرحلات الجوية بين المدينتين فوق باكستان، لكنَّ العديد منها يتخذ مساراً آخر حول البلاد بسبب المناوشات المسلحة بينها وبين الهند. بيد أنَّ إيران تقع كذلك في مسار هذه الرحلات، مما يعني أنَّ الطائرات قد تضطر الآن إلى إجراء تحويلٍ آخر في مسارها.

الدرس المستفاد من حادثة الطائرة الماليزية MH17

الطائرة الماليزية المنكوبة

دفع إسقاط طائرة الرحلة رقم 17 التابعة لشركة الخطوط الجوية الماليزية في عام 2014 شركات الطيران والهيئات التنظيمية إلى التحقُّق من سلامة الطيران فوق مناطق النزاع. ففي هذه الحادثة، قُتل 298 شخصاً عندما أسقطت الطائرة بصاروخٍ في أثناء تحليقها فوق جزء من شرق أوكرانيا واقع تحت سيطرة انفصاليين مؤيدين لروسيا.

وكانت بعض شركات الطيران قد قرَّرت بالفعل أن الطيران فوق تلك المنطقة محفوفٌ بالمخاطر، وكانت تتجنبها وقت سقوط هذه الطائرة. لكنَّ المشاركة الضعيفة للمعلومات بين شركات الطيران والهيئات التنظيمية والحكومات أسفرت عن أنَّ بعض شركات الطيران واصلت تسيير الرحلات الجوية فوق شرق أوكرانيا.

لذا يُطبَّق قطاع الطيران الآن بعض الدروس المستفادة من تلك الكارثة.

ففي إشعارٍ أرسِل إلى شركات الطيران يوم الخميس الماضي، قالت إدارة الطيران الفيدرالية إنَّ تطبيقات تتبع الرحلات الجوية أشارت إلى أنَّ أقرب طائرة مدنية كانت على بعد حوالي 72 كيلومتراً من الطائرة الأمريكية بدون طيار عند استهدافها. وأضافت الوكالة أنَّ النظام الصاروخي الذي استخدمه الإيرانيون من الممكن أن يصل إلى 18290 متراً، أي ضعف الارتفاع الذي تُحلِّق عنده الطائرات النفاثة التجارية تقريباً.

القلق مازال مستمراً

وقالت الوكالة في تحذيرها: “ما زالت إدارة الطيران الفيدرالية تشعر بالقلق إزاء تصاعد التوتر والنشاط العسكري على مقربة من مساراتٍ جوية مدنية تشهد قدراً كبيراً من حركة الطائرات. وتعرب عن قلقها حيال احتمالية حدوث خطأ في تحديد هوية إحدى الطائرات أو سوء تقدير، مما قد يؤدي إلى استهداف الطيران المدني بدون قصد”. 

وهناك سابقة لمثل هذا التقدير الخاطئ. ففي عام 1988، أصاب صاروخٌ أطلقته سفينة حربية أمريكية الرحلة الجوية الإيرانية رقم 655، مما أسفر عن مقتل 290 شخصاً.

وذكر زي أنَّ الإجراء السريع الذي اتخذته بعض الهيئات التنظيمية وشركات الطيران في الأسبوع الجاري قد يمنع وقوع كارثة أخرى.

وقال: “في خلال 24 ساعة، وجدنا أنَّ معظم شركات الطيران الكبرى توقفت تماماً عن تسيير طائراتها فوق هذه المنطقة. وإذا كان هناك جانبٌ مضيء في هذه الحادثة، فهو السرعة الكبيرة التي اتخذت بها شركات الطيران قراراتٍ تستند إلى المخاطر لتجنب أحد المجالات الجوية”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top